مدرسة البنات أشعلت الثورة
القاهرة- حلمي النمنم:
البحث الدقيق والدؤوب يمكن ان يأتي بنتائج تهدم احكاما راسخة وآراء اخذت شكل الحقائق المطلقة، وهذا ما فعله د· خالد فهمي ـ الاستاذ بجامعة اكسفوردـ في كتابه الذي صدرت ترجمته العربية عن دار الكتب المصرية بعنوان 'الجسد والحداثة·· الطب والقانون في مصر الحديثة' الذي تناول فيه د· فهمي 'مدرسة القابلات' التي أنشأها محمد علي في عام ،1832 وكانت أول مدرسة للفتيات في العالم الاسلامي كله·
أثار محمد علي بسبب هذه المدرسة إعجاب كل الرحالة الاوروبيين الذين زاروا مصر في تلك الفترة، فلم يجد هؤلاء الرحالة النساء معزولات في اجنحة الحريم كما صورتهن لوحات الفنانين المستشرقين طوال القرن الثامن عشر بل وجدوهن يعملن في مؤسسات الطب والصحة· أحد هؤلاء الرحالة هو د· ويلد وكان زميلا لكلية الجراحين الملكية في ايرلندا وأعجب كثيرا بمحمد علي لأنه 'ليس مشغولا فحسب بحياة جنوده ورعاياه، ولكن حتى بأدنى النساء في أملاكه· فقد أوجد مرة اخرى قابلات من النساء في مصر'· ورحالة آخر سمح له بزيارة المدرسة ورؤية الطالبات ولم يكن يتوقع ذلك، وأبدى سعادة غامرة فقد وجد 'عالما طبيبا مسلما يدرس للنساء' وعلق على ذلك بالقول 'انها حقا ثورة، وحين يرى المرء هذا، يبدو مهما ان نضيف ان الطالبات لم يبد عليهن الحرج على الاطلاق لبقائهن بوجوه سافرة، حتى في وجود اوروبيين، كانت رؤوسهن محاطة بحجاب من الشاش الابيض يغطي الذقن وينساب برشاقة على الكتفين'·
وفيما بعد بقيت هذه المدرسة موضع اعجاب الباحثين والباحثات خاصة السيدات اللاتي انحدرن من اصول عربية وهاجرن الى الغرب، فهذه ليلى احمد ترى ان مدرسة القابلات تكشف عن مدى استنارة محمد علي بسبب 'تفتحه وقبوله لوجود نساء يدرسن موضوعات اوروبية'· ورأت فيها اميرة سنبل 'واحدة من اكثر اصلاحات محمد علي الجديدة بالتقدير'· والرأي ان المدرسة وضعت النساء المصريات في وضع صرن فيه اكثر استعدادا للمطالبة بتحررهن واقتحام مجال ظل مغلقا لمدة طويلة امامهن وبعدها صار الطريق سهلا كي تطالب المرأة بحق التعليم والخروج الى سوق العمل·
وكانت الدراسة بالمدرسة تستغرق ست سنوات، السنتان الاوليان يتم الاهتمام فيهما بمحو الامية، ثم اربع سنوات من التدريب المتخصص في عدة مجالات منها التوليد والعناية بالأم قبل الولادة وتضميد الجروح والتطعيم والحجامة بالاضافة الى التعرف على معظم الادوية الشائعة الاستعمال وتحضيرها·
رجل في جزيرة
لكن الامر لدى المؤلف خالد فهمي لم يكن كما رآه وفهمه الرحالة الأوروبيون فقد كان محمد علي يحاول جاهدا أن يؤثر على الرأي العام الاوروبي تجاهه وتجاه مشاريعه، وكان يدرك انه تابع للسلطان العثماني وليس من حقه ان يعين وكلاء سياسيين له في العواصم الاوروبية، قناصل وسفراء، ولم يكن امامه سوى هؤلاء الرحالة، وكان يعول عليهم في تحسين صورته لدى الغرب، فوجه اليهم الدعوات والتقاهم وتحدث معهم، محاولا أن يبدو الرجل المستنير في جزيرة من الظلمات وانه يسعى لتحقيق خطوات متقدمة في القاهرة بينما الاستانة غارقة في بحور الجهل والخرافة، والواضح من كتابات الرحالة انه نجح الى حد كبير في استخدامهم ليستنطقهم بما يحب أن يقال عنه· وهكذا نجح الباشا محمد علي في أن يملي على الاوروبيين ما يود ان يسمعه·
هذه الرؤية لمحمد علي المستنير صاغها أيضا معاصروه المصريون، من الطلبة الذين ارسلهم في بعثات إلى دول الغرب وكان هدفه 'ليروا بأعينهم كيف ولماذا يتفوق علينا الغرب'، ومجموع ما ارسلهم 300 طالب منهم خمسون لدراسة الطب فقط، وبعد عودتهم قام هؤلاء بالترجمة ونشر المعرفة والعلوم التي تلقوها في أوروبا، وهؤلاء الطلاب لم يكن لديهم أدنى شك في أن محمد علي هو صاحب الفضل في ادخال الطب الحديث والعلوم الأخرى إلى مصر·
التطعيم ضد الجدري
وفي حالة مدرسة القابلات هناك اسباب عملية جدا وراء قيامها، فقد عانت مصر آنذاك من ارتفاع معدلات وفيات الأطفال حديثي الولادة، وكان الاتهام معلقا على رأس الدايات التقليديات، لكن الجدري كان مخيفا لمحمد علي، فقد كان ضحاياه يقدرون بحوالي 50 ألفا إلى 60 ألف طفل سنويا، وهذا يعني ان الباشا لن يجد في المستقبل شبانا يجندهم، وهكذا طلب في عام 1819 من كتخدا الباشا 'نائب الوالي' ان يقوم بوضع برنامج صارم للتطعيم ضد الجدري يتم تنفيذه على مستوى البلاد، وبعد خمس سنوات طلب الوالي من قنصل فرنسا العام 'دروفيتي' إحضار عدد من الأطباء الفرنسيين لإدارة نظام التطعيم في الريف المصري، وجاء منهم ثلاثة وبدأوا العمل في مختلف مديريات الدلتا وفي العام التالي انتقلوا إلى الصعيد وفي 1825 وصل د·كلوت وتولى مسؤولية الصحة كاملة بالبلاد، تقريبا وزير الصحة، وقد اقنع كلوت بك الباشا بان السيطرة الفعالة على الجدري والامراض الاخرى تتطلب الاهتمام بالصحة العامة والقواعد الصحية للنساء والأطفال وهم لم يكونوا حتى ذلك الوقت هدفا للسياسة الصحية العامة· وكان كلوت غاضبا من ان أمر التطعيم ضد الجدري متروك لحلاقي الصحة في البلاد، واقنع كلوت بك الباشا بخطوة جديدة يجب ان تتخذ وهي 'ضرورة تدريب نساء على حماية صحة نساء مصر وأطفالها··' وقد اقتنع الباشا بتوصية كبير مستشاريه الطبيين وهكذا وافق على انشاء مدرسة القابلات·
ولم يكن الجدري فقط هو العنصر الحاسم ولكن ظهر وانتشر بسرعة مرض أكثر خطورة هو 'الزهري' وكان هذا المرض يتطلب الوصول بسرعة إلى النساء واتاحة أجسادهن أمام النظرة الطبية الفاحصة، وكان هذا المرض ينظر اليه كعرض للدعارة، وهي من الأعراض الجانبية لجيوش القرن التاسع عشر عموما، فقد كانت جيوشا جرارة وامتازت عن الجيوش السابقة بانه لا يتم تسريحها بعد انقضاء هذه الحملة أو تلك، بل كانت جيوشا تتصف بالدوام والاستمرار، وليس معنى هذا أن مصر حدث فيها انهيار اخلاقي مفاجئ أو زيادة طارئة في معدلات الرذيلة أو ازدياد العوالم في الشوارع كما يحاول البعض تصوير ذلك، ولا هو بسبب ارتفاع معدل الطلاق كما كان يردد كلوت بك· ولكن سياسة التجنيد القسري التي اتبعها محمد علي أدت إلى حالة غير مسبوقة من التفكك الأسري والاجتماعي، فقد اضطر عشرات الألوف من الرجال إلى أن يرحلوا ويتنقلوا من مدينة إلى أخرى تاركين خلفهم الزوجات والأمهات والبنات، وقد اضطرت العديد من الزوجات الشابات وقد هجرهن الأزواج قسريا، تحت وطأة الجوع أو لتجنب هلاك أبنائهن إلى الانضمام إلى العوالم وقد اكتسبن بسرعة كل عاداتهن الخليعة، وفي أي مدينة أو منطقة دخلها الجيش، شكل أفراده ضغطا على الناس، ليس في الثروات والمال فقط، بل في الجانب الاخلاقي أيضا، أحد الرحالة هو 'سان جون' زار بني سويف في مارس 1833 ورأى المشهد التالي 'عند وصولنا إلى المدينة كان ثمة صخب ونشاط غير عاديين بشكل ملحوظ في الشوارع· وسرعان ما اكتشف السبب: كان أحمد باشا يكن قد وصل على التو من الحجاز ومعه قسم من الجيش المصري، وكان الجنود يوزعون أنفسهم في كل أنحاء المدينة، ليخطفوا متعجلين المتع الفظة التي يجدونها في متناولهم· وبالتالي ظهرت كل الفتيات الراقصات وشرع المغنون والموسيقيون في العمل' وهكذا ساعد جيش محمد علي، كما كان الحال مع الجيوش المعاصرة، في نشر الأمراض التناسلية حيث حل، وفي احدى عمليات الفحص الطبية التي اجريت في الجيش تبين ان عدد المصابين بالزهري يساوي عدد كل المرضى الآخرين مجتمعين، وأمر محمد علي وقد أدرك خطورة الوضع بان يتولى أحمد باشا يكن ـ ابن اخته ـ الاشراف على عملية الفحص الطبي، وفي نماذج التقارير اليومية المطبوعة للمستشفيات أثناء حروب الشام وضعت خانة لمرض الزهري واخرى لمرض الجدري·
البحث عن طالبات
ولمواجهة تلك الحالة منع نهائيا دخول العوالم إلى المعسكرات، فتذمر الجنود فسمح لأسرهن باللحاق بهم، ولكن أدى هذا إلى مشاكل صحية، ذلك ان الخيام التي اقيمت للزوجات حول المعسكرات ثبت عدم مطابقتها للقواعد الصحية والطبية وهكذا أوقفت الأسر عن اللحاق بابنائها الجنود، مما اثار تذمر الرجال بشدة فتنكرت بعض الزوجات في زي الجنود ولحقن بالازواج، وهناك زوجة تمكنت من اللحاق بزوجها حتى سوريا· بإزاء هذا كله وافق محمد علي وسمح بانشاء مدرسة القابلات·
والأكثر صعوبه من اقناع الباشا كانت قضية العثور على بنات يقبلن دخول المدرسة ويكن قادرات على مواصلة البرامج التدريبية والتعليمية، فالناس عموما لم يتقبلوا مشروعات محمد علي، فما بالنا بالنساء؟ وفضلا عن ذلك فإن مدرسة أبي زعبل الطبية جندت من طلاب الأزهر من يدرس بها، ولم يكن هذا الظرف متوفرا في حالة مدرسة القابلات، وهكذا لجأ كلوت بك إلى إجراء اعتبره نجيب محفوظ بعد مئة عام في تأريخه لهذه المدرسة 'بالغ الشذوذ' فقد أرسل الموظفين إلى سوق الجواري لشراء عشر جوار من الحبشيات والسودانيات شكلن الدفعة الأولى من طالبات المدرسة وقد الحقن في البداية باسبتالية أبوزعبل، وأمر الباشا بتعيين اثنين من الخصيان من القلعة لحراستهن في مكانهن الجديد، وبعد ثلاث سنوات جلبت عشر بنات اخريات من سوق الجواري بالمحروسة وبعد ذلك اخذت الحكومة عشر بنات صغيرات من مارستين المنصورية القديم، الذي كان تكية للفقراء منذ عصر المماليك· كانت الفتيات العشر ممن أرسلهن أهلهن إلى هذا المارستان ليعالجن ولم يطلبوا استردادهن، ومن هذا المزيج تشكلت النواة الأولى لطالبات مدرسة القابلات· كان كلوت بك يخطط إلى ان يصل العدد إلى مئة طالبة، ولم يتمكن حتى من الوصول إلى نصف هذا الرقم، ففي عام 1837 نُقلت المدرسة من أبي زعبل إلى الازبكية ولم يكن فيها أكثر من 22 فتاة وفي الاربعينات كن احدى عشرة فقط، وفي 1844 طلب كلوت بك، تعيين ست من هؤلاء الحكيمات لمصر المحروسة·
وكانت المشكلة الأخرى هي ايجاد مدرسات على كفاءة وحين افتتحت المدرسة تولت تعليم المجموعة الأولى من الطالبات امرأة فرنسية من اتباع سان سيمون تدعى 'سوزان فوالكان' وظلت مسؤولة عن المدرسة حتى عام ،1836 حين حلت محلها امرأة أخرى فرنسية تدعى 'بالميرجول' وفي 1844 تولى المدرسة رجل مصري هو 'عيسى النحراوي' وكان كبير المعلمين بها، وفي عام 1847 انهت 'جليلة تمرهان' احدى طالبات المدرسة، دراستها التدريبية وعينت مساعدة مدرسة، وحققت تمرهان كفاءة مهنية ونجاحا كبيرا حتى انها رقيت إلى منصب كبيرة المعلمات بالمدرسة في عام 1857 وظلت تشغل هذا الموقع حتى وفاتها في عام 1863 وبعدها أوصى كبار أطباء قصر العيني واسبتالية الإسكندرية بتعيين طبيبة أوروبية في منصبها وهي توصية ايدها مجلس الصحة، غير ان المجلس الخصوصي رفض هذه التوصية وقرر تعيين احدى الحكيمات الموجودات بالفعل بالمدرسة، لحفز تلميذات المدرسة على الدراسة والارتقاء لانه بغياب الترقي 'يعتريهن الفتور ويضيع النشاط' والغريب ان الباحث لم يتوقف ليعرف سر طلب كبار الأطباء الاستعانة بأوروبية وعدم اختيار مصرية·· هل هي أسباب تتعلق بالكفاءة المهنية والعلمية أم بالقدرة على مواصلة العمل··؟ المهم انه في النهاية استقر الأمر على اختيار حكيمة مصرية، وفي امتحان عام للحكيمات بالمدرسة وتم اختيار 'ظريفة عمر' كبيرة للمعلمات·
والمشكلة الحقيقية كانت في تعامل الحكيمات مع المجتمع، وكان عملهن يجعلهن في موقف احتكاك مع القوى المحافظة التي كانت معارضة لعملهن، بل وللمؤسسة الطبية الحديثة برمتها، واحيانا كانت تتخذ منهن مواقف تتعلق بالموقف العام من تجربة محمد علي، وهكذا فإنهن وضعن في مواجهة ـ مثلا ـ مع المؤسسة الدينية، فقد كان من بين مهام الحكيمات، كتابة تصريح الدفن للمتوفاة، والكشف على الجثث التي يشتبه في انها ماتت ميتة غير طبيعية، وكانت الاجراءات تتم بصرامة للتأكد من ان الوفاة ليست ناتجة عن احد الأوبئة، مثل الكوليرا والتيفود وغيرها أو ليست ناجمة عن شبهة جنائية، مما عرضهن لأزمات عديدة·
المصدر: 0