د. سعيد توفيق

كنت في طفولتي أفرح كلما عثرت على صورة قديمة لأمي وأبي أو لجد من أجدادي أو لمشهد من مشاهد الحياة والطبيعة التي عايشتها. كانت هذه الصور باللون الأبيض والأسود، ولكنها كانت تبدو بالنسبة لي -مثلما تبدو بالنسبة لغيري- أشبه بالفانوس السحري الذي يُطلعنا على شيء من العوالم السحرية النائية.. عوالم نأت عنا ولم يعد في مقدورنا استرجاعها إلا في الخيال أو بالتمني، وبذلك اكتسبت عندنا شيئًا من القداسة..
نحن نحتفظ بالصور التي تنتمي إلى هذا العالم، ونحافظ عليها من أي ضرر أو أذى يمكن أن يلحق بها. الصور الآن ومنذ عقود خلت أصبحت بالألوان التي تتنافس الكاميرات في مدى قدرتها على التصوير بدقة. في عالمنا الراهن تلتقط الكاميرات بلايين الصور كل لحظة.. أصبحت هناك حالة من الهوس بالصور التي يلتقطها البشر لأنفسهم في المناسبات المختلفة كل يوم. أصبح الفضاء الكوني محملًا بمليارات من هذه الصور «الرقمية»، حتى يكاد هذا الفضاء الكوني يقول للبشر: لقد تعبت من استيعاب كل هذه الصور الرقمية (بلغة الكومبيوتر). كأن لسان حال هذا الفضاء الكوني يقول: ما بالكم أيها الفانون.. أيها العابرون؟ هل تظنون أن صوركم سوف تبقى من بعدكم؟ قد تبقى في وجدان شخص ما عابر مثلكم، وبعبوره سوف يطويكم الزمان مثلما طوى غيركم!

صور خالدة
كم من مرة جاءت القنوات التلفزيونية إلى بيتي لتسجل حلقة تلفزيونية عني، ولكن أغلبها بدت كأنها تؤدي واجبًا وظيفيًّا؛ ولذلك لم ترسل لي نسخة من هذا التسجيل، رغم حرصها الشديد على إمدادها بالصور المتعلقة بحياتي وتاريخي الشخصي. أصبحت أعرف الآن كيف أدبر تلك الصور لتلك القنوات، فأرسلها للعاملين عليها دفعةً واحدة، ليختاروا من بينها ما شاءوا.
ولكني تأملت حالي وحال غيري، فتساءلت: وما معنى كل هذه الصور؟ ما قيمتها وجدواها؟ وفي ذهن من ستبقى؟ وما الذي يمكن أن يبقيها؟ يحرص المسؤولون في المؤسسات الحكومية على وضع صورهم في سجل تاريخ المكان. وتلك عادة محمودة؛ لأنها توثق تاريخ المكان. حرصت دومًا على توثيق ذاكرة المكان أو المؤسسة التي تصادف أن توليت شأنها، صغر هذا الشأن أو كبر. ولكني بعد طول تأمل، وجدت أن تاريخ المؤسسات الكبرى قد تضاءل، حتى بت أعرف أن هذا التضاؤل قد جاء مقترنًا بتلك الأسماء التي ألصقت صورها في سجل تاريخ المكان في غفلة من الزمان.. الصور شاهدة على تحولات العصر الذي قد يؤول إلى التضاؤل عبر التاريخ، رغم وجود لحظات استثنائية هنا أو هناك.
منذ عشرين سنة على الأقل وأنا مهموم، مأخوذ بحالة من الهوس، وبحالة من الأسى، كلما زرت مكتب عمادة كلية الآداب بجامعة القاهرة. ما من مرة زرت هذا المكتب عبر كل تلك السنوات، إلا طالعت اللوحة الضخمة التي تحوي صور كل من تواتروا على عمادة هذه الكلية العريقة. طالعت صورًا لنفر من الأجانب، أشهرهم جريجوار، ثم طالعت صورة عميد الأدب العربي: طه حسين، ومن بعده أحمد أمين، ومن بعدهما أساتذة كبار. كانت الصور باللونين الأبيض والأسود، إلى أن انتقلت تدريجيًّا إلى الصور الملونة. ما إن ينتقل بصري إلى الصور الملونة، حتى تذبل الصور في عيني.. بعضها مضيء، ولكن أكثرها أقل نصاعة من الصور ذات اللونين الأبيض والأسود فحسب! لا أدري لماذا تذكرت مقال أستاذنا زكي نجيب محمود الذي ذكر فيه أنه رأى حُلمًا فيما يرى النائم: رأى كرسي عميد كلية الآداب الذي هو كرسي طه حسين.. رأى هذا الكرسي يتضاءل ويصغر من وراء المكتب إلى حد التلاشي؛ فلم يعد الكرسي يُرَى من وراء المكتب! هذا ما أدركه زكي نجيب محمود منذ ربع قرن على الأقل، وهذا ما أدركه الآن كلما طالعت صور الرؤساء في كثير من المؤسسات.
تلك صورة قاتمة. ومع ذلك، فلا تبتئس؛ فلعلك تجد صورة قديمة بلا ألوان، فيها شيء أصيل قادر على أن يبعث الحياة في الصورة الباهتة. فمن الموت تنشأ الحياة، ومن العدم ينشأ الوجود؛ فما بالك إن كان وجودك وجودًا أصيلًا، وإن طمسه غبار الحياة. تأملت فقلت لنفسي: الصور تاريخ، أقله يبقى شاهدًا على عصره، وأكثره يؤول إلى نفايات التاريخ.

الوجه باب الروح
هذا بعض من يقيني الذي آمنت به من المعرفة النابعة من الخبرة وعالم التجربة المعيشة. طالما شغلني أمر وجوه البشر، ملامحهم وإيماءاتهم التي تتجلى في سَكناتهم وحركاتهم. شغلني أمر وجوه البشر كثيرًا، وهذا أمر قد يبدو لدى عموم الناس غريبًا؛ لأن الحكمة السائدة عندهم أن باطن الناس، أي نفوسهم وعقولهم، أهم من مظهرهم، فلا ينبغي أن ننشغل بمظاهرهم وملامح وجوههم وإيماءاتهم وحركاتهم؛ ولهذا قال سقراط: تكلم حتى أراك، فهو فيلسوف عقلاني يحكم على المرء من خلال تقدير معنى الكلام الذي يقوله. ولكنني وجدت في نفسي، مذ كنت صبيًّا، قدرة على معرفة الناس حتى قبل أن يتكلموا، إذ وجدت أنني أعرف الناس من خلال إيماءاتهم وحركاتهم ومن خلال طلة وجوههم في المقام الأول. تلك قدرة تميز إدراك الأطفال الفطري البريء، ولكن أغلبهم يفقدونها تدريجيًّا كلما تقدم بهم العمر. وهي قدرة أراها تميز كل شخص مؤهَّل للإبداع في مجال ما من مجالات الفنون.
قد ينبري واحد من أدعياء التدين والمتخلفين فكريًا في يومنا هذا، فيذكرك بأن الحديث الشريف يقول لنا: «إن الله لا ينظر إلى وجوهكم وصوركم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، وكأنه يُقيم عليك الحجة التي لن يقوم لرأيك بعدها قائمة! يا لهذا المسكين مضطرب الفكر الذي يخلط بين المعاني، فلا يفهم مرامي المعنى في كل كلام، فهو لا يفهم معنى الكلام المراد في قول رسول الإسلام الكريم، وهو أن «الأعمال بالنيات الطيبة»، وليس بالمظاهر الخادعة التي قد تنطلي على أكثر الناس. ولذلك فإن الله قد منح قلة من الناس الفطنة ليعرفوا شيئًا من حكمته، فيعرفوا المخبر في المظهر، والروح من خلال باب الجسد المرئي؛ وهذا (إن شئنا التأويل) هو معنى أن «الوجه باب الروح»، أو ـ قل على الأقل ـ إنه باب أول لاكتشاف الروح.
نعم، أكثر الناس لا يفطنون إلى ذلك، ولكن قلة نادرة من الناس تستطيع أن تكتشف الوجوه المزيفة، حينما تستطيع أن تُدرِك المخبر في المظهر، لا من الناحية الأخلاقية وحدها، وإنما من حيث السمات أو المظاهر العامة التي تنبئ بطبيعة الشخص. ومن الناس من أوتوا الفطنة أو القدرة على معرفة طبيعة البشر حتى قبل أن يتكلموا! عرفت في نفسي تلك الفطنة التي منحِنها الله، وإن لم يمنحني الفطنة في تدبير أمور الحياة العملية. ويبدو أن تلك من الموازين التي فطرها الله في الكون: أن يمنحهم قدرات معينة في جانب ما، ويحرمهم من قدرات في جانب آخر. وإن كان لبعض الفلاسفة، أهمهم هنا شوبنهاور، رأي في تلك المسألة لا علاقة له بتلك المسألة الإيمانية؛ إذ يرى أن القلة الممتازين في أمور المعرفة العقلية والحدسية بوجه خاص، يفتقرون عادةً إلى القدرة على التعامل مع أمور الحياة العملية الجزئية العابرة التي تخصهم في الحياة. ولا ينبغي أن ننسى تأويل هذا الأصل البعيد البسيط للتفلسف باعتباره تأملًا للمعاني وقراءة للمخبر في المظهر، وتجاوزًا للواقع فيما وراء صوره العابرة أو قِناعه الظاهر.

أقنعة كارتونية
كم رأيت وجوهًا تبسمت لي، فلم أطمئن إليها، بل كنت أرى الحقد والغل يطل من ابتسامتها الصفراء، أو أرى الزيف المصطنع كامنًا فيها. كنت أرى مثل هذه الابتسامات كما لو كانت ابتسامات تم لصقها على وجوه لا حياة فيها، تشبه تلك الابتسامات التي تُظهِرها تلك الوجوه المصنوعة من أقنعة كارتونية. وكم رأيت وجوهًا تنطق كلامًا معسولًا، فلم أطمئن يومًا إلى كلامها الذي كنت أراه نفاقًا لي أو لغيري أو حتى لله نفسه. كلام هؤلاء ومسلكهم في العلن غير كلامهم ومسلكهم في السر. تأملت، فتدبرت، فقلت: الوجه باب الروح.
أذكر هنا الفيلسوف الكبير جادامر (المولود سنة 1900 والمتوفى سنة 2002) حينما كان يتحدث في كتابه «سنوات التلمذة» عن أستاذه الأعظم في القرن العشرين: مارتن هيدجر، فيصف الجدية التي كان يتحدث بها وإيماءاته التي تصدر عنه عفويًّا أثناء حديثه، على نحو ترتبط فيه الإيماءة بموضوع الكلام ومواضعه. وأذكر أيضًا ما قاله الفلاسفة وعلماء النفس (من أمثال أستاذنا مصطفى سويف) حينما أظهروا لنا كيف أن أداء الأستاذ يشبه أداء الممثل على خشبة المسرح في تفاعله مع الجمهور. وبوسعي القول بأن الأستاذ الذي يعي ما يقول هو الذي يعايش، بل يعاني أحيانًا تمثُّل معنى ما يقول، وهو ما ينعكس تلقائيًا في حركات جسده وإيماءاته، التي تتجلى في تعبيرات وجهه التي تفصح عن موقفه مما يقول، بل تتجلى حتى في نبرات صوته وفي إيقاع كلامه، فإيقاع الكلام قد يبطئ حينًا ويسرع حينًا آخر. ولهذا فإن التدريس الحقيقي هو مهمة شاقة مهلكة. أغلب من يقومون بالتدريس في واقعنا الراهن لا يعرفون شيئًا من ذلك، وربما لم يعانوه يومًا ما.

وجوه عابرة ومقيمة
تعلمت من التجربة أن أقرأ روح الشخص من وجهه وطلته. بمرور الوقت أصبحت أعرف الشخص من طلة وجه: هذا وجه مسطح ليس فيه تضاريس؛ وهذا وجه لا يشع من عينيه بريق دال على ذكاء أو ألمعية أو حتى خبث ومكر؛ وهذا وجه آخر يطل الشر والحقد من عينيه التي تنظر شزرًا إلى العالم وإلى الآخرين.. نظرة أو إيماءة تعكس سواد القلب؛ وهذا وجه يعكس حزنًا وانكسارًا رسمته أخاديد عميقة من معاناة الحياة، لكل حالة إيماءاتها التي لا يمكن وصفها، وإنما يمكن إدراكها بطريقة خفية، لمن وهبهم الله القدرة على هذا النوع من الإدراك الحدسي الكشفي. أعرف ذلك، لا من ملامح الوجه تحديدًا، وإنما من طلته التي تتمركز في تعبير العين؛ ولهذا قال هيجل: «العين يبصر بها الإنسان ويكون مُبصَرًا».. أما الذي أفاض في حقيقة ذلك بعمق فهو شوبنهاور.. طلة وجه المرء من خلال عينيه وإيماءاته، تُطلعنا على روحه الباطنة ومكنون نفسه، وهذا هو مبتغى فن البورتريه، وكل ما عدا ذلك فيه إنما هو تدعيم لتلك النظرة ولتلك الطلة، أو الإيماءة. لهذا أمضى دافنشي قرابة سنتين أمام الموناليزا محاولًا استحضار تلك الطلة أو النظرة الساحرة التي رآها أول مرة. فكم من الوجوه الأنثوية سحرتنا بسبب تلك الطلة التي عبرتنا، وبقيت في الذاكرة. تبقى الطلة وإن نأى بها الزمان عنا، حتى إن لم يعد لها وجود أو حضور. ومن أراد أن يفهم تفصيل ذلك، فليقرأ تدوين الغيطاني «رشحات الحمراء».