بقلم - سيف سعيد غباش *

لا جدال أن للثقافة تأثيراً قوياً وحاسماً على وجدان الشعوب وتطور المجتمعات الإنسانية، فهي تحمل في طياتها الذاكرة الجمعية، وتاريخ البشرية، وخبرات واسعة وتجارب وممارسات وأساليب حياتية متنوعة، بما فيها العقبات والصعوبات التي تم تخطيها للوصول إلى مكتسبات الحاضر.. باختصار هي القيم المحركة لمجتمعاتنا اليوم.
من هذا المنطلق نفهم التوجه إلى تعزيز دور الثقافة في الواقع اليومي في أبوظبي، إذ لا يكفل العمل على تطوير المنظومة الثقافية تعزيز مكانة الإمارة باعتبارها مركزاً لثقافات العالم وفنونه فقط، بل تأتي الاستفادة الأكبر من تحفيز التغيير الإيجابي وإحداث تحولات تقفز بالمجتمعات نحو واقع أكثر حيوية واستجابة للحداثة.
غير أن العمل على تعزيز منظومة من هذا النوع يواجه تحديات متعددة، من أبرزها: العمل على الارتقاء بالمؤسسات الثقافية لخدمة جمهور متغير الاهتمامات والأولويات، ومواكبة التغيرات في عالم صناعة الفنون المعولمة. من منظور أوسع، هناك قضايا أكبر تواجه العاملين في الحقل الثقافي مثل الصراعات والعنف وما ينتج عنه على أرض الواقع، والهجرات، وتغير الهويات، واندثار التراث الثقافي نتيجة الحروب والنزاعات، وهي تحديات ملحة، وتتطلب أمرين أساسيين عند معالجتها، وهما: الابتكار والاستدامة.
إن التطور التقني المذهل الذي نعيشه يفرض على العاملين في المجال الثقافي ابتكار وسائل وقنوات جديدة تواكب هذا التطور، وتساهم في الوصول إلى الإنسان الجديد في هذه الحقبة التي تربى فيها أجيال ضمن منظومات ثقافية متقدمة وشديدة التغير وشديدة التنوع، وفي نفس الوقت عليهم الحفاظ على القيم المميزة للمجتمع الواحد، والذي غالباً أصبح متعدد الهويات والثقافات بفضل الانفتاح والتعايش؛ إن استدامة القيم المجتمعية وجعلها ذات معنى في يومياتنا أمر حتمي لخلق مجتمعات متوازنة.
هنا في أبوظبي، نمضي قدماً بخطوات ثابتة نحو تقديم نموذج عالمي لعاصمة ثقافية منفتحة على جهات الأرض، من خلال مواجهة هذه التحديات بشكل حاسم وتقديم حلول معاصرة لها، لاسيما أن إمارة أبوظبي أصبحت في طليعة قطاع المتاحف في العالم. ومن منظور إنساني أوسع، نكثف جهودنا لحماية التراث العالمي المهدد بالخطر في أماكن النزاعات، عن طريق مشاركتنا في تأسيس (ألف) «التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع» وذلك التزاماً بأهداف نبيلة تكفل للإنسانية الحفاظ على ذاكرتها.
إن توظيف قوة الثقافة لتحقيق خير وسلام ورفاهية الإنسان، يعد من الأهداف طويلة الأجل التي تتطلب بناء جسور مستمرة للحوار مع الآخر، وتقبل وجهات النظر المختلفة وإيجاد نقاط الالتقاء عوض التهميش والإلغاء، وفي نفس الوقت علينا البحث دائماً عن طرق جديدة وفعالة لدعم هذه القوة الناعمة.
في الدورة الثالثة من «القمة الثقافية أبوظبي» التي تنعقد هذا الأسبوع في العاصمة، يلتقي قادة ورموز الحراك الثقافي في العالم لمناقشة القضايا الأكثر إلحاحاً في القرن الواحد والعشرين تحت عنوان «المسؤولية الثقافية والتكنولوجيا الجديدة» في دعوة لتفعيل الدور المركزي والفعال للثقافة في مجتمع عالمي تقوده التكنولوجيا الرقمية، وذلك بمشاركة خمسة شركاء ثقافيين مؤثرين في مجالات التراث والإعلام والفنون والمتاحف والتكنولوجيا، تأتي في مقدمتهم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» وذا إيكونيميست ايفينتس والأكاديمية الملكية للفنون ومؤسسة ومتحف سولومون آر. جوجنهايم وشركة جوجل.
وتكتسب «القمة الثقافية أبوظبي» أهمية إضافية بالتزامن مع احتفاء دولة الإمارات بـ «عام التسامح»، فلا تُعتبر مجرد حدث سنوي تتخلله حلقات نقاش وورش عمل تفاعلية، بل نطمح إلى إحداث تغيير إيجابي حولنا، فالحراك الثقافي يحتاجنا جميعاً للاستمرار والاستدامة. إنها واحدة من مبادرات عديدة تجسد جهود أبوظبي لتعزيز الحوار بين الثقافات وقبول الآخر والتعايش السلمي، ولن نتمكن من تحقيق ذلك دون تعليم هذه القيم للأجيال الشابة واستخدام الثقافة كأداة للتغيير.
نثق أن قادة الثقافة يمكنهم، ويتعين عليهم، المشاركة بصورة أكبر في مواجهة التحديات العالمية، وتسخير الإبداع والتكنولوجيا لابتكار حلول جديدة لما نواجهه في مجتمعاتنا المعاصرة. ويجب عدم تحجيم الثقافة وحصرها في حدود الترفيه فحسب، فهي منصة تجمع العالم لتعميق الحوار والتواصل وفهم بعضنا؛ إن مسؤولية توظيف الثقافة كقوة للتغيير الإيجابي تقع علينا جميعاً لضمان استدامة التقدم والتنمية والتفاهم في المجتمعات الإنسانية.

* وكيل دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي