محمد.. هذا الروح القوي الذي أعدته الأقدار ليبلغ الناس رسالات ربه ويوجه حياة العالم الروحية الاتجاه الحق، وما الوحي إلا الإخبار الخفي السريع بكلام الله تعالى، وما الموحى إليه إلا إنسان نبي أو رسول، وأما محمد فهو رسول الله تعالى إلى البشرية كلها «وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين» (سورة الأنبياء الآية 107)، ويوم نزول الوحي من أعظم أيام حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأجل أيام الدنيا من بدايتها إلى نهايتها! صفو الروح يوضح الدكتور فاروق حمادة في كتابه «أيام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم» أن مكة والجزيرة العربية كانتا في غفلة الزمان، ولهو الحياة، وعبث الانحراف، وتاه الشباب في الأزقة والطرقات، وأكثروا التردد إلى مواسم الأصنام. وفى هذا الجو كان محمد متفردا قد عصمه الله من كل رذيلة أو هفوة من هفوات الشباب، ولما قارب الأربعين من العمر حٌبب إليه الخلاء خارج مكة حتى لا يسمع هذا الضجيج المؤذي. وجعل شهر رمضان موسما للعزلة، فكان يحمل زاده لأيام وليال ذوات عدة، ويتوجه إلى «غار حراء» خارج مكة، فيجلس هناك يتحنث ويتأمل في هذا الكون الفسيح ونظامه، بسمائه وأجرامه، وأرضه وجباله، فصفت منه الروح وحلقت بعيدا في أجواء القرب من الخالق العظيم، وهو ينقطع عن مشاغل الدنيا وهجران ما لا يحمد في ساحة الحياة. ويضيف الدكتور أمين ساعاتي في كتابه» أحمد صلى الله عليه وسلم ، رؤية سياسية معاصرة «أن «غار حراء» الذي تبلغ فيه محمد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم - رسالة الإسلام يقع في جبل النور بمكة المكرمة، وجبل النور يقع في قلب مكة ويبعد بنحو ألف وخمسمائة متر عن بيت محمد - صلى الله عليه وسلم. ويقول الجغرافيون والمؤرخون العرب إن «الغار» نشأ بسبب عوامل التعرية. تأمل وتفكير يقول الكاتب محمد حسين هيكل في كتابه «حياة محمد» كان تفكير محمد صلى الله عليه وسلم يملأ نفسه وفؤاده وضميره وكل ما في وجوده. فإذا انقضى شهر رمضان عاد إلى خديجة وبه من أثر التفكير ما يجعلها تسائله تريد أن تطمئن إلى أنه بخير وعافية. ويضيف، أفكان محمد يتعبد أثناء تحنثه ذاك على شرع بذاته؟ هذا أمر اختلف العلماء فيه. وقد روى ابن كثير في تاريخه طرفا من آرائهم في الشرع الذي كان يتعبد عليه: فقيل شرع نوح، وقيل إبراهيم، وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به. ولعل هذا القول الأخير أقوى من كل ما سبقه، فهو الذي يتفق وما شُغف محمد به من التأمل ومن التفكير على أساس هذا التأمل. السلام على محمد يوضح الدكتور فاروق حمادة أنه عندما قرب محمد -عليه الصلاة والسلام- سن الأربعين بدأت مرحلة جديدة في حياته، فكان يرى الرؤى في نومه، فتتحقق – كفلق الصبح – في الواقع، وتكرر هذا منه في أمور كثيرة، وبهذه الرؤى فتحت له نافذة إلى عالم الغيب الذي لا يٌحسه كثير من الناس لاضطراب أرواحهم. هذه الرؤى النبوية أرته أن وراء هذه المادة عمقا آخر هو روح الحياة، وتطورت هذه الرؤى عنده شيئاً فشيئاً حتى غدا يرى الأجسام النورانية الشفافة (الملائكة)، فيقصها على خديجة، فتثبته وتبشره، وتبعد عنه البلابل والوساوس. وكان إذا اقترب من الحجر الأسود في ركن البيت العتيق سمع منه تسليما، يقول له: السلام عليك يا محمد. وإذا خرج خارج مكة وأفضى إلى الشعاب والوديان سمع السلام عليه من الأحجار والأشجار، تقول له: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت يميناً ويطمئن إلى أن ذلك ليس مسا من الجن أو الشياطين. الملك «جبريل» يذكر الدكتور فاروق حمادة أنه على رأس الأربعين من عمره وهو في «غار حراء» يتحنث ويتعبد – كعادته بعيداً عن الدنيا الصاخبة وأهلها – فجاءه الملك جبريل، ولم يكن في فكره أو حسبانه أن أمرا كهذا يقع له أو يحصل، فلم يشعر إلا والملك واقف أمامه في الغار على صغر حجمه وعلو مسافته في قُنة الجبل، وقال له: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ» فأخذه فغطهُ وجذبه إلى صدره ثم تركه، وقال: اقرأ. فقال:»ما أنا بقارئ» فقال له:( اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) سورة العلق: الآيات 1-5. فقرأها رسول الله -عليه الصلاة والسلام - ثم انصرف جبريل كأنه لم يكن. وقد بدأ محمد بالاطلاع عليها بأمر الله تعالى الذي يعلم الخلائق ما يريد، ويمنحهم من منحه وعطاياه ما يشاء، ولكنها لشدة وقعها وغط الملك له وهو يلقيها إليه، وأثر المفاجأة بدأت بوادره ترجف، وجسمه يرتعد، وامتُقع لونه، فنزل يستبطن الوادي سريعا إلى خديجة فاستقبلته وقد عاد بحال غير التي كان يأتي بها من قبل من انشراح صدر، وابتسامة ثغر طمأنينة بال. فقالت: ما بك؟ فقال لها:«زملوني، زملوني» فزملته وهدأت من روعه حتى اطمأن وسكن، فعاودته السؤال، وبدأ يحدثها عن لحظة اتصال الأرض بالسماء، وتنزل أول كلمات القرآن من حظيرة القدس إلى دنيا الأحياء، يالها من لحظة عظيمة في تاريخ الدنيا. فقالت له: يا بن عم، هلم بنا إلى ورقة بن نوفل بن أسد، وهو ابن عمي، وله معرفة وعلم، فتوجها إلى ورقة بن نوفل بن أسد وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان يعرف التوراة والإنجيل. فلما وصلا إليه فقال له ورقة: ماذا ترى يا محمد؟ فقص عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - خبره، فقال له: أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به عيسى بن مريم، وهذا الناموس الذي كان يأتي موسى وعيسى، ثم عاد مع خديجة واللقاء بينه وبين الملك في «حراء» ماثل بين عينيه، لكن جبريل انقطع وفتر مدة، فعاود الانقطاع في «غار حراء» والتعبد فيه، فضاق صدر رسول الله وحزن، وكان يقف على ذُرى الجبال يتوكف معاودة جبريل، فيتبدى له جبريل ويقول له: أنت رسول الله حقا. وكان يوم نزول الوحي على الرسول - صلى الله عليه وسلم- هو يوم مولد الإسلام وأعظم يوم على الإطلاق.