ليش؟ جريئة بالمحلية وسعرها درهم
دبي ـ إبراهيم الملا:
في الآونة الأخيرة ظهرت بعض الملاحق المستقلة و النشرات الخاصة التي اختار أصحابها الانحياز الخالص للهجة المحلية كنوع من الابتعاد المقصود ربما عن 'الأرستقراطية' الأدبية، أو عن المثاقفة والنخبوية التي تتبناها اللغة الفصيحة، وتسمُها بطابع رسمي ومستقل· ورغم اعتماد أصحاب هذه النشرات على الشفاهة أو المحكي اليومي إلا أن اختيارهم للشكل المطبوع والتوثيقي الذي تتبناه مثل هذه النشرات يطرح تساؤلات عدة ويثير علامات استفهام ملحّة مثل : هل ستعيد مثل هذه النشرات مجددا الصراعات التقليدية بين الفصيحة والعامية ؟ وهل ستكون هذه الملاحق الخاصة داخلة ضمن سياق التبريرات التي يسوغها المنتصرون للغة اليومية لإيصال أفكارهم ورؤاهم للشريحة الأكبر والأوسع من المتلقين ؟
تعتبر نشرة 'ليش؟' ـ لاحظ الصيغة الاحتجاجية في السؤال ـ آخر النشرات التي ظهرت في الساحة والتي تبنّت ذات التوجه، ويقوم بتحريرها وبجهود ذاتية مجموعة من الشباب الجامعيين المتحمسين لرؤيتهم وتوجههم فيما يخص التعبير عن الظواهر السلبية في المجتمع بلغة سهلة ومبسطة ومعتمدة بشكل أساسي على الطرح الفكاهي المتمازج مع روح الكاريكاتير لتسجيل وتوثيق احتجاجهم الكبير والصارخ ضد إشكاليات وظواهر جديدة أخذت تغزو المكان وتشيع آثارها الخطيرة والمدمرة بين أوساط الجيل الحالي·
في هذا الحوار مع محمد سلطان الشامسي 'مؤلف' هذه النشرة-كما هو مثبت في الصفحة الأولى- والمشرف على كل تفاصيلها-وهو بالمناسبة نجل الفنان الإماراتي الشهير والمعتزل حاليا سلطان الشاعر- نحاول التعرف على أسباب صدور نشرة 'ليش' والمعوقات التي يمكن أن تجابه مثل هذه المحاولات المتحمسة والمتأرجحة أيضا بين القدرة على الاستمرارية وبين احتمالية التعثر في أي وقت·
؟ رغم أن فكرة إصدار النشرات المستقلة ليست جديدة، إلا أن خروج نشرة ( ليش ) وإصرارها على تبني اللهجة العامية يثير تساؤلات حول الأرضية التي استندتم إليها، والجديد الذي يمكن أن يضاف مع وجود ملاحق مستقلة في بعض الصحف تشتغل على ذات النسق والأسلوب ؟
؟؟ إصدارنا لنشرة ( ليش ) لم يأت من فراغ ولم يكن هدفه النشر والتواجد في الساحة فقط، فنوعية الطرح التي نتبعها تمزج بين بنية الكتابة المسرحية المقسمة إلى فصول ومشاهد، والاعتماد على الشكل الفكاهي في الطرح· ليس لسهولة الكتابة بهذا الأسلوب ولكن الوصول إلى الشريحة الشابة التي تمثل النسبة الأكبر في مجتمع ناهض مثل الإمارات يتطلب مثل هذه النوعية الخاصة من الطرح والتي توازن بين الكتابة السهلة وتوصيل المعنى من خلال الاحتجاج المبطن على بعض الظواهر الدخيلة والمستهجنة في المكان والمؤثرة بلا شك على سلوكياتنا وعلى هويتنا التي كانت في يوم ما مميزة وواضحة وذات كيان مستقل·
؟ رغم استخدامكم لهذا الأسلوب الجديد في الطرح من خلال التقنية المسرحية في الكتابة، إلا أن الفكرة في حد ذاتها ليست جديدة والهدف العام كانت قد تبنته إصدارات شبيهة تتقاطع هي الأخرى مع توجهاتكم ؟
؟؟ يمكنني القول وبثقة إن فكرتنا سبقت الجميع ولكن توقيت صدور النشرة هو الذي ظلمنا، لأننا وقبل فترة طويلة عرضنا الفكرة على إحدى الصحف المحلية، لكنها جوبهت بالرفض لانها مصاغة باللهجة العامية، وللأسف فإن هذه الصحيفة بالذات قامت باقتباس فكرتنا، وبعد أشهر قليلة أصدرت ملحقا يتضمن صفحتين من النقد الفكاهي الشعبي، وهذا شيء مستغرب وسابقة يجب أن تسجل على هذه الصحيفة التي كنا نفتخر بها كثيرا قبل هذه الحادثة، ولأننا لا نملك نفوذا ولا صلاحيات بحجم الصلاحيات التي تملكها تلك الصحيفة فضّلنا أن نعتمد على جهودنا الذاتية، كما أن هذه الطعنة المباغتة زادت من إصرارنا على إكمال مشروعنا الخاص·
؟ هذا يعني أنكم مهددون بالتوقف في أي وقت، لأن معظم الإصدارات الشخصية أو القائمة على حماسة مجموعة من الأفراد لم تستطع الصمود أمام التكاليف المادية وما يستتبع هذه التكاليف من تضحيات لن تصمد هي الأخرى مع الوقت؟
؟؟ نعرف أن الحماسة وحدها لا تكفي، خصوصا إذا كنا نسعى للتطوير وللوصول إلى الجودة الفنية والموضوعية المطلوبة، وبدورنا سنحاول استقطاب الرعاة، كما سنفتح الباب للمشاركة الجماعية أمام القراء والمهتمين لرفدنا بالمواضيع والأفكار والكتابات الداخلة ضمن سياق وتوجه النشرة، فالتمويل الفكري لا يقل أهمية أيضا عن التمويل المادي، وأعتقد رغم كل شيء أننا سنستمر في طرح أسئلتنا الجريئة وفي النبش داخل السراديب المغلقة والمسكوت عنها·
؟ ولكن اختياركم للهجة المحلية الصرفة قد يدفع بالنشرة للتقوقع في نطاق أحادي ومغلق ولا يتماس مع الفئات والجنسيات الأخرى؟
؟؟ لم تعد اللهجة المحلية في الوقت الحاضر صعبة على باقي فئات المجتمع كما تتصور، لقد لقينا تجاوبا جميلا ومفرحا من أصدقائنا الوافدين، وهذا التجاوب والقبول أكد لنا أن لغة الكتابة التي نستخدمها هي الأقرب إلى العامية الوسطية التي لا تشتط كثيرا في الاستنجاد بالمفردة الشعبية القديمة، الصعبة حتى على جيلنا الحالي·
؟ وما الذي دفعكم إلى استخدام أسلوب المسرح الفكاهي الشعبي؟
؟؟ هذا يعود لفترة مبكرة من حياتي عندما كنت أدخل مكتبة والدي سلطان الشاعر وأغيب لساعات بين النصوص المسرحية المحلية - خصوصا تلك التي ألّفها الوالد- وكنت أستمتع وأستفيد وأخزن في ذاكرتي كل تلك الفصول والمشاهد المضحكة والتي لم تكن تخلو أيضا من الحكمة والعبرة واستنباط الحلول لبعض المشكلات الاجتماعية، فمثل هذه الكتابات والمسرحيات يمكن أن تدخل أيضا في نطاق النقد الفكاهي أو الفكاهة الناقدة، وهذا هو المنحى الذي أردنا من خلال نشرة 'ليش؟' أن نعيد إحياءه، وأن نستثمره قاعدةً للعمل والتجديد وابتكار الشخصيات الكاريكاتورية المعبرة عن فئات مجتمعنا المحلي·
المصدر: 0