المشاعر المزيفة
بدأت حكايتي عندما كنت في الثانوية، جاءتني مكالمة غير معروفة، اتصال خاطئ، ثم تحول الأمر إلى محادثة، كنت في فترة المراهقة، أسمع الحكايا عن الحب والعلاقات التي تمر بها البنات، مشاعر جميلة كن يحكينها لي، فأتمنى بداخلي ان أعيشها··· فأنا يتيمة ولدي احساس قوي وحاجة ماسة للحب الدافئ الجميل·
كان أول شخص يدخل حياتي، أول رجل غريب أسمح لنفسي بالتحدث معه، قلت لنفسي: لا يضر ان أستمع إليه، إنها علاقة عبر الاسلاك لا تضرني بشيء، ولن تسيء إلى سمعتي، اقنعت نفسي بتبريرات كثيرة واستسلمت لحديثه اللطيف الذي كان يأخذني إلى آفاق رائعة لا يمكن تصورها·
كان طالباً جامعياً يدرس خارج الدولة، يعيش الغربة ومعاناتها· كان جاداً يحب العلم، طموحاً يريد ان يحقق ذاته على أعلى الاصعدة· كان مثالاً للكمال في كل شيء، فتعلقت به بقوة·
تدريجياً ومع مرور السنين تحول إعجابي به إلى حب قوي تملك كل ذرة في كياني، احسست بأنني فتاة محظوظة لانني تعرفت إلى انسان متكامل مثله خصوصاً بعد ان عرفت اسم عائلته واتضح أنها عائلة محترمة ومشرفة، كنت اسعى لان احتفظ به وان اكون كفئاً لشاب مثله·
في احدى الإجازات التي جاء بها إلى الوطن طلب مشاهدتي، وبصراحة فقد كنت متلهفة لمشاهدته أيضاً، رتبنا لقاءً سريعاً، فكان ذلك اللقاء كسلسلة قوية ربطتني إليه بقوة اكبر، فقد كان وسيماً للغاية وفوق ما تصورته، وقد اخبرني بأنه بهر بجمالي الذي لم يكن قد توقعه·
سرٌّ طي الجوانح
ازددنا ارتباطاً بعد ذلك اللقاء وتقاربت أفكارنا ووجهات نظرنا وصرنا ككيان واحد لا تفصله إلا المسافات، انهيت الثانوية وتوظفت وبقيت مستمرة على تلك العلاقة الهاتفية التي بقيت سراً اخفيه بين جوانحي حتى عن اقرب الناس إلي·
حاولت ان اتعرف إلى عائلته، ان اتقرب إليهم واكسبهم لأسهل عليه المهمة التي باتت قريبة لان موعد تخرجه قد اقترب وصارت احلامي بالارتباط به تكاد تكون حقيقية·
فجأة وصلتني اخبار مخيفة، وانباء عن خطوبة في عائلتهم، كانت البنت التي تقدموا لخطبتها زميلتي في العمل، استفسرت عن اسم الخاطب فعرفت أنه هو نفسه!
يا الهي! هل هذا يعقل؟ اتصلت به لأتأكد من الخبر فلم يرد علي، حاولت ولكن بلا فائدة، اسودت الدنيا بعيني واظلم كل ضيائها، فكيف يمكن ان يحدث مثل هذا الشيء؟
لم أستسلم وأردت ان اعرف منه شخصياً سبب ما يحدث، بحثت وبحثت، فاكتشفت أن لديه رقماً جديداً، اتصلت به وسألته عن تفسير مقنع لما يحدث، فقال لي: أهلي اجبروني على تلك الخطبة ووضعوني أمام الأمر الواقع·
شعرت بالانهيار الكامل، لم استطع ان أدافع عن نفسي، عن مشاعري، عن السنين التي قضيتها في انتظاره، أحسست أن ما حدث كان خنجراً مزق قلبي وقتلني مع انني كنت حية اعيش واتنفس كما يفعل الآخرون·
مرت أربعة شهور على ذلك واعتقدت أن كل شيء قد انتهى وان احلامي كلها قد تلاشت إلى الابد، قررت ان أبعده عن مخيلتي، حاولت ولكني فشلت وبقيت أبكي بصمت وحرقة·
'مسج' العودة
في يوم ميلادي أرسل لي (مسج) تهنئة، كان ذلك بمثابة نفحة أوكسجين أنعشت قلبي المختنق، اتصلت به وشكرته فأحسست أنه يحاول إعادة المياه إلى مجاريها معي، فأسعدني ذلك كثيراً·
سمعت أن الخطبة قد ألغيت، فسعدت لذلك سعادة كبيرة ولم افتح معه ذلك الموضوع خوفاً من جرح مشاعره، أقنعت نفسي بأن ما حدث كان فوق إرادته وانه قد (فركش) الخطبة من أجلي، عدت للسعادة والفرح والاحلام الوردية التي أرسمها لوحدي على انغام مكالماته·
خلال تلك السنين الست هي عمر علاقتنا، وهي الفترة التي قضاها خارج الدولة للدراسة، لم اشاهده سوى أربع مرات فقط خلال إجازاته في الصيف، وكان الأمر مقتصراً على الهاتف الذي يربط بيننا بتلك الاحاديث المختلفة عن كل جوانب الحياة، وفي تلك السنين تقدم لي وبلا مبالغة سبعة عشر خاطباً رفضتهم جميعاً بلا سبب مقنع، فأنا فتاة جميلة ومن عائلة محترمة يتمناها الجميع، لم أرد ان ألفت انتباهه لذلك حتى لا يعتبر ذلك عرضاً لدفعه لخطبتي، كنت أود ان يندفع للارتباط بي بدافع المشاعر الجميلة والتقارب الفكري القوي الذي ربط بيننا كل تلك السنين·
مرة أخرى حاولت ان اسهل عليه المهمة، فتقربت إلى عائلته وتعرفت على أمه وأخواته في احدى المناسبات، اكتشفت بانهم أروع الناس مما زاد في تمسكي به، حاولت ان اجعلهم يحبونني فكان ذلك سهلاً علي، فاستطعت كسب تلك المحبة والتقدير بجهد بسيط·
لم يبق عليه سوى أن يطلب منهم خطبتي، فيرى كل التشجيع والترحيب، لم أصارحه بذلك وبقيت أنتظر مبادرته التي ستتوج مشاعري الصادقة نحوه بتاج الزواج المقدس·
حاولت ان ألفت نظره إلى مسألة الزواج بشكل غير مباشر، فأخبرني بأنه قد اجل التفكير بهذا الموضوع لما بعد التخرج والعمل ولم يزد على ذلك شيئاً، ثم بقينا نتحدث عن كل شيء إلا الزواج·
قطيعة بلا سبب
بعد مدة صرت اتصل به، فأجد أن خطه مشغول معظم الوقت، حاولت ان استفهم عن سبب انشغال الخط، فوجئت به وهو يتحدث معي بعصبية غريبة، وقال لي: يبدو ان تفكيرنا غير متقارب، وانك لا تفهمينني جيداً، احسست بان في الأمر شيئاً غريباً، فقلت له بشكل مباشر وبلا لف أو دوران: هل هذا تبرير لخطوبة جديدة أم ماذا؟ رد علي بعصبية وهو يحاول تغيير الموضوع ثم انهى المكالمة وصار يتهرب مني ولا يرد على مكالماتي·
قلت في نفسي: يمكن ان يكون متعباً بسبب ضغط الدراسة والامتحانات، ثم قررت ان اتركه لفترة حتى يهدأ ويعود للاتصال بي مرة اخرى، بعد ان يعود للوطن، فقد انتهت فترة دراسته·
مر شهر على ذلك وانا لا أدري ما يحدث ولا اجد تفسيراً لانقطاعه عن مكالمتي، فصرت أبحث عن الأعذار المناسبة التي تقنعني بأن أصبر واعطيه فرصة من اجل إعادة الأمور بيننا إلى مسارها الطبيعي ولكنه لم يفعل·
كنت مدعوة إلى عرس احدى الصديقات، فشاهدت أخته هناك· سلمت عليها وجلست إلى جوارها، كانت تتحدث مع صديقتها وهي تخبرها بأنهم يبحثون عن عروس لاخيهم، وذكرت اسمه، انهرت ودارت بي الدنيا، عرفت أنه سيتزوج وان انقطاعه عني سببه بحثه عن عروس غيري، أرسلت له مسج أعاتبه فيه، فلم يرد علي، أرسلت مسجات متعددة فلم يرد أيضاً·
بعد شهر واحد سمعت أنه عقد قرانه ثم تزوج بعد مدة بسيطة·
مررت بحالة لا يعلمها إلا الله وحده، مرضت مرضاً مهلكاً ولا احد يدري ما بي، عندها احسست بحاجة لمن احدثه وأكشف له سري عسى أن يخفف ذلك عني، حكيت لاحدى اخواتي عن قصتي وما مررت به، فاستغربت لحكايتي ولم تصدق ما تسمعه مني، فكيف يستمر في التحدث معي ويعلق قلبي به طوال تلك السنين إذا لم يكن يفكر جدياً بالارتباط بي؟ ألا يخاف الله؟ ألا يعرف أن ذلك هو اخطر أنواع التلاعب والغش؟ ألا يعلم أنه لن يوفق في زواجه وفي حياته كلها ما دمت أدعو عليه دعوة المظلوم في كل لحظة؟
لم تستطع اختي ان تخفف عني وبقيت أبكي وأبكي وأتألم، أنتظر هطول المطر فأدعو ربي أن يعيده لي أو ان ينتقم منه لأنه خدعني وكذب علي وسرق سنين عمري وأدمى قلبي وجرح مشاعري· لقد أوهمني بالاهتمام وأوهمني بأنني أهم انسانة في حياته وربطني به بأمل خفي طوال تلك السنين، صحيح انه لم يناقش مسألة الزواج معي ولم يحدثني عن نيته في الارتباط بي بوضوح، ولكن هل يعقل ان يحدث الشاب الفتاة دون ان يفكر بالارتباط بها؟ ان هذا غير معقول، فالبنت صادقة في مشاعرها وهي تتعلق بذلك الحديث ويكون هو كل عالمها وكل حياتها، فكيف يمكن للشاب ان ينسى كل ذلك ويتعامل معه بمنتهى البساطة، فيقول إنها علاقة عادية لم ترتبط بوعود؟·
المصدر: 0