عمّان ـ وفاء العلي:
'ربة عمون' و'فيلادلفيا' و'مدينة الجبال السبعة' أسماء حملتها مدينة عمان، عاصمة الأردن عبر عصور التاريخ، حيث نزلها العمونيون وهم من القبائل العربية التي هاجرت إليها وأطلقوا عليها اسم 'ربة عمون' أي عاصمة العمونيين· حدث ذلك منذ آلاف السنين، حيث كانت قلعة عمون (جبل القلعة الآن) تطل على الأراضي الزراعية الممتدة أمامها، واتخذ العمونيون القلعة وسيلة للحماية من غارات الأعداء، ولمراقبة طريق القوافل التجارية بين البتراء جنوباً ودمشق شمالاً· لكن عمان خضعت مثل غيرها من مدن كثيرة لسيطرة الإسكندر المقدوني الذي قام بتغيير اسمها إلى 'فيلادلفيا' نسبة إلى الإمبراطور فيلادلفيوس الثاني، واستمرت عمان تحمل هذا الاسم حتى العصر الجاهلي قبيل الإسلام، حيث استعادت اسمها القديم معدلاً وباتت تعرف بـ 'عمان'·
وشهدت عمان على مر تاريخها تغيرات كثيرة، فكبرت من حيث المساحة أو صغرت بناء على فترات الازدهار أو بسبب وقوعها بين براثن أكثر من احتلال لكنها ظلت مشهورة بجبالها السبعة التي تغنى بها الشاعر الأردني مراراً، وبهلالها الجميل الذي يبرق على صدر التاريخ عزة وكرامة· لكنها منذ قرن ونصف تقريباً عرفت عمان بمدينة الجبال السبعة، لأنها وبيوتها وأماكنها وشوارعها وأحيائها كانت تقع على هذه الجبال وسفوحها وما بين وديانها· أما عن أهم جبل تاريخي قديم فيها فهو جبل القلعة، ثم جبل عمان وجبل التاج وجبل الجوفة، وجبل اللويبدة وجبل النظيف، والمهاجرين، وحي نزال، وجبل الأشرفية وهو أعلى جبل من جبالها السبعة· ثم توسعت مدينة عمان لكي تضم جبالاً أخرى منها: جبل الحسين، والنزهة، والنصر، والمريخ، وماركا، والهاشمي والأخضر، والقصور·
الساحة الهاشمية
في وسط مدينة (عمان القديمة) التي هي أساس نواة وعراقة عمان أو حتى عمون القديمة التي يسميها الأردنيون (البلد)، يلاحظ الزائر ذلك الازدحام الهائل بالناس والأسواق والمحلات والمساجد، والأماكن الأثرية والمقاهي الشعبية الجميلة، ودور السينما والمطاعم المتنوعة الحديثة ومنها القديمة، والمساجد الكبيرة، والأدراج الشعبية الطويلة التي تخترق الأحياء والجبال والحارات القديمة الكائنة على جبالها السبعة الخالدة، وهي منطقة تسوق تحظى بقبول كبير من السياح الذين يشترون قطع الآثار والتحف والمنحوتات الصغيرة الجميلة التي أبدعتها يد الصانع الأردني، فإذا تعب من التجول في الأسواق، ولسعته حرارة الصيف، يمكنه أن يعرج على أي محل او كشك أو حتى عربة للمشروبات الباردة ليروي ظمأه، ويتمتع بطعم التمر هندي او الليمون المثلج أو غيرها من المشروبات التي تنتشر رائحتها في الأرجاء·
أما إذا رغب في استراحة طويلة، وتناول الطعام في مكان جميل وقريب، فما عليه سوى التوجه إلى الساحة الهاشمية التي تتربع في سط عمان مثل أميرة رومانية قديمة، فهناك يجد الحدائق والمقاعد والأكشاك والمطاعم والباعة وساعة البرج الشهيرة، والمدرّج والمسرح الروماني الجميل المكشوف لأعين المارة، بنقوشه ومعماره وأدراجه وحلباته الدائرية تقف شامخة بالمجد والسؤدد وبآثارها الرومانية والإسلامية الأموية والعثمانية القديمة··· من بقايا ساحات وقصور وكنائس وملاعب وبرك ماء قديمة ومقابر وبيوت وقصور كلها تعرضها عمان للعيون مجاناً، وما على الزائر سوى أن يملأ عينيه به·
سياحة ثقافية
ولعشاق السياحة الثقافية، وعشاق الفنون والثقافة ومريدوها هناك الكثير من المعالم والمرافق التي يمكن زيارتها، ولكي يحيطوا بها كلها ربما ينبغي أن يدونوها في دفتر خاص، لأنها تنتشر في أكثر من مكان، وتساهم بفعالياتها وأعضائها في الحراك الثقافي والفني والعلمي، في مجتمع وروح عمان النابض بالتواصل الثقافي والفني، لا سيما أيام مهرجان جرش الذي يستقطب فعاليات لا تحصى· ومن المؤسسات الثقافية المهمة المركز الثقافي الملكي الذي يحتوي على العديد من المسارح والقاعات الفنية، حيث جرت العديد من المهرجانات والعروض الموسيقية والمسرحية والتشكيلية والسينمائية والمؤتمرات والاحتفالات على خشبات قاعات مرافقه الفخمة، وبجانب المركز مقهى أدبي خاص بالأدباء والمثقفين والفنانين يلتقون فيه يومياً وسط جو شاعري جمالي، يشجع على التجمعات والانسجام الثقافي والإبداعي في الأردن· ومنها أيضاً رابطة الكتاب الأردنيين التي تأسست في العام 1974م لدعم أعضائها من خلال رعايتهم أدبياً وثقافياً وفنياً، ويقع مقر رابطة الكتاب الأردنيين في مكان أثير من جبل اللويبدة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه جبل الثقافة والفنون، حيث يقابله من جهة الجنوب جبل عمان، وهذان الجبلان هما من أقدم وأعرق الجبال الراقية والفخمة في عمان قديماً·· حيث ما يزالان مأهولين بالعراقة والدفء والألفة والبساطة، وعبقرية البناء العربي القديم·
جبل عمان
وجبل عمان هو أشبه بتلة واسعة منبسطة وممتدة إلى مسافة غربية، من منطقة الجامع الحسيني في وسط البلد إلى أن يصل هذا الجبل الشاسع إلى منطقة الشميساني، أو حدود بيادر وادي السير، وفي هذا الجبل توجد الكثير من الدوائر والمؤسسات الحكومية والخاصة، وهناك بعض القصور الملكية ورئاسة الوزارة وبعض الوزارات والسفارات وعدد من المستشفيات المهمة والخاصة، وبعض المدارس العريقة التي تخرج منها عدد مهم من الشخصيات الأدبية والفكرية والسياسية في الأردن· وفي الدوار الأول من الجبل موقع مجلس النواب الأردني القديم، حيث تحول إلى متحف سياسي للأردن يمكن زيارته للاطلاع على تاريخ الأردن السياسي منذ تأسيس الأردن· أما في الجهة المقابلة لهذا المتحف فيوجد منتدى مهم هو منتدى شومان الفكري، ومكتبة ضخمة وحديثة يوجد بها العديد من الكتب والدوريات الحديثة، والأشرطة وأجهزة الكمبيوتر وذلك لرواد المكتبة مجاناً· وتتواجد في منطقة جبل عمان الفنادق السياحية الضخمة والفخمة والحديثة في طراز بنائها الهندسي المعماري العالمي، وفي شكلها الخارجي المذهل ومنها أخيراً مثلاً عمارة رويال التي يمكن مشاهدتها من جميع أنحاء عمان تقريباً، ثم عمارة البرج الدائرية العالية كذلك·
الطريق إلى 'رجم الملفوف'
وإذا أردنا تتبع مشهد الصعود للجهة الشرقية المطلة على شارعي الملك طلال وبسمان، فإننا نسلك بعض الأدراج (السلالم) لنمر بالكثير من البيوت التراثية الحجرية القديمة، التي ينبعث منها عبق الماضي الجميل، حيث النقوش الحجرية على الجدران والأبواب والنوافذ المبنية على شكل قوس، ثم المرور بجانب قصر منكو الجميل بفن عمارته القوسي الشرقي، وعلى اليمين والشمال تتعانق البيوت الحجرية القديمة، والاشجار الخضراء الساحرة التي تزقزق عليها العصافير وتتنوع أزهارها راسمة لوحة من أجمل لوحات الجمال الطبيعي، خاصة في ظل الأنسام العليلة والهواء اللطيف الذي يميز عمان، إضافة إلى بعض المدارس والمساجد مثل مدرسة شكري شعشاعة، والمسجد العمري، ثم سينما الرينبو الشهيرة· وإذا ما دخلنا في بعض الشوارع الفرعية فإننا سنجد بعض الكنائس والفلل المدهشة، ثم الاسترحات الهادئة، وبعض النصب الحجرية الضخمة القديمة والحديثة، ثم فندق الأردن الذي يعتبر من أقدم الفنادق الأردنية في مدينة عمان، الذي ما زال محافظاً على خدماته الجيدة ثم الوصول إلى منطقة الدوار الثالث الذي اختفى ليحل محله تقاطعات وجسور وأنفاق لسير السيارات الكثيرة· ثم هناك سينما فيلادلفيا التي ظهرت إلى جانبها دور السينما الحديثة جداً، فهناك خمس قاعات عرض سينمائية، وبالقرب من هذه المواقع مكان أثري عموني قديم جداً اسمه (رجم الملفوف)·
وعلى خاصرة جبل عمان من الجهة الجنوبية يقع حي المهاجرين الشعبي القديم، الذي سمي بهذا الاسم نسبة إلى المهاجرين الشركس والشيشان القادمين في بداية القرن الماضي تقريباً من ما كان يعرف قديماً باسم الاتحاد السوفياتي أو روسيا· وهم مواطنون أردنيون ولهم أيادِ طيبة في بدء تأسيس مدينة عمان الحديثة، التي بدأت بإعادة تشكلها على ضفاف نهر أو سيل عمان فيما مضى، حيث الأراضي الزراعية ووفرة المياه والينابيع الصافية، وتربية الماشية وصيد السمك من هذا النهر قديماً، ولا يقل جبل عمان من جهة شارع الأمير محمد أصالة وعراقة بالنظر إلى بعض بيوته وقصوره القديمة الفاخرة بفن عمارتها الشرقية الحجرية الأموية أو الشامية·
جبل اللويبدة
أما الجبل الآخر فهو جبل اللويبدة الذي يطل على جبل عمان ويعانقه، وكأنهما يُلقيان التحية والسلام على بعضهما البعض صباح كل نهار ومسائه، لأن ما يفصلهما هو شارع واحد فقط هو شارع الأمير محمد· وإذا كان جبل عمان هو جبل الدوائر والمؤسسات الرسمية إلى حد ما فإن جبل اللويبدة هو جبل الثقافة والفنون إلى حد كبير·· ففي جبل اللويبدة العديد من المراكز والفعاليات والمؤسسات الثقافية والإبداعية والفنية المهمة منها مثلاً: نقابة الفنانين الأردنيين، ودارة الفنون التي تحتل مكاناً أشبه بالحدائق المعلقة والبيوت الحجرية الشعبية القديمة، التي ما زالت تحتفظ بعبق أصالتها وذوق فن عمارتها المحبب، القريب من الروح والنفس العربية، وحتى الرومانية المتمثلة بوجود بقايا أرضية وأعمدة كنيسة بيزنطية قديمة في ساحتها حتى الآن، حيث تقام عليها بعض الندوات وحفلات الموسيقى الصيفية· وفي هذا الجبل تنتشر أشجار الليمون والكلمنتينا في حدائق البيوت· وفي الجبل أيضاً رابطة الكتاب الأردنيين، ورابطة الإعلاميات العربيات ومركز حقوق الإنسان، ومتحف الطوابع الأردنية، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، وكلية الشريعة، والمركز الثقافي الفرنسي، ومسرح وسينما عمون، ومسرح أسامة المشيني التابع لوزارة الثقافة، وسينما الأردن وفرساي ومراكز ثقافية فنية واجتماعية أخرى·
أشياء كثيرة وأماكن أكثر لا تكفي المساحة لوصفها، بإمكان من يزور الأردن أن يزورها أو يستمتع في أرجائها في مدينة تفتح قلبها للشمس كل صباح، وتدعو الجميع الى الحب وتكتسي بتلك النفحة العربية البدوية الأصيلة التي تبدو ملامحها ظاهرة في كل مكان·
إنها عمان·· تدعوك إلى حبها كل لحظة، وتفتح لك ذراعيها لكي تتجول بين مآثرها ومناظرها وحدائقها وجمالها البادي في كل زاوية، حارات وأسواق صاخبة بالناس البسطاء وبالألفة المحببة، أدراج طويلة وجبال راسخة وأماكن عبادة فيها سلام النفس وفيها سلام الحياة· عمان القديمة وعمان الشابة والساحرة في حبها للناس وللزوار وللضيوف كذلك·
إنها عمان التي تغنى بها العشاق، وكتب لها الشعراء أجمل الشعر، وأعذب الألحان، وترنم باسمها المبدعون في صور شتى، وظلت عمان أجمل من الشعر، وأكبر من الكلام، وأحلى من الصور·