إعداد وتقديم: عماد فؤاد

 ثمّة ظاهرة عادة ما نقابلها حين يتناول كُتّابنا الكبار أعمال الكُتّاب الأحدث سنًّاً منهم بالنقد والمراجعة، فيتحدّثون عنها بوصفها أعمال «تتجاهل القضايا الكبرى»، أو أنها مكتوبة بلغة «اغترابية»، تنأى عن الواقع الذي يحياه كتَّابها، أو على أحسن تقدير «كتابة من جيل لم يعثر على أصواته الخاصة بعد». هذه المقولات التي تحوّلت يومًا بعد يوم إلى إكليشهيات جاهزة، يتمّ وصف نتاج الأجيال الجديدة من الكتّاب العرب بها. وصرنا نتلقّاها كقرّاء باعتبارها أحكاماً نقدية لا يصح المساس بها أو التشكيك في صحتها، في حين أنها أكثر المقولات النقدية العربية ركاكة حتى يومنا هذا.
حين يكتب شاعر ما عن شحّاذ يمدّ يده إلى الناس في الشارع، فهو يكتب عن قضية كبرى. وحين يكتب قاص عن مدير فاسد أو موظف مختلس، أو أرملة عاملة تكافح يوميًا لتبقي أولادها أحياء فهو يكتب عن قضايا كبرى. حين يتناول روائي شخصية امرأة غيور في علاقتها برجلها فهو يكتب عن قضية كبرى. ذلك أن الأدب حين يتناول الإنسان بأي طريقة فهو يكتب أهم القضايا التي يجب علينا - وعلى الأدب ذاته - أن يهتم بها، الإنسان هو موضوع الأدب، والأدب هو نتاج إنساني، من هنا خرجت الفلسفات والفنون، وخرجت فنون الكتابة والإبداع لدى الكائن البشري، لسنا اليوم في حاجة إلى أدب الصراخ على المنابر ولا إلى المطوّلات الشعرية العربية كي نقول إننا نكتب أدبًا مهمومًا بالقضايا الكبرى، هذا ليس زمن الصراخ، الذي شبعنا منه عقودًا وعقوداً.
في إطلالتنا الإبداعية في هذه الحلقة من «عتبات»، نقدّم اليوم خمسة أصوات ما بين السرد والشعر من أربع دول عربية، هي مصر، الكويت، لبنان، وفلسطين. أغلبها من أعمال أدبية صدرت حديثًا، ولنا أن نكتشف من خلال عوالم هذه النصوص الخمسة كيف يلتصق كُتّابها الشبّان بقضايا بلدانهم وثقافاتهم العربية، فيتناول القاص المصري أحمد عبد اللطيف الوجود العربي والموريسكي في الأندلس في نصّه المجتزأ من عمله الروائي الأخير «حصن التراب». كما تشترك الكاتبتان العربيّتان استبرق أحمد من الكويت وأسمى العطاونة من فلسطين في تناول القضية الفلسطينية من منظورين سرديين مختلفين. فيما يأتي الشعر فلسفيًّا وخاطفًا في قصائد المصرية رنا التونسي، ويترك لنفسه العنان في قصائد اللبنانية فيوليت أبو الجلد، والتي تبدأ قصائدها بقولها: «ما حاجتي لسيرة الشعوب/‏ للغات القديمة/‏ للتاريخ والحضارات/‏ أنا الكمان الملقى على كتف عازف مغمور/‏ منامات الطبيعة البكر/‏ إرث الشلالات والينابيع/‏ القامة الجليلة للحزن/‏ أنا جميع روّاد الحيرة/‏ الجسر المعلّق بين سؤالين»!