الانفلات النووي وفشل نظام مراقبة التسلح
من بين أكثر وعود باراك أوباما الانتخابية غرابة وأقلها لفتاً للانتباه تعهده بـ''تأمين كل المواد النووية المنفلتة في العالم في غضون أربع سنوات'' في حال أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأميركية· والأكيد أنه هدف يستحق الإشادة، لكن للمرء أن يتساءل كيف يتوقع أوباما تحقيق هذا الهدف في غضون أربع سنوات، أو حتى أربعين عاماً·
فمن بين العراقيل الكثيرة حقيقة مفادها أن وكالات الاستخبارات الأميركية نادراً ما تعرف مكان وجود ''المواد النووية المنفلتة''، وبخاصة حين تكون مخبأة في أراضي دول مُعادية، ثم إن المشكلة الأكبر تكمن في أنه حتى حين يتم تحديد مواقعها، فثمة دائماً خبير ما أو غيره سيأتي ليقول لنا إنه بالرغم من كل الأدلة، فإن تلك المواد غير موجودة· وبالتالي، فعلى ''أوباما''، بصفة خاصة، أن يكون مدركاً لهذا الأمر نظراً لأن فريق مستشاريه يضم واحداً من هؤلاء الخبراء·
في السادس من سبتمبر 2007 دمرت الطائرات الإسرائيلية مبنى كبيراً على شكل صندوق في سوريا بمنطقة ''الكِبر''· ورغم أن إسرائيل لزمت الصمت بشأن الغارة، في حين اكتفت سوريا بالتنديد بانتهاك إسرائيل لمجالها الجوي، بدأت الشكوك تقوى على الفور في أن الهدف كان مفاعلاً نووياً· وفي الأسابيع التي تلت ذلك، بدأت صور الأقمار الاصطناعية وغيرها من الوثائق التي تدعم هذه الشكوك في الظهور·
بيد أن الجميع لم يكن مقتنعاً، ومن بين هؤلاء ''جوزيف سيرينسيون''، وهو واحد من موظفي النائب ''جون كونيرز'' (الديمقراطي عن ولاية ميشيجن) في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، وواحد ممن انضموا مؤخراً إلى خبراء مؤسسات البحوث في واشنطن· ويعمل ''سيرينسيون'' حالياً مستشاراً غير رسمي ضمن فريق ''أوباما'' متخصصاً في المسائل النووية·
حين سأله الصحافي ''سيمور هُرش'' من مجلة ''نيويوركر'' عقب الغارة الإسرائيلية، أجاب ''سيرينسيون'' قائلاً: ''إن سوريا لا تتوفر على القدرة التقنية ولا الصناعية ولا المالية حتى يكون لها برنامج لصنع الأسلحة النووية· إنني أتابع هذا الموضوع منذ 15 عاماً، ومن حين لآخر، تظهر بعض الشكوك، فنحقق ولا نجد شيئاً· لم يوجد، ولا يوجد، تهديد أسلحة نووية من سوريا''·
غير أنه بفضل المواد التي كشفت عنها الولايات المتحدة في الرابع والعشرين من أبريل الماضي، بتنا اليوم نعرف أن المنشأة في منطقة الكبر الصحراوية كانت مفاعلاً نووياً، وأنها بُنيت بمساعدة من كوريا الشمالية· فقد كانت نسخة تقريباً لمفاعل ''يونجبون'' الكوري الشمالي المخصص لإنتاج البلوتونيوم، والذي تحاول الولايات المتحدة إغلاقه عبر المفاوضات· وقد أقر ''سيرينسيون'' بأنه كان مخطئاً، موضحاً أن الأدلة التي تشير إلى أن سوريا كانت تبني مفاعلاً نووياً ''تبدو قوية''·
ولكن، لماذا أخطأ ''سيرينسيون'' يا تُرى؟
أحد التفسيرات تكمن في أنه وقع ضحية للخداع السوري، فمثلما يوضح تقرير لـ''معهد العلوم والأمن الدولي''، فقد قطع المهندسون السوريون ''أشواطاً مذهلة'' في محو ''بصمة'' المفاعل بمنطقة الكبر والتمويه أو دفن ''الخصائص المتوقعة عادة وإخفاء الهدف الحقيقي للمبنى''·
والحال أن السرية والتمويه شيئان معتادان، فكل البلدان التي كان لديها برنامج نووي سري سبق لها أن استعملت هذه الوسائل للإبقاء على جهودها طي السرية والكتمان· ولا يوجد خبير في جهود حظر الانتشار النووي يستحق لقبه لا يدرك هذا الأمر· ولكن، ما هي العوامل الأخرى التي قد تكون ساهمت في ذلك؟
الجواب: حرب العراق، التي غزت خلالها الولايات المتحدة هذا البلد من أجل تفكيك برنامج أسلحة نووية تبين لاحقاً أن لا وجود لها· فقد أصبح عدد لا بأس به من الخبراء النوويين داخل أجهزة الاستخبارات وخارجها خائفين على ما يبدو من تكرار هذه القصة المحزنة إلى درجة أنهم باتوا خائفين حتى من الكشف عن الأشياء الموجودة فعلاً· ولعل خير مثال على ذلك تقرير وكالات الاستخبارات الأميركية حول إيران العام الماضي الذي جاء فيه، بشكل لا يخلو من التضليل، أن برنامج الأسلحة النووية الإيراني انتهى في ·2003
ويبدو أن ''سيرينسيون'' قد وقع في الفخ نفسه، فبعد أسبوع على الضربة الإسرائيلية كتب يقول إن التقارير التي تتحدث عن مفاعل نووي سوري لا تعدو أن تكون ''كلاماً فارغاً''، وإن نتائج أعمال ''مجموعة صغيرة من المسؤولين الذين يسربون ''معلومات استخباراتية'' منتقاة بعناية وغير مدققة إلى الصحافيين من أجل الترويج لأجندة سياسية موجودة سلفاً· وإذا كان هذا الأمر يبدو شبيها بالفترة التي سبقت الحرب في العراق، فهو كذلك''·
كما قال ''سيرينسيون'' لـ''هُرش'' إن ''الأمر كله سياسي''، والأشخاص الذين يروجون لقصة المفاعل النووي غير الموجود يهدفون في ما يبدو إلى ''عرقلة الاتفاق الأميركي الكوري الشمالي، وهو الاتفاق الذي يعتقد المتشددون داخل الإدارة لحالية أنه يمثل تهدئة''·
غير أنه من خلال مخاوف ''سيرينسيون'' بخصوص الاتفاق الأميركي الكوري الشمالي-وهو في حد ذاته وثيقة حافلة بالاختلالات، وتعرض للخرق مراراً من قبل بيونج يانج- يصبح حل اللغز واضحاً· فـ''سيرينسيون'' اليوم يشغل منصب رئيس هيئة تدعى ''صندوق بلاوشيرز''، وهي مؤسسة تعنى بتمويل المدافعين عن مفاوضات مراقبة التسلح عبر العالم· وبالنسبة لـ''سيرينسيون'' وزملائه، فإن الإقرار بأن كوريا الشمالية كانت ترسل مواد نووية سراً إلى الخارج - وأن بلداً مثل سوريا، وهي دولة موقعة على اتفاقية حظر الانتشار النووي، ضُبطت متلبسة تنتهك التزاماتها- قد ينظر إليه كاعتراف بأن نظام مراقبة التسلح الذي بنوا عليه سمعتهم ونذروا له حياتهم قد فشل فشلاً كلياً·
باختصار، حين دمر الإسرائيليون المفاعل النووي السوري في منطقة الكبر، فإن ارتدادات الضربة وتداعياتها حطمت وفندت أيضاً فكرة منع الانفلات النووي بالسهولة التي يتصورها مستشار ''أوباما''· وبالتالي، فإذا كان أوباما يريد إحراز أي تقدم بخصوص تعهده بتأمين كل المواد النووية المنفلتة في العالم، فربما يجدر به أن يبدأ بتأمين مستشارين نووين أكثر واقعية أولاً·
جابرييل شونفيلد
مدير تحرير مجلة كومنتري الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست