خديجة الكثيري:
'من تدخل في ما لا يعنيه، لقي ما لا يرضيه'··· مثل شعبي نردده كثيرا، ونستعين به كلما واجهنا شخصاً فضولياً يثقل علينا بـ 'حشريته' ورغبته في معرفة أشياء لا تخصه، وتوجيه أسئلة لا ينبغي أن يسألها· وإذا كان هذا المثل يعبر عن نقمتنا من 'فضول الكبار' ويشرح كم أن الفضولي شخص متعب ومزعج ومثير للأعصاب، فإن هذا الأمر لا ينطبق على 'فضول الصغار' او لا ينبغي أن نعاملهم كما نعامل 'فضوليي الكبار'·
لماذا؟ وبماذا يختلف الأمر عند الأطفال عنه عند الكبار؟
ومتى يكون فضول الصغار سبباً للغضب؟
وما هي الآثار المترتبة على 'كتم أنفاس' الصغير ومنعه من السؤال و 'الحركشة' حول كل شيء؟ ···الإجابات في التحقيق التالي:
يؤكد الدكتور خلف علي -اختصاصي في التربية وعلم النفس-: 'أن الفضول هو أحد الدوافع الفطرية التي تؤدي وظيفة فسيولوجية، أي أنه سلوك 'غير مكتسب'، ومثله مثل أي دافع آخر له إيجابيات وسلبيات، فمن ايجابياته التنبيه الحسي، بما يحمل من معاني الاستكشاف الحركي للبيئة المحيطة بالإنسان ومحاولة تغييرها والتحكم فيها، كما يلعب الفضول دورا مهما في استمرار بقاء الانسان، ولولاه لما قام الإنسان باكتشافاته وتجاربه وإنجازاته المختلفة، وبهذا المعنى يمكن القول إن الفضول سبيل من السبل التي تحقق للإنسان التوافق مع البيئة· بيد أن هذا الفضول الإيجابي - إذا صحت التسمية - يمكن أن يتحول إلى مشكلة إذا زاد عن حده سواء عند الصغار أو الكبار، وفي هذه الحال يمكن أن يخفض من مستوى الأداء، نظراً لغياب التنبيه الحسي الذي يؤدي إلى الملل وخفض الدافعية والأداء معاً'·
معرفة واكتشاف
أما الدكتور خطاب راغب - اختصاصي طب الأطفال- فيرى أن الفضول لدى الأطفال ينشأ من الحاجة إلى المعرفة والفهم وحب الاستطلاع الذي يظهر في سن مبكرة ، فنجد أن لدى الطفل رغبة قوية في التعرف إلى العالم من حوله وما يدور فيه، وفهم كل ما يراه ويسمعه· والطفل لا يعتمد في سلوكه هذا على ما يقدمه له الكبار بل يقوم بطرح التساؤلات الكثيرة التي يبدو بعضها أحياناً غير منسجم مع مستواه العمري، حيث نراه شغوفاً بمعرفة كل شيء، ابتداءً من أعضاء جسمه ووظيفة كل شيء فيه، بالإضافة إلى محاولاته الدائمة لاكتشاف الأشياء المألوفة والموجودة في البيئة التي يعيش فيها، مثل المعدات الآلية والأجهزة الكهربائية والألعاب· ومن الطبيعي أن يقوم الطفل بفك كل ما تقع عليه يداه لمعرفة ما يوجد بداخله· ولا بد أن يتفهم الكبار هذه الحاجة لدى الطفل، ولا يعدوا أسئلته الكثيرة نوعاً من الفضول بقدر ما هي رغبة في المعرفة، لهذا ينبغي تقديم الإجابات المقنعة والصادقة على أسئلة الطفل، وتقديم المعلومات المناسبة، لأن ذلك يساعد في بناء ملكة الاستكشاف وتقويتها لدى الطفل'·
أسئلة محرجة
وهذا أيضا ما تؤكده السيدة ماجي عون -موظفة وأم لثلاثة أطفال- حيث تقول: 'إن الفضول هو أحد مظاهر الذكاء عند الاطفال، لأنه يدل على ما يتمتعون به من حس ويقظة تجاه ما حولهم، وغالباً ما يأتي ذلك بالكلام وطرح الاسئلة الكثيرة، وهذا أمر ايجابي، أو بالحركة والفعل والاكتشاف، ولكن يجب أن يقف الأمر عند حدود معينة ولا يتعدى حقوق الآخرين، لأنه سينتقل في هذه الحالة من مجرد فضول إلى مسميات أخرى كالسرقة وعدم التربية، فالطفل بطبعه يحب تملك الأشياء، وقد يدفعه ذلك إلى الاستحواذ على كل ما يعجبه من دون أن يعي خطأ ما يقوم به، وهنا لا بد أن يتم اختيار أسلوب مناسب لإفهامه الخطأ من الصواب· ومن الضروري مراعاته ومداراته، وعدم نعته بألفاظ جارحه مثل 'السارق' أو 'الفضولي'، واتباع أسلوب توجيه جيد لأن ذلك سيساعد الطفل على الاكتشاف والابتكار ويضع حب الفضول في إطار فعل إيجابي ومفيد'·
وتضيف: 'على المستوى الشخصي ألاحظ حب الفضول لدى أولادي حيث يسألونني باستمرار عن عملي، ولماذا أتأخر في العمل، وأعود وأكمل العمل في البيت وغيرها من هذه الأسئلة، ودائما أحاول أن أفهمهم الأمر بوضوح وأن أشرح لهم ما يريدون بطريقة يمكنهم استيعابها، في حين أن اطفال صديقاتي يتصفون بالفضول الحركي، بمعنى أنهم يحبون العبث بكل ما يرونه على المكتبة مثلا، أو استخدام الأدوات والأغراض الخاصة بمنزلنا، كما يحبون اللعب بألعاب غيرهم من الأطفال، وفكها واكتشاف ما بداخلها، من دون استئذان، ولا شك أن هذا يزعج الأمهات'·
إزعاج وملل
من جهته يقول عادل سامح - موظف وأب لطفل وطفلة- عن الفضول عند الأطفال بشكل عام، وعن ما يلاحظه من فضول لدى طفليه بشكل خاص: 'من المعروف أن الفضول والاستكشاف طبع من طبائع البشر بشكل عام، ولكنه قد يظهر جليا في السنين الأولى لدى الاطفال، ما عدا بعض الأطفال الذين يميلون إلى العزلة والانفراد أو اللعب وحدهم، ولا يطرحون الأسئلة المزعجة والمملة، وأطفالي من النوع الأول ولديهم فضول كبير، بحيث لا يكفون عن طرح الأسئلة عن كل صغيرة وكبيرة، وفي الحقيقة أنني أعاني بسبب هذا الفضول، وكلمة فضول قليلة في وصفهم، لأنهم يدققون في كل شيء يرونه ويسمعونه، ويريدون تفسيرا له، حتى وإن كان لا يعنيهم أو أكبر من مستواهم وقدرتهم على الفهم، إلا أنهم يصرون على السؤال عنه واكتشاف السر، وهذا يزعجني خاصة إذا كنت مشغولا، أو كنا في زيارة عائلية أو بين الناس، لأن هناك كثيراً من الناس قد ينزعجون من أسئلتهم مما يوقعني في الحرج، لهذا افضل تركهم في البيت مع والدتهم، أو الصراخ في وجههم ليكفوا عن طرح الأسئلة ويتقبلوا الأمر كما هو من دون تعليق'·
ميثاء العامري- موظفة وأم- تختلف مع ما ذهب إليه عادل، وترى أن فضول الأطفال نوع من التفكير والملاحظة والتدقيق في الموضوع بكافة جوانبه، وإن كان مبكرا على سن كثير من الأطفال، لكن ذلك يجب أن يدفع الأهل إلى تقويم هذا التفكير وتوجيه هذه الملاحظات، بحيث توضع في موقعها الصحيح، وبحيث لا تتعب تفكير الطفل فيما لا ينفع· ويجب على الأهل ألا ينزعجوا من أسئلة الأطفال وأن يجيبوا على كل سؤال يدور في مخيلة أطفالهم بطريقة بسيطة ومفيدة، وأن يساعدوهم في طرد الوساوس والصور التي يمكن أن يتخيلوها· وأعرف أطفالا أصيبوا بالعزلة والإنطواء وابتعدوا عن الكلام وتوجيه الأسئلة بعد أن كانوا اجتماعيين ويحبون السؤال عن كل شيء يرونه، وكانوا يفعلون ذلك بطريقة جميلة وبريئة، إلا أنهم تغيروا تدريجيا بسبب ضربهم من قبل الوالدين وتعنيفهم بشكل كبير، حتى باتوا لا يتكلمون مع الناس، ولا يلعبون مع الأطفال، وهذا خطأ وقد يؤثر على الطفل مستقبلا·