مرت سنوات على تلك الذكريات، حين كنا نمر في صنعاء نروي عطشنا بشراب التوت لدى محال ملك التوت الشامي، ذلك الاسم الذي كنا نشير إليه بأصابعنا نناديه دائما كلما مررنا بميدان التحرير.. اليوم نتذكر شراب التوت ونترحم على «الدغيش» بينما نشرب عصيره من أيادي أولاده، الذين رووا لنا قصة والدهم مع عصير التوت. الشام في اليمن بعد أن تفتحت الآفاق وتوسعت تجارة اليمنيين إثر قيام الوحدة، قدم حمود الدغيش إلى العاصمة ليفتتح في قلب «ميدان التحرير» محلا خاصا بالأدوات الإلكترونية سرعان ما فشل المشروع مخلفا ديونا عديدة عليه، فانتقل فورا إلى تنفيذ مشروع سهل ومربح، كان فكرة في رؤوس أصدقائه السوريين، وهي العمل في مجال عصير التوت الشامي.. وافق وتحول إلى مهنة «بيع عصير التوت» وبعد زمن قصير حقق نجاحا منقطع النظير، وتمكن من سداد ديونه وحل مشكلاته المادية، بل ذاع صيته وصار من الميسورين، إلى أن توفاه الله. يقول أحد العمال في محله: «لم يقف الدغيش عاجزا حين تعرض للفشل في تجارة الإلكترونيات، بل سعى لإدخال فكرة جديدة إلى اليمن بمساعدة صديقه السوري الجنسية، فنقل ذلك الصديق فكرته للدغيش وتم تنفيذ المشروع شراكة وهو فتح محل لعصير التوت الشامي». يبتسم ويضيف ما يكشف سر ابتسامته: «كأي فكرة جديدة لقي المشروع قبل الافتتاح بعض التكهنات من متشائمي المشاريع ومحبطي التجارة، لكن ذلك لم يمنعهم من مواصلة المشروع، فانطلق عام 1992 انطلاقة قوية، وازدادت شهرة المحل الذي قدم للشارع اليمني منتجا جديدا يتمتع بمذاق منعش، وترك الصديق السوري صاحبه الدغيش يدير مشروعه الناجح حتى توفي». صداقة وشراكة لم تقف الشراكة على فكرة المشروع، بل تبعته حتى بوابة المحل الذي جمع بين اسم الأول وبلد الثاني «الدغيش الشامي» وحمل المحل لقب «ملك التوت» وبات الاسم يتردد كثيرا في محال العصائر وغيرها، فهو ليس مجرد مشروع أو شركة أو متجرا كبيرا، بل أول مكان استقطبت إليه فكرة مشروب التوت في اليمن، فصار اسمه ماركة محلية مسجلة، كل من مروا به وتذوقوه منحوه الشهرة مثلما منحهم المذاق الشهي. إذ يمر بالمحل العديد من اليمنيين وغيرهم من العرب والأجانب، يقفون لحظات ليطفئوا عطشهم الشديد خصوصا في وقت الظهيرة. يقول عمر الدغيش عن تلك التجربة الناجحة: «أحب عمي «رحمه الله» مجال مشروعه الذي دخل من خلاله التوت إلى اليمن لأول مرة! واشتهر مشروب التوت كثيرا، وبات الناس يأتون من المحافظات الأخرى لاحتسائه وتجربته، كما كان السياح يحبونه كثيرا، خاصة من لم يسافر منهم إلى دمشق ويختبر مذاقه، كما أن الكثيرين من سكان المناطق الريفية خارج صنعاء كانوا يحرصون في بداية المشروع على شراء المشروب كهدية عند العودة إلى قراهم الريفية، وكانت عائدات المحل مرتفعة بشكل كبير، وحققت لعمي الربح الوفير». يضيف الدغيش: «بعد فترة من انطلاق المشروع، أضاف عمي عصائر ومشروبات إضافية أخرى، لكن ظل «التوت الشامي» ملك العصائر خاصة حين أصبح «توت الدغيش» درسا مقررا على تلاميذ الصف الثالث الابتدائي حيث وضعت صورة ذلك المحل العتيق في الكتاب المدرسي ضمن موضوع خاص بشراب التوت». خلطة خاصة يشير الدغيش إلى أن الكثير من محال عصير التوت بدأت تُفتتح في صنعاء نتيجة انتشار مشروب التوت، وكثير منهم يقصدونها لمعرفة طرق إعداد عصير التوت وكيفية تجهيزه، رغم انخفاض المداخيل بسبب وفرة المنتجات الصناعية المعلبة.يقول: «احتفظ العم الدغيش بسر خلطة التوت الخام ليصبح مصدرا رئيسا لمحلات التوت في العاصمة وباقي المحافظات، حيث يأتي إليه الناس لشراء مشروب التوت الخام «غير المخفف» ذي الخلطة السرية التي لا يعلمها أحد سواه ومن ثم أحد أولاده»! ويتابع: «في صنعاء يتم جلب التوت الخام من محالنا، وهناك محل آخر في صنعاء بدأ ينتج ذلك الخام». فيما أبدى اعتذاره لنا لعدم تمكيننا من الدخول إلى معمل التوت الخام لاقتصاره فقط على أبناء الدغيش دون غيرهم من أجل الحفاظ على سرية الخلطة». من جهته يقول حسين الصرمي: «أمتلك محلا للتوت في محافظة صعدة، وأتيت لشراء مواد التوت من هنا، فنحن نشتري التوت الخام، ثم يتم تخفيفه باستخدام آلات خلط معينة لينتج ذلك المشروب المنعش دون عناء». وأضاف: «لقد انتشرت محال التوت بشكل لافت في العاصمة والمدن الرئيسية الأخرى، لكن العديد من الناس ايعرفون ملك التوت الأول الذي جلب عصير التوت الشامي الشهير إلى البلاد.. فالدغيش لم يكن من رجال الأعمال أو السياسة أو الفكر أو الفن، لكنه استطاع أن ينشر منتجا لم يكن موجودا في اليمن». عصير التوت الشامي يرى الخبراء أن التوت الصناعي يتم من مستحضرات غذائية، صناعية في تركيبها، إذ يتألف من المكونات التالية: سكر وماء وحامض الماليك «التفاح» وحامض الليمون وصبغة ترترازين، وصبغة كارموزين، ونكهة طبيعية وصناعية «شراب ونكهة التوت الأسود والأحمر» ومادة حافظة «بنزوات الصوديوم». ويعتبر المختصون أن جميع مكونات مشروبات التوت المركزة صناعية (ما عدا السكر والماء)، لأنه يصعب بشكل تجاري تحضير شراب التوت الطبيعي لقصر طول فترة تخزين ثمار التوت وسرعة فسادها، وتستعمل في صناعتها مركبات ملونة صناعية في تحضيرها مثل ترترازين وكارموزين وهي من أصباغ الأزو المشتقة من قطران الفحم الحجري