تشير دراسات إعلامية إلى أن التلفزيون أصبح هو المربي الرئيس لأطفالنا بعيداً عن الأسرة والمدرسة ودور العبادة بما يقدمه من برامج وأفلام، وكشفت البحوث العلمية عن أن مشاهدة التلفزيون هي ثاني أهم نشاطات الطفل بعد النوم، وحين يصل الطفل للمرحلة الثانوية يكون قد قضى 22 ألف ساعة من وقته أمام الشاشة مقابل 11 ألف ساعة في غرف الدراسة. وتشكل الرسوم المتحركة 88 في المئة مما يشاهده الأطفال، و65 في المئة من هذه المواد “مدبلج” ومستورد وخال من شخصية عربية كارتونية واحدة. وحذرت الدراسات من خطورة تأثير الرسوم المتحركة المستوردة على عقيدة أطفال المسلمين، لما تتضمنه من انحرافات في الأفكار، بحسب الدكتور محيي الدين عبدالحليم، أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر. ويقول الدكتور محيي الدين عبدالحليم إن الطفل في المجتمعات العربية يتعرض للعديد من وسائل الإعلام، ويأتي التلفزيون في مقدمتها لا سيما بعد القفزة الهائلة في تكنولوجيا الاتصال، وتعدد القنوات التي أخذت من الصبية والأطفال معظم أوقات فراغهم. ويوضح أن الأطفال يندفعون نحو التلفزيون لاعتماده على الصورة والصوت والحركة. ظواهر سلبية ويؤكد أن الرسوم المتحركة التي تقدمها برامج الأطفال هي المسؤولة عن إفراز العديد من الظواهر السلبية في المجتمع العربي مثل العنف والعدوان والتأخر الدراسي وانتشار الألفاظ السوقية في ظل تراجع مستوى التعليم بالمدارس وضعف الإنتاج العربي من رسوم الأطفال مما أتاح الفرصة أمام الكارتون المستورد لنقل قيم ومعارف وأفكار غريبة مع اعتماد الكارتون الأجنبي على شخصيات وهمية تقوم على القوة الجسدية والاحتياجات البيولوجية. ويؤكد أن أفلام الكارتون المستوردة التي تعرضها القنوات الفضائية ترسخ قيماً مغلفة بألوان ورسوم، وتؤثر على عقلية الطفل وتبث فيه العدوانية والخيانة والظلم والكذب والأنانية والتفكير الخرافي، حيث يوظف كثير من القائمين على إنتاج برامج الأطفال عناصر الصوت والصورة بشكل سلبي يرشح مناظر ومشاهد عدوانية باستخدام اللقطات المكبرة والزوايا الخاصة وحركات الكاميرا والمؤثرات السمعية والبصرية الأخرى، وأغلب مشاهد العنف المقدمة في هذه البرامج تستخدم وسائل غير مشروعة. تفتقر للتخطيط وقال إن برامج الأطفال في وسائل الإعلام العربية والإسلامية تفتقر إلى التخطيط العلمي والكوادر المبدعة مما أدى إلى الاعتماد على برامج الأطفال الأجنبية التي تحمل المفاهيم والمعاني السلبية مع غياب استراتيجية علمية سليمة لإعلام وإعلان الطفل، بل إن هذه الأجهزة كثيراً ما تتخبط في تناولها لهذا الموضوع دون أن تصل إلى رؤية واضحة. ويوضح أن الأمثلة التي يمكن أن نتحدث عنها كثيرة وأبرزها كرتون “ميكي ماوس” و”توم وجيري”، فهي تبين في الظاهر المواجهة بين الجسد الضخم والجسد الضعيف، ثم ينتصر صاحب الجسد الضعيف، والمعنى الكامن وراء هذا هو أن الغلبة تكون للدهاء والمكر والخداع والتآمر. وهذا يعني أن معظم البرامج التي يتم بثها للأطفال العرب المسلمين سواء المدبلجة أو المبثوثة بلغتها الأجنبية والتي تحاصر أطفالنا صباحاً ومساء تهدد ثقافتنا الأصيلة المتوارثة من أجيال بعيدة مما يوجب علينا أن نحترس وندقق فيما يبث للصغار من برامج. وشدد د. محيي الدين عبدالحليم على ضرورة إنتاج عمل إعلامي عربي عبر القنوات الفضائية لرصد وتحليل ما يقدم للطفل ويؤثر على عقليته، واعتماد منهج للتربية الإعلامية في رياض الأطفال ودور الحضانة والمدارس والنوادي يقوم على تزويد الأطفال بالقيم الأخلاقية التي يجب أن ترسخها برامج الأطفال في عقله، واستثمار الرسوم المتحركة كشكل فني محبب وليس فقط لمجرد الترفيه، بحيث تتحول الشخصية الكارتونية إلى صديق يثقف ويرشد ويوجه كما يرفه. ويقول إن الأمة مطالبة بإبداع وابتكار برامج خاصة لأطفالنا، ترسخ الهوية العربية الإسلامية، وتنمي حب الوطن، وتمحو أنماط التفكير الخرافي، وتواجه الأفكار الوافدة والقيم التي تتناقض مع ثقافة مجتمعاتنا. خطورة تهاون الأسر وتؤكد الدكتورة سوسن الغزالي، أستاذ الطب السلوكي بجامعة عين شمس، أن مرحلة الطفولة من أهم مراحل النمو وأكثرها أثراً على حياة الفرد، حيث يتم فيها بناء شخصية الطفل في الجوانب الجسمية والعقلية والاجتماعية والثقافية والروحية. وقالت إن قدرات ومواهب الإنسان تنمو وتتفتح خلال مرحلة الطفولة بسبب قابلية الطفل المرتفعة للتوجيه والتشكيل. كما توضع اللبنات الأولى لشخصيته وكل ما يكتسبه من قيم واتجاهات ومعارف. والأسرة عليها مسؤولية تربية الأطفال ورعايتهم وتهيئتهم للمستقبل. وأشارت إلى خطورة تهاون الأسر في التعامل مع الرسوم المتحركة المقدمة للأطفال باعتبارها تسلية غير مؤذية؛ لأن تأثيرها على الأطفال كبير، حيث يتلقون منها الكثير من التوجيهات والمفاهيم، الأمر الذي يجعلها بمثابة حملة إعلامية قوية تلقن أطفالنا أموراً مؤثرة في ثقافتهم وشخصيتهم وحذرت من جلوس الطفل أمام التلفزيون مدة طويلة؛ لأنه يؤدي إلى تبلده وإعاقة نموه المعرفي الطبيعي الذي يتطلب الحركة واستخدام الحواس كلها أو معظمها، وأن يختار ويبحث ويجرب ويتعلم والتلفزيون يقدم المعرفة بلا اختيار ولا حركة ويكتفي من حواس الطفل بالسمع والبصر، ولا يساعد على شحذ الحواس وترقيتها عند الطفل، فلا يعلمه كيف ينتقل من السماع المباشر للسماع الفعال ومن الكلمات والعبارات إلى الإيماءات والحركات والأحاسيس. قيم سلبية تغرسها أفلام الكرتون في نفوس الصغار يرى الدكتور محمود الضبع، أستاذ التربية والدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس، أن أفلام الكارتون المستوردة لها أبعاد تربوية تؤثر في حياة أطفالنا بصورة خطيرة؛ لأنها تقدم نسقاً ثقافياً متكاملاً وأغلبها يروج للأفكار والقيم السلبية التي تعلي مفاهيم الغاية تبرر الوسيلة والتقاليد والعادات الغربية الفاسدة لدرجة أن هذه الأفكار والمفاهيم تنافس البرامج الثقافية والدينية والسياسية في تكوين شخصية الأطفال والصبية وتخلق الازدواجية التي تصيب الطفل بالبلبلة والتشتت. وقال إن خطورتها التربوية والاجتماعية تتضح في قدرتها على تقليص درجة التفاعل بين أفراد الأسرة وإبعاد الأطفال عن المشاركة داخل الأسرة وتفضيلهم الانغماس في مشاهدة هذه الأفلام على حساب قيم التواصل والاندماج والتفاهم، الأمر الذي يؤثر سلباً بدرجة كبيرة على تماسك الأسرة العاطفي والوجداني. ويضيف أنه يجب على الآباء والأمهات بذل العناية والاهتمام في التعامل مع ما يشاهده أطفالهم خاصة الأفلام المتحركة والحرص على التأكد من ملاءمتها لهم. وقال: من المهم توجيه الأطفال لمشاهدة البرامج الهادفة وينبغي على الآباء والأمهات البحث عنها وتقديمها لأبنائهم، وتحديد الأوقات المناسبة لمشاهدتها مع إشرافهم المباشر، وشرح أفكارها بطريقة بسيطة تمكنهم من إدراك ما فيها، ويجب أن نحرص على توفير الفرص للأطفال للاستفادة من ألعاب الذكاء وقراءة القصص الشائقة المعبرة عن قيمنا، وإشغالهم بحفظ القرآن الكريم والتعرف إلى السنة النبوية، وتشجيعهم على ممارسة الهوايات النافعة مثل ممارسة الأنشطة الرياضية والكتابة والقراءة والقيام بالرحلات وتمضية الأوقات في التسلية المفيدة المفرحة مع ضرورة رصد الجوائز القيمة لتشجيعهم على تنمية قدراتهم ومواهبهم.