جرائم الشرف: حقيقتها قتل والاسم غسل العار
عمان ـ توفيق عابد:
قالوا: 'شرف البنت مثل عود الكبريت يولع مرة واحدة'، لكن شرف الرجل - حسب هذا المنطق - يشبه 'الولاعة' يمكن أن يولع مئات المرات!
لهذا السبب، تعاقب المرأة بالموت وتوصم بالعار فيما الرجل يتبختر بفعلته كالطاووس، اذا أخذنا في الاعتبار أن الرذيلة لا يمكن أن تحدث إلا بوجود الذكر والأنثى·
'جرائم الشرف' موجودة في كل المجتمعات العربية، وإن كان الأردن قد سلط الضوء عليها في الفترة الأخيرة، بسبب تكرار حوادث قتل أطلق عليها 'جرائم شرف'، أي أنها ترتكب تحت دعاوى الدفاع عن الشرف المهدور، فهذا لا يعني أنها ليست سمة عامة من سمات المجتمعات العربية التي يبدو أن الشرف فيها مقتصر على المرأة فقط، فالقتل يرتكب بحقها هي في حين يذهب الرجل راضياً مرضياً بل ومخفوراً بـ 'الحماية المجتمعية' وحتى العشائرية، ولأن المجتمع والقانون والقيم كلها تتواطأ معه، يذهب بكل بساطة متطوعاً إلى الشرطة، و 'يسلم نفسه' ليحصل على حكم مخفف من المحكمة المختصة·
والطامة الكبرى أن المرأة - الضحية، هي في أكثر هذه الحالات بريئة بشهادة المحكمة والطب الشرعي الذي غالباً ما أوضح أنها عذراء، والأدهى من ذلك، أن الشرع لا يجيز مثل هذه العقوبة بل ويساوي بين الرجل والمرأة فيها··· إلى متى إذن ستبقى حياة المرأة رخيصة، ولا قيمة لها، وقد لا تساوي أكثر من 'حزة سكين'، أو القليل من السم الذي 'يغسل' العار على حد القول الشائع؟
وإلى متى سيبقى حتى حكم الشرع مغيباً عن مثل هذه الجرائم؟
وماذا يقول القانون؟
وماذا عن الدوافع الحقيقية وراء هذه الجرائم؟
يقول الدكتور حفص السقا وهو تربوي معروف في الاردن وخارجه حيث عمل خبيرا في الامم المتحدة من قبل: 'يحزنني كثيرا ما يجري في بلادنا بخصوص جرائم الشرف، هذه العادة الموروثة التي تأصلت في نفوس الكثيرين فقاموا بقتل البنت تاركين الرجل الذي فعل فعلته الشنيعة حرا طليقا 'يدور على حل شعره'·
الرجل يبقى حراً طليقا!
ويضيف: 'كلما سمعت عن حادثة قتل لإحدى بناتنا تهتز مشاعري ويستولي عليّ الحزن لأنه ثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن الكثيرات قتلن ظلما وعدوانا وثبتت براءتهن فيما بعد، ويزيد من حزني أن الرجل الذي يكون هو المسؤول الأول يبقى حرا طليقا'·
وتابع قائلا: 'أعتب على علماء الدين الأفاضل والمسؤولين عن الصحافة والاعلام لأنهم لم يقوموا بتفسير ديننا الحنيف تفسيرا واضحا للناس تجنبا لوقوع مثل هذه الحوادث المؤلمة'·
ويرى السقا أن شعوبنا ما زالت متخلفة بالرغم من كثرة الخريجين من الجامعات والكليات المتوسطة، والسبب أن الانسان المتعلم يعيش عقدة الانفصال بين ما تعلمه في الجامعة وسلوكه اليومي في الحياة وخضوعه للعادات والتقاليد البالية، اذ كيف يطلق الشقيق الرصاص على شقيقته دون أن يعطيها حق الدفاع عن نفسها؟ وما هو شعوره عندما يكتشف أن القتيلة عذراء وشرفها مصان؟·
الدين بريء من القتل:
ويقول مصدق القاسم مدير عام مجلة 'المسلمة': 'المجتمع العربي لا يزال مجتمعا تحكمه العادات والتقاليد، ولم يصل بعد الى الحالة المدنية التي يتساوى فيها الرجال والنساء في الحقوق والواجبات· كما أن مجتمعنا ينظر الى الذكر في شكل خاص ويمنحه حق الانفراد في القرار علما بأن الدين الاسلامي يحمل الطرفين الإثم، ولا يفرق بين رجل وأمرأة في العقوبة عند ارتكاب الفاحشة'·
وفي حالات كثيرة تكون الدوافع الحقيقية لقتل النساء خارجة عن نطاق الشرف أو مفهوم العلاقة مع الرجل، بل تكمن وراءها أهداف خاصة جدا لا يتم الإعلان عنها، وتبقى الادانة للمرأة هي الركيزة الأولى في تنفيذ هذه الجرائم دون أن تعطى المرأة حق الدفاع عن نفسها واظهار الحقيقة·
ويقول حرفيا: 'أنا أعرف أكثر من فتاة قتلن وهن بريئات حيث أقدم الشقيق على ارتكاب جريمة القتل للحصول على إرثها، وأحيانا يكون الدافع امرأة أخرى وليس له علاقة بالشرف'·
مفهوم العفة:
سيرين السيد (كاتبه) تقول: 'في المقام الأول لابد من الإشارة إلى مصطلح العفة وما المقصود منه، فالعفة هي حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة عليها ويقول الرسول 'ص': 'ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفت عن محارم الله' رواه الطبراني·
فالإسلام حين ينظر إلى الرجل بوصفه إنساناً وينظمه ويوجهه ينظر إلى المرأة باعتبارها إنسان أيضا، ويساويها مع الرجل على الصعيد الإنساني في كل تنظيماته وتوجيهاته لانهما سواء في كرامة الانسانيه وحاجاتها ومتطلباتها، فالعفة قبل كل ذلك طريق إلى رضا الله والجنة·
يقول الله تعالى 'وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله' (سورة النور، الآية 33 )·
من هنا أعتقد أننا أغلقنا باب النقاش لتكون الجوانب الدينية لهذا الموضوع واضحة وصريحة، فالرجل والمرأة سواء في العقاب عند ارتكاب ما لا يرضي الله عز وجل·
أين عفة الرجل؟
أما إذا تناولنا الموضوع من الزاوية الاجتماعية، فإننا نخوض في مداخل ومبادئ ومعتقدات تعود لفكر الجاهلية التي كانت منذ البداية تربط العفة والشرف وصيانة النفس بالمرأة دون الرجل، وتأكيدا على هكذا فكرة كان وأد البنات سائداً في تلك الفترة من واقع الاعتقاد بأن البنت تجلب العار، أو بسبب الفقر، وتتابعت تلك الفكرة مع بعض التحسينات حيث صار ينظر إليها باعتبارها موروث اجتماعي وثقافة اجتماعية متناقلة من المستحيل زوالها كليا· من هنا أصبحت النظرة إلى المرأة وكأنها مصدر الرذيلة والشر، ويلقى على عاتقها كل أمر سيئ، في حين يبقى الرجل في قمة الهرم الاجتماعي وكل ما يصدر عنه 'مغفور'، وتنفى عنه جميع العقوبات لأنه حامي حمى الأسرة والعشيرة، بل ويتم تمجيده وتعزيزه'·
ولا أعتقد أنني أبالغ إذا قلت أن للموروث الاجتماعي والثقافة الاجتماعية الدور الأكبر في بناء هذه الفكرة واستمرارها! وعلى الرغم من ملامح التحضر والتمدن والتقدم وحركة التغيير المستمرة إلا أننا لم نستطع تغيير الفكرة كليا، فالقبول وعدم القبول تتحكم به أمور كثيرة تحتاج لسنوات وسنوات لتتغير·
وتختتم حديثها بالقول: 'لا زال الرجل يحمل 'رخصة' أو جواز سفر يبرر كل تصرفاته بغض النظر عن صحتها، أما المرأة فيوجه لها خطابا مفاده: أنت يا (امرأة) لا تضعي نفسك في وضع المحاسبة، ولا تبتعدي عن التقاليد والعادات، ولا تكوني مجرد أنثى تتلاعب بك الأهواء والتيارات وتسخرها ميول الرجال لما هو كذب وخداع'·
مطلوب تعديل القانون
المحامية سلطانة أبو نجم تقول: 'في حال فاجأ الرجل زوجته او إحدى بناته او شقيقته في جرم الزنا وأقدم على قتلها يعتبر فعله هذا دفاعا عن الشرف ويحصل على حكم قضائي مخفف أي يستفيد من العذر المحل؛ واذا ضبطت المرأة زوجها متلبسا بجرم الزنا وقتلته فانها تعاقب على جريمة القتل العمد· في حين أن الشرع لا يفرق في العقوبة بين المرأة الزانية والرجل الزاني'·
وتضيف: 'ان المجتمع يطالب المرأة بالعفة والالتزام ولا يطالب بهما الرجل، بل على العكس تماماً، فإذا مارس الرجل أي سلوك يخالف الشرع او القانون لا يستنكر عليه هذه السلوكيات والممارسات لأننا في الاساس نعيش في مجتمع ذكوري·
لذا أطالب بتعديل قانون العقوبات الأردني وخاصة المادة (340 ) حتى لا يستفيد الرجال من العذر المحل لانهم قد يقومون بافتعال أو ارتكاب جريمة القتل للزوجه او أحد المحارم من دون أن يكون للشرف علاقة بالقتل من قريب أو بعيد، وقد يكون السبب الحقيقي حرمانها من الارث على سبيل المثال'·
وتتابع: 'من غير المعقول ان تقتل فتاة مراهقة لأن شقيقها وجد معها رسالة، في حين أن من الأجدر به ارشادها وتوجيهها الى الصواب وليس قتلها وإلحاق العار بها وبأهلها الى الأبد، رغم أنها في الحقيقة لم تقترف إثما يمس عفتها، وهناك كثيرات عوقبن بالقتل وعندما كشف عليهن الطبيب الشرعي وجدن عذراوات وطاهرات'·
المصدر: 0