بغداد - حمزة مصطفى:
يعتبر العراق واحداً من أهم البلدان النفطية في منطقة الشرق الأوسط، وترشحه التقديرات السياسية والاستراتيجية لأن يتحول إلى واحد من أهم البلدان النفطية في العالم إن لم يكن أهمها على الإطلاق خصوصاً إذا صحت التخمينات التي تذهب إلى التأكيد أن آخر برميل نفط في العالم سيكون عراقياً·
وحتى يتم التيقن من صحة تلك التقديرات والتخمينات فان العراق اليوم يأتي في المرتبة الثانية بعد المملكة العربية السعودية من حيث الاحتياطي النفطي المؤكد والبالغ نحو 215 مليار برميل، في حين أن الاحتياطي غير المؤكد يصل إلى 350 مليار برميل وهو رقم مخيف يجعل من الاستراتيجيات والمصالح الدولية تتصادم هنا في هذه البقعة التي سجل لها التاريخ حضوراً فاعلاً في تكرار المآسي قبل اكتشاف النفط أوائل القرن الماضي·
ومع أن النفط رقم صعب في معادلة التوازن الدولي سواء على صعيد العراق أو فيه ومن ذلك القول أن الحرب الأخيرة التي أدت إلى إسقاط نظام صدام حسين إنما كانت حرباً بسبب النفط من جهة ومن اجله من جهة ثانية فان هناك مؤشرات لازمة خطيرة تلوح في الأفق تتصل بالنفط لكن بين العراقيين أنفسهم هذه المرة·
النفط·· والسلاح
أواخر السبعينات من القرن الماضي تبوأ صدام حسين الموقع الأول في الدولة في العراق، كان ذلك في شهر يوليو من عام ·1979 في هذا العام كان العراق قد بلغ الذروة من حيث الوفرة في العوائد النفطية والتي بلغت نحو 33 مليار دولار فائضة في الخزينة كان العراق قد ادخرها من عوائد النفط المتحققة بين الأعوام 1975 ـ 1979 بعد الطفرة النفطية التي أعقبت استخدام العرب النفط كسلاح في المعركة بعد حرب أكتوبر ·1973
وعندما جلس صدام حسين على الكرسي الأول وجد نفسه إزاء معادلة غريبة ·· ففي متناول يده ثروة بعشرات المليارات من الدولارات يستطيع وحده بسبب هرمية السلطة ومركزيتها في العراق التصرف بها دون أن يخضع لمساءلة من برلمان أو سواه، كما وجد أمام ناظريه وعلى مد البصر ثورة جديدة على حدوده الشرقية هي الثورة الإسلامية في إيران التي قادها الخميني الذي سبق له أن عاش في النجف نحو 14 عاماً قبل أن يطلب منه صدام بصيغة شبه آمرة الخروج من العراق عام ·1977
لم يقف صدام حسين مكتوف الأيدي إزاء معادلة من هذا النوع، ثروة طائلة في متناول اليد وعدو بدأ يقترب رويداً رويداً حاملاً شعاره الصريح (( تصدير الثورة ))· كان هذا الشعار وحده كفيل بإيجاد الأرضية المناسبة للتصادم الذي حصل في سبتمبر عام 1980 واستمر حتى أغسطس عام 1988 على هيئة حرب استنزفت الموارد والسلاح والبشر·
ولعل أهم ما خسره العراق خلال سنوات تلك الحرب الضروس هو ما حصل عام 1981 وبالذات في يونيو من ذلك العام حين استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحين بيغن انشغال العراق بالحرب مع إيران فدمر مفاعل تموز النووي الذي كان للدكتور حسين الشهرستاني الذي يشغل الآن منصب النائب الأول لرئيس الجمعية الوطنية العراقية وأحد أقطاب قائمة الائتلاف الشيعي و أحد المقربين من آية الله السيستاني الدور الأكبر في تصميم ذلك المفاعل قبل أن يختلف مع صدام حسين ويودعه السجن ثم يهرب من سجنه في قصة مثيرة ليتحول فيما بعد احد ابرز المعارضين للنظام السابق ··كان النفط إذن احد المتغيرات المهمة في حياة العراقيين لكنه للأسف متغير على نحو آخر ·· كان أشبه ما يكون دراما مأساوية كان لها أول ويبدو أن ليس لها آخر·
التراجيديا النفطية
إذا كانت هناك مآس وتراجيديات في حياة الأمم والشعوب فان النفط يشكل واحدة من أهم التراجيديات في الوجدان العراقي المعاصر ·· فمن جهة فان العراق بلد غني جداً بحيث أن النفط لا يشكل سوى مورد واحد من موارده الكثيرة والمتنوعة·
إلا أن سوء التقدير والتصرف والإدارة والقيادة جعلته يؤجل كل الموارد الأخرى ويعتمد على النفط فقط· غير أن المأساة لم تنته عند هذا الحد، فحتى هذا المصدر الوحيد لم يجر استغلاله بصورة صحيحة ·· فقبل إقدام نظام حزب البعث على تأميمه عام 1972 كانت حصة الأسد من إيراداته تذهب إلى الشركات النفطية بموجب مواثيق وامتيازات سابقة·
وحين أقدمت الحكومة العراقية على تأميمه فإنها فتحت باب جهنم على نفسها حين حولت مدخولات النفط إلى صفقات لشراء السلاح من مصادر مختلفة بحيث ما كان يرد إلى الخزينة العراقية من أموال هائلة كان يذهب ثانية وبشتى الطرق إلى الشركات المصنعة للسلاح وهي شركات متعدية الجنسية· وهذا يعني أن العوائد التي كانت تذهب إلى التنمية لم تكن بالمستوى المطلوب فجوة طبقية واجتماعية وسياسية تحولت فيما بعد إلى إشكالية عندما لم تتمكن الدولة في السنوات العشرين الأخيرة من توزيع عوائد الثروة توزيعاً عادلاً بسبب الحروب والحصار وسوء الإدارة والتصرف·
لكن الأمر لم يقف عند حدود هذه الفجوة فقط بل تعداها ليتحول إلى مأساة حين اقتنعت مدن وأقاليم بكاملها في العراق أن هناك استهدافاً مباشراً لها من قبل النظام وذلك بحرمانها من مصادر الثروة، فالنفط العراقي مثلاً مصدره الجنوب ـ البصرة ـ والشمال ـ كركوك ـ إلا أن واقع الحال يشير إلى أن المناطق الوسطى خصوصاً العاصمة بغداد التي ازدهرت عمرانياً وصحياً وثقافياً واجتماعياً إنما جاء ازدهارها على حساب المناطق الأخرى·
غير أن خصوم النظام يرون أن الأمر تعدى ذلك بكثير حيث يقولون إن هناك إهمالاً متعمداً للجنوب، ولعل أخطر ما في هذا الاتهام هو ليس بعده الواقعي فقط بل بعده الآخر وهو الأخطر ونقصد البعد الطائفي، حيث يرى هؤلاء الخصوم أن تلك الحرب كانت مقصودة من قبل صدام حسين كانت لاضطهاد الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال، فيما لم ينل السنة من ظلمه الشيء الكثير سواء بسبب كونهم يقطنون المناطق الغربية ومعظم المناطق الوسطى أو لكون أبنائهم من كبار المسؤولين في الدولة، ولا شك أن هذا التصور قد ضاعف من عمق المأساة التي بدأت تفصح عن نفسها الآن وبصوت واضح لا لبس فبه بعد أن ظلت في الماضي جزءًا من المسكوت عنه·
الفيدرالية ··وأخواتها
طوال السنتين الماضيتين منذ سقوط نظام صدام حسين يجري الحديث عن الفيدرالية وأنواع هذه الفيدرالية· وحين يجري الحديث عن الفيدرالية فإن المقاصد تذهب جميعاً إلى الأكراد الذين يشكلون القومية الثانية الرئيسية في العراق ويقطنون إقليماً واحداً متجانساً اسمه إقليم كردستان يضم ثلاث محافظات هي أربيل والسليمانية ودهوك فيما يطالبون بمحافظة رابعة هي كركوك التي كان اسمها زمن صدام حسين (( محافظة التأميم )) تيمناً بتأميم النفط حيث أن الحصة الأكبر من النفط العراقي المصدر هو من هذه المحافظة غير أنه سرعان ما دخل النفط على خط الحديث عن الفيدرالية وبصورة لم تكن متوقعة أو حتى محسوبة على هذا المستوى·
إن مطالبة الأكراد بفيدرالية عرقية وجغرافية تعني أن هناك حقوقاً ينبغي الاعتراف بها على صعيد التوزيع العادل للثروة، لذلك فإنهم يطالبون بنحو 17 % من ميزانية الدولة وقد أقر قانون إدارة الدولة المؤقت هذا الحق وهذه الميزانية، وإذا كانت هناك مطالب مشروعة للأكراد في هذا المضمار فإن النظر إلى الفيدرالية كحق للمناطق الأخرى في العراق يجري بشأنه خلاف واسع وكبير، فهناك من يرفض ذلك رفضاً مطلقاً، فيما يتنازل آخرون ليعترفوا بنوع من النظام اللامركزي باستثناء العاصمة بغداد، في حين تواترت في الآونة الأخيرة مطالب بشأن ما بات يسمى فيدرالية إقليم الجنوب إلى الحد الذي أطلق عليه البعض اسم إقليم سومر، وزادوا على ذلك بأن طالبوا أن تكون حصة من نفط الجنوب لأ بناء الجنوب لسببين رئيسيين أولاً: الحق التاريخي على اعتبار أن هذا النفط ثروة تنبع من أرض هذا الإقليم· وثانياً: الحرمان التاريخي على أساس أن هذا الإقليم لم يستفد من ثروته بل استفادت منها الأقاليم والمناطق الأخرى·
ليس هذا فقط فإن هناك من يطالب بأن يتم تشكيل الفيدراليات في العراق على أساس نفطي ·· ففيدرالية إقليم كردستان لديها نفط، وفيدرالية إقليم الجنوب لديها نفط أيضاً، وبالإمكان قيام أبناء المناطق الغربية وهم العرب السنة بإنشاء إقليم لهم مستفيدين من واقع مكتشفات نفطية جرى تأجيلها سابقاً لتظل احتياطياً مضموناً بالإضافة إلى الفوسفات الذي يملكون أيضاً·
الأيديولوجيا ··وبرميل التحف
وبصرف النظر عن النوايا التي تغلف هذه الأقوال والدعوات فإن المحصلة واحدة وهي خلق واقع جديد في العراق يجري فيه تقسيم العراق لليس على صعيد قومي أو عرقي أو مذهبي بل على أساس نفط · حيث إن مطالبة كل منطقة في العراق بأن يكون نفطها لها دون المناطق الأخرى يخلق مشكلة جديدة هي عبارة عن واقع حال من أخطر ما يكون حيث إن امتلاك كل طرف ثروة خاصة به وفوق ذلك ثروة نفطية فإن أحداً ليس بمقدوره السيطرة على العواطف والمشاعر والشحنات المختلفة فضلاً عن التدخل الأجنبي هنا أو هناك مما يجعل من عملية تقسيم البلاد مجرد مسألة وقت· ولا أحد يعرف حتى الآن هل ما يجري الآن هو عبارة عن مشاعر مؤقتة منفلتة من عقالها لفترة من الزمن ثم تعود إلى رشدها وتضع المصلحة العليا لبلاد واحدة اسمها العراق فوق كل اعتبار، أم هي حلقات في مسلسل طويل تتوزع فيه الأدوار والمسؤوليات والمهام ؟ بقي أن نشير إلى أن التحذير من عملية تقسيم العراق ليست جديدة، لكن الحديث كان يجري عن دويلات شيعية في الجنوب وسنية في الوسط وضمنه الغرب، وكردية في الشمال ·· لكن المفاجأة أن التوقعات كانت حين تريد التخفيف من وقع ذلك تذهب إلى النفط بوصفه مصدراً محايداً من مصادر الثروة بحيث يمكن أن يقوم بدور عامل التوحيد حين تضعف لأسباب مختلفة المقومات الأخرى غير أنه لم يدر بخلد أحد بأن ما كان يريده العراقيون أن يكون عوناً لهم في مآسيهم التاريخية الواحدة تلو الأخرى وإذا به يتحول إلى فرعون عليهم·
وببساطة شديدة فإن هذا النفط الذي أرادت له الجيولوجيا أن يوحد تربة العراق عبر الأزل هيأت له الأيديولوجيا أن يكون عامل تقسيم للشعب العراقي الذي يراد له أن يتحول إلى شعوب يتمنى كل واحد منها أن يكون البرميل الأخير من حصته حتى ولو نجح العالم في اكتشاف بدائل الطاقة، إذ بإمكان هذا البرميل الأخير أن ينضم إلى المتحف الوطني الذي لا يعرف أحد متى سيتعرض للنهب ثانية·