لطالما درج خبراء الطاقة على إطلاق صفة ''الوقود الخامس'' على مسألة ترشيد الطاقة إذ أن من شأنها أن تساعد على تلبية الطلب المتنامي على استخدام الطاقة وبدرجة لا تقل كثيراً عن مساهمة الفحم والغاز والنفط واليورانيوم· ولكن وفي هذه الأوقات التي يزداد فيها القلق والمخاوف بشأن المخاطر البيئية أصبحت مسألة ترشيد الطاقة تعتلي قمة الأجندة والاهتمام· وذكرت وكالة الطاقة الدولية أن ترشيد استخدامات الطاقة يمكنه أن يسهم بالتخلص من ثلثي حجم الانبعاثات في العالم· وفي الوقت الذي يؤدي فيه حرق الوقود الى إنتاج الغازات الدفينة التي تسهم بقدر كبير في الاحتباس الحراري العالمي وتولد فيه المحطات النووية المزيد من النفايات المهددة للحياة فإن ترشيد الطاقة لا يفضي إلا للمزيد من الثروات التي يمكن أن تتكدس في شكل فواتير منخفضة للطاقة وإنفاق أقل في محطات التوزيع وعلى خطوط الأنابيب ناهيك عن أنها أصبحت تعتبر الطريقة المثلى لإيقاف حدة التعطش العالمي على الطاقة· وتقريباً فإن جميع الخطط الرامية للتصدي الى مشكلة الاحتباس الحراري العالمي تفترض أن ترشيد الطاقة بإمكانه أن يلعب دوراً حيوياً في هذا المضمار· ويعتقد معهد ماكينزي جلوبال المتخصص في مجال البحوث والاستشارات أن ترشيد الطاقة من شأنه أن يجعل العالم يقطع نصف الطريق الى أهدافه المرجوة بحيث يحافظ على تركيز الغازات الدفينة في الأجواء في مستوى يقل عن 550 جزيئ في المليون· وفيما يبدو فإن معهد ماكينزي أصبح متحمساً لأنه يعتقد بأن الاتجاه الى ترشيد الطاقة عالمياً على خلاف العديد من المشاريع الأخرى الهادفة لتقليل الانبعاثات ينطوي على تحقيق الأرباح· ويقدر المعهد أن التدابير التي تعتمد على التكنولوجيا الحالية يمكن أن تحقق في المتوسط إيرادات بنسبة 17 في المائة وبمعدل 10 في المائة على أقل تقدير· أما اللجنة الحكومية الخاصة بتغيرات المناخ وهي عبارة عن مجموعة من العلماء الذين يتقدمون بالنصح والاستشارة لمنظمة الأمم المتحدة بشأن الاحتباس الحراري العالمي فتعتقد من جانبها أن الاستثمارات المربحة في المحافظة على الطاقة سوف تسمح لدولة باكستان بخفض انبعاثاتها بمستوى الثلث تقريباً واليونان بمقدار الربع وبمقدار يزيد الخمس في بريطانيا· وبكلمات أخرى فإن الاستثمارات الهائلة في ترشيد الطاقة سوف تجعل من السهل أن تدفع وبسرعة متزايدة· وعلى الرغم من كبر حجم المبلغ الذي سيتعين إنفاقه - حوالي 170 مليار دولار في كل عام حتى عام 2020 - فإن تقديرات معهد ماكينزي تشير الى أن هذا المبلغ لا يزيد على 1,6 في المائة من حجم الاستثمارات العالمية الحالية في رأس المال الثابت· وبالإضافة الى ذلك فإنه في ظل الأرباح الهائلة التي يمكن استدرارها فسوف يصبح من السهولة بمكان اجتذاب أكبر قدر من الاستثمارات· والآن وفي ظل توفر العديد من الفرص المربحة والهادفة لتحسين وترقية ترشيد الطاقة فلماذا يحجم المستثمرون عن استغلال هذه الميزات ؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب أن ندرك أولاً أن ''كثافة الطاقة'' - أي مقدار الطاقة المطلوب لاستدرار كل دولار من الإنتاج - أصبحت الى انخفاض في أميركا على سبيل المثال بنسبة بحوالي 2 في المائة في كل عام لسبب جزئي يعود الى أن المصانع والمنازل والسيارات والأجهزة الأميركية أصبحت أكثر ترشيداً للطاقة مؤخراً· وكذلك بسبب أن معظم المصانع الأكثر استهلاكاً للطاقة قد انتقلت الى مناطق أرخص تكلفة مثل الصين· ولكن كثافة الطاقة عالمياً أصبحت تشهد الانخفاض أيضاً وبمعدل حوالي 1,5 في المائة في كل عام· وهذا الانخفاض لم يأت اعتباطاً أو عشوائياً إذ أن كثافة الطاقة في أميركا قبل الصدمة النفطية الأولى في عام 1973 كانت تنخفض بمعدل 0,4 في المائة فقط في كل عام· وبهذه الوتيرة الضعيفة كان سوف يتعين على أميركا الآن إنفاق 12 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي على الطاقة بدلاً من نسبة 7 في المائة فقط كما هو الحال حالياً وفقاً لتقديرات آرت روزينفلد المركز الرائد في مجال ترشيد الطاقة والعضو في لجنة كاليفورنيا للطاقة التي تضع معايير الترشيد وسياسات الطاقة الأخرى للولاية· وببساطة أكثر فإنه عبر شراء المزيد من الثلاجات المنزلية المرشدة للطاقة في خلال فترة العديد من السنوات يقدر روزينفلد أن الأميركيين قد تمكنوا من توفير أكثر من 200 تيراواط - ساعة سنوياً أو ما يساوي سعة 80 محطة للطاقة تقريباً· ولكن، وكما يشير روزينفلد فإنه ما زالت فرص تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات التي لم يتم استثمارها في مجال ترشيد الطاقة والمتوفرة للشركات ولربات المنازل على حد سواء· لذا ما الذي يجعل المستثمرين يحجمون عن هذه الفرص؟ إن إحدى الإجابات على هذا السؤال تكمن في الأسعار· إذ أن العديد من المستهلكين لا زالوا يعتبرون أسعار الكهرباء والوقود رخيصة جداً الى درجة أنها لا تستحق الادخار والتوفير وبخاصة في دول تدعم أسعار الطاقة· فرجال الصناعة في روسيا درجوا على استهلاك وإهدار كميات كبيرة من الغاز الطبيعي لأنه يباع بربع السعر العالمي، في حين أن جموع السائقين في دولة قطر يفتقدون الى الحافز المناسب لتقليل استهلاكهم من البترول الذي يباع بالكاد بحوالي دولار واحد مقابل الجالون· ومع ذلك ما تزال هنالك العديد من فرص الاستثمار المربحة في ترشيد الطاقة حتى في أماكن تتسم بارتفاع تكلفة الطاقة· وكما يشير المحللون فإن المشكلة تكمن في سلسلة من التشوهات وفشل السوق في تشجيع الاستثمارات في ترشيد الطاقة بما في ذلك عدم إخطار المستهلكين بمستوى الادخار الذي يمكن تحقيقه وأي الأجهزة والمعدات أفضل من غيرها في تحقيق معدل الترشيد· وبالإضافة لذلك فإن تمويل الاستثمارات في ترشيد الطاقة يمكن أن ينطوي على قدر كبير من الصعوبات· إذ أن الدول النامية يمكن أن تعاني من الندرة في الأموال بينما في الدول المتقدمة فإن التوفير من جعل المنازل أكثر ترشيداً للطاقة ما زال صغير الحجم مع ارتفاع تكاليف إجراء التعديلات اللازمة وبشكل يقلل من اهتمام معظم البنوك في الاستثمار في هذا المجال· نقلاً عن مجلة ''ايكونوميست''