أستاذ عبد الله النديم ما تزال مشاغبة
القاهرة - ابراهيم فرغلي:
على مدى تاريخ النضال الوطني في مصر ذاعت بعض الدوريات والمطبوعات التي كان لها دور كبير في شحذ الشعور الوطني ومنها مجلة 'الاستاذ' التي أصدرها عبدالله النديم خطيب الثورة العُرابية·
وقد أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب قبل أيام الاعداد الكاملة لهذه المجلة في اطار مشروع مكتبة الاسرة، وهو اصدار له أهمية في إطار استعادة الذاكرة لمن لم تتح لهم فرصة الإطلاع على هذا الجانب من إرث مصر الثقافي والحضاري·
وكان عبدالله النديم قد سبق له إصدار صحيفتين شهيرتين هما 'التنكيت والتبكيت' ثم 'اللطائف' التي كانت ذات طابع سياسي·
لكن··· ما هي قصة 'الأستاذ'؟
وماذا يعني صدورها في هذا الوقت؟
الأستاذ عبد المنعم الجميعي يروي القصة في الدراسة الوافية التي صدرت في نفس الكتاب:
يقول عبد المنعم الجميعي: 'بعد ان اصدر الخديوي عباس حلمي الثاني عفوه عن النديم صحفي الثورة العُرابية وخطيبها وأباح له العودة الى مصر بعد أن نفاه الانجليز الى يافا إثر انكسار العرابيين، وصل النديم الى مصر في 9 مايو ،1892 ورغم ان قرار العفو عنه اشترط ألا يعمل في السياسة، ومع أن أحواله الصحية كانت قد ساءت نتيجة لما تعرض له خلال الاختفاء والنفي· وكان باستطاعته أن يكتفي بما قدمه من تضحيات في سبيل مصر، فإن وطنيته أبت عليه ذلك فعقد العزم على أن يبدأ الكفاح من جديد'·
واضاف: 'استخرج النديم تصريحا بإصدار مجلة 'الاستاذ' بأن أوعز الى أخيه عبدالفتاح بأن يوكل أمرها إليه· وصدر العدد الأول من المجلة باسم 'الاستاذ' في أول صفر 1310هـ الموافق 24 أغسطس 1892 كصحيفة علمية تهذيبية فكاهية تصدر يوم الثلاثاء من كل اسبوع في 24 صفحة، وورد في مقدمتها أنها خزانة لشوارد العلوم وفوائد الرسوم لا تتقيد بفن ولا تقتصر على موضوع فتنشر ما يحسن نشره ويلذ سماعه من المعقول والمنقول مما لا يطعن في دين ولا يمس شرفا'·
مجلة للجميع
وقسم النديم الكتابة في هذه المجلة الى ثلاثة مستويات حتى تصل فائدتها الى جميع الطبقات؛ فهناك مقالات علمية وطنية كتبت بأسلوب رصين للمثقفين من القراء وقصد بها ان تكون امتدادا لمجلة 'العروة الوثقى' التي اصدرها الافغاني ومحمد عبده، وهناك مقالات كتبت بأسلوب مبسط لأنصاف المتعلمين وتلاميذ المدارس وهي قريبة الى العامية، والثالث مقالات ومحاورات باللغة العامية التي يعرفها غالبية الشعب لتوضيح الأمور في شكل حواري يستطيعون فهمه بهدف تهذيبهم وترقية افكارهم وهو ما حقق للنديم الاتصال بسواد الشعب·
وفي موضوعات المجلة التزم النديم بالابتعاد عن القضايا السياسية في بداية الأمر، واتجه الى الخوض في النواحي الاجتماعية باظهار عيوب المجتمع في محاولة لترقية افكاره ووصف الدواء الذي يمكن به معالجة الأمور، مستخدما طريقته في التورية والتلاعب بالألفاظ للوصول الى نقد الاحتلال بطريقة غير مباشرة، فكتب عن اهمية تعميم التعليم وانتشار المعارف بين افراد الشعب، وطالب باصلاح الأزهر ودافع عن اللغة العربية، وطالب بضرورة انشاء مجمع لغوي للمحافظة عليها، وسخر من البدع والخرافات التي كانت تعشش في عقول الناس، وانتقد موجة المفاسد والانحلال الخلقي التي شجع الأوروبيون على انتشارها بين الناس، وانتقد الأخذ بالعادات المستوردة من الغرب ودافع عن أهمية احياء الصناعة وطالب بتحقيق الوحدة الوطنية·
إصلاح الأزهر
وفيما يتعلق باصلاح الأزهر حث النديم الحكومة على الاهتمام به وتخصيص المال اللازم للانفاق على شؤون التعليم والاعتناء بشؤونه، كما تعنى باللغات الأجنبية وبعض العلوم الطبيعية من الاجانب الذين يحصلون على مرتبات مرتفعة ومراكز· فقال: 'إذا كانت الحكومة تصرف لمعلمي اللغات الاجنبية وبعض العلوم الرياضية والطبيعية الخمسين جنيها والمئة راتبا لشخص واحد، فماذا عليها لو خصصت للأزهر ودوائره مبلغا تساعد به الاوقاف، خصوصا وأن الأزهر يؤهل بعض طلابه لوظيفتي القضاء والافتاء وهاتان الوظيفتان من أرقى الوظائف المتصلة بكثير من الدواوين الادارية والحكومية'·
وقد تحققت بعض مطالب النديم على يد الشيخ محمد عبده الذي نجح في كسب تأييد الخديوي عباس حلمي الثاني حتى صدر قانون للأزهر في أول يوليو ،1896 وبمقتضاه تمت بعض وجوه الاصلاح التي طالب بها النديم·
دفاع عن العربية
وفي أحد اعداد المجلة دافع النديم عن اللغة العربية في مواجهة محاولات الانجليز القضاء على لغة البلاد القومية وتشجيعهم للغة الانجليزية فكتب: 'إذا حولنا طريقة التعليم باللغة الوطنية الى التدريس باللغات الاجنبية أمتنا قوميتنا وجنسيتنا وديننا وأصبحنا أجانب بين قومنا'·
ودعا النديم الى انشاء هيئة علمية لحماية اللغة العربية من غزو الالفاظ الاجنبية والحيلولة دون موت اللغة، واقترح أن تكون هذه الهيئة من علماء أفاضل متمكنين من اللغة وعلوم شتى· ووجدت هذه الدعوة استجابة من الغيورين على اللغة فأخذوا في البحث في تعريب بعض الألفاظ، كما شكل بعضهم جمعيات أدبية ولغوية كانت النواة لمجمع اللغة العربية الحالي بالقاهرة·
ويشير د· الجميعي الى ان رد الانجليز على دعوة النديم تمثل في قيام أحد رجالهم وهو 'وليام ديلكوكس' بدعوة المصريين الى اتخاذ العامية أداة للتأليف والكتابة بدلا من الفصحى بدعوى ان الفصحى هي التي أخرت ملكات المصريين في الابتكار وابعدتهم عن التقدم، وقد رد النديم على ذلك بمقال في 'الاستاذ' أوضح فيه العوامل الدينية والثقافية التي تحتم على أبناء الوطن التمسك باللغة العربية الفصحى·
وكان لهذا المقال رد فعل عنيف لدى المثقفين المصريين الذين سايروا النديم في دعوته، وقاموا بالرد على دعوة 'ديلكوكس' بانشاء مجلة علمية باللغة العربية أطلقوا عليها اسم 'المهندس' وخصصوها للأبحاث العلمية التي ادعى ديلكوكس ان الفصحى لا تصلح لمعالجتها، وقد قرظ النديم مجلة 'المهندس' ومنشئيها وحث الوطنيين على الاشتراك فيها·
والطريف ان النديم نفسه كان يستخدم العامية في سرد حوارات متخيلة بين سيدات مصريات باللهجة الدارجة في الاحياء الشعبية لكن الرد على ذلك كما يقول د· الجميعي ان النديم في 'الاستاذ' اراد ان يوصل للاميين من ابناء الشعب المصري افكاره بالطريقة التي يفهمونها حتى يرفع مستوى تفكيرهم ويشركهم معه فيما تتعرض له البلاد من اخطار، فكتب لهم بالعامية أما دعوة ديلكوكس فكانت لتعميم انتشار العامية في المدارس ودور العلم بهدف القضاء على الفصحى وهذا ما رفضه النديم·
محاربة البدع
كما انتقد النديم بدعة 'الزار' التي تقوم بها بعض النساء بحجة ان العفاريت يركبونهن واعتبر ذلك بدعة سيئة للمجتمع وسمعة افراده وطالب بمدرسة لتهذيب البنات وتوعيتهن·
وعلى صفحات 'الاستاذ' انتقد النديم الاساليب التي يتبعها مشايخ الطرق في الموالد والتي ينسبون خلالها للأولياء الكثير من الكذب·
وفي موضع آخر من أحد اعداد المجلة انتقد النديم ادعاء بعض الشبان بأنهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر حتى يكونوا عصريين وصور حالتهم بعد دخولهم الحانات قائلا: 'يتمايلون ذات اليمين وذات اليسار، وقد ذهبت عقولهم وطاش صوابهم وهم بين نعيق وصفير وقهقهة وسباب ويعاكسون الفتيات· ويظهرون من شقشقة اللسان الأقاويل البالية التي لا يمحوها الا عقاب شديد'·
ولم يقتصر نقد النديم لعادات اهل بلده على الكتابة بالاسلوب المرسل بل راح يصطنع الزجل وسيلة لتوجيههم مستخدما فيه الدعاية والاضحاك حتى لا تكون مقالاته كلها مجرد زجر وتوبيخ، مما قد يبعث على الملل وحتى تصل نصائحه الى قلوبهم·
وعلى صفحات 'الاستاذ' وكما تتابع الأعداد بنفس هيئة طباعتها القديمة تتعدد اهتمامات النديم بالعدالة الاجتماعية وتنبيهه للأغنياء الى مخاطر اهمال حال الفقراء وتأكيد على الدور الاجتماعي الذي يجب ان يقوم به الأغنياء· كما اهتم كثيرا باصلاح المهن ومستوى الحرف والصناعة وانتقد الاغنياء لتشجيعهم الصناعة الاجنبية على حساب تطوير الصناعة الوطنية·
محاربة الاحتلال
ويوضح د· الجميعي في المقدمة التي صدر بها هذا الكتاب الجامع لأعداد 'الاستاذ' ان المجلة لعبت دورا قويا في محاربة الاحتلال وفي التأثير في جيل من الوطنيين الذين رفعوا لواء النضال الوطني لاحقا مثل مصطفى كامل، كما أشار الى الدور القوي التي لعبته في تأكيد الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط·
وأدى التأثير الكبير الذي حققته 'الاستاذ' لدى الجماهير الى شن حملة هجوم شديدة عليها من الموالين للانجليز خاصة في صحيفة 'المقطم' فزادوا حملتهم على النديم واتهموه بأنه يدعو الى ثورة عُرابية ثانية كما اثاروا 'كرومر' عليه حتى أوعز للداخلية باصدار آخر انذار لمجلة 'الاستاذ' بالغلق اذا تعرضت للحديث عن السياسة وهو ما أدى الى اغلاق المجلة قبل ان يمر عليها العام الا انها استطاعت رغم هذا العمر القصير ان تحدث بالحياة المصرية آثارا عميقة الجذور وتصبح عاملا فعالا في بث الروح الوطنية لدى الشعب مما جعلها تحتل في تاريخ الصحافة المصرية مكانا مرموقا·
المصدر: 0