القاهرة- زين ابراهيم:
أثبت الطيار جمال قاسم -61 عاما- أن الحياة يمكن أن تبدأ بعد الستين، حيث ظل الفنان بداخله محبوسا طوال السنوات الأربعين الماضية ولم يخرج إلا هذا العام في معرض متميز بدار الأوبرا المصرية سماه 'عيون الطائر' وضم أكثر من أربعين لوحة فنية تدور في عالم المرأة والطفل والأجواء الشعبية المتميزة· وعبر الفنان جمال قاسم بتنوع شديد عن هذه العوالم وأخرجها بدقة ومهارة توحي بأن المارد الفني الذي كان موجودا بداخله انطلق ولن يعود إلى القمقم مرة أخرى· وحظيت أعمال المعرض بإقبال كبير من المهتمين بالفن التشكيلي ووجد الفنان جمال قاسم حفاوة بالغة لم يكن يتوقعها في معرضه الأول·
كيف جاء القرار بإقامة أول معارضك الفنية؟
كان قرارا صعبا، وكنت خائفا لأنها المرة الأولى التي أواجه فيها الجمهور ولم يكن هذا سهلا وكل ما فكرت فيه أنني أنجزت عدة أعمال شعرت أنها تمكنني من إقامة أول معرض خاص، وما شجعني على هذه الخطوة أنني أسعى لإخراج الفنان بداخلي بقوة بعد أن أرضيت نفسي كطيار يعشق مهنة الطيران، واشعر الآن بأنني مشغول بالفن أكثر من أي شيء آخر والأعمال المعروضة هي نتاج ثلاث سنوات، وتعبر عن مشاعري كفنان نحو العوالم الشعبية وحياة المرأة والأطفال·
فنان مع وقف التنفيذ
لماذا لم تحاول إخراج الفنان الموجود بداخلك طوال هذه السنوات؟
بسبب تعارض مجال الفن مع الطيران، فالفنان متحرر وخيالي ولا يعمل وفق نظام محدد بينما الطيار ملتزم بالنظام تماما ولا يستطيع الخروج عنه، وكانت مهنة الطيران تلتهم كل وقتي ولا تسمح لي بأي وقت فراغ للفن، وكنت أعلم وأنا أختار كلية الطيران أنني سأكون طيارا وفنانا مؤجلا ولو كنت اخترت الالتحاق بكلية الفنون الجميلة لكنت فنانا فقط دون ان اكون طيارا والمهنتان اعشقهما ولم أكن قادرا على التخلي عن احداهما ولو كان هناك توافق بين المهنتين لمارستهما معا دون مشكلة، وأستطيع القول أنني أركز الآن في الفن وتمكنت من الانتقال من الطيران إلى الفن وانتظر رد فعل الجمهور·
ولماذا أطلقت على المعرض اسم 'عيون الطائر'؟
اعتبرت نفسي الطائر الذي قضى كل حياته تقريبا في الحروب والطيران وحاولت أن اعكس وجهة نظري الخاصة في أعمال المعرض المتنوعة، وطبيعي انني في لحظة تغيير جلدي من طيار لفنان حاولت ان تكون رؤيتي ووجهة نظري مختلفة عن الآخرين في الشكل والمضمون·
كيف عبرت عن ذلك في معرضك الأول؟
عندما بدأت ارسم بشكل مكثف كنت أشعر بأنني أعاني كبتا فنيا عمره أكثر من 40 عاما، وعندما انفجر هذا الكبت كنت أريد التعبير عن كل شيء بداخلي مع أن المفروض أن كل فنان يقدم في معرضه موضوعا واحدا وأنا لم أفعل هذا بل قدمت أساليب مختلفة وقصدت التنوع الموجود في المعرض، والمتلقي هو الذي سيجعلني بحكمه على أعمالي أركز في طريق واحد، وفي كل اعمال المعرض ستجد تراثنا الشعبي والفلاحين والمهمشين فهذا التراث مخزون بداخلي، ووجوه الاطفال والنساء غالبة على أعمال المعرض لأنني أرى أن وجوههم تخفي أسرارا كثيرة يستطيع الفنان كشفها والتعبير عنها، وأنا مرتبط بالمرأة والأطفال في حياتي، وطبيعي ان تكون وجوههم غالبة على أعمال المعرض ففيهم الأم والابنة والحبيبة والزوجة وهي أدوار تؤثر في حياة كل فنان، وبالإضافة لهذه الأعمال هناك أعمال أخرى للبحر والمراكب والزهور وبعض اللوحات التي تمثل مشاهد بعينها كعازف الساكس وراكبي الطائرة والعزف على البيانو ومشاهد حياتية متعددة·
تجربة جديدة
ماذا عن تجربة الرسم على الخشب التي أفردت لها مساحة في معرضك؟
هذه التجربة تقدم لأول مرة في مصر وهي عبارة عن لوحات من خشب الموسكي والسويدي قادمة من أميركا حيث كانت في الأصل صناديق خشبية بداخلها قطع غيار للطائرات، وعندما تفحصت هذه الأخشاب وجدت فيها عشوائية محببة ففكرت أن أخرج منها شيئا جديدا فبدأت العمل عليها حيث اشتغلت فيها بالحذف والإضافة وتوزيع قشر الخشب 'النشارة' بطريقة معينة بحيث يخرج في النهاية الشكل المناسب للعشوائية الموجودة في خلفية اللوحة· وتمكنت من إعداد عشرات اللوحات لأشجار وطيور ووجوه بشر وهذه التجربة استغرقت مني وقتا طويلا لأنها تحتاج إلى عدة مراحل حتى يخرج الشكل النهائي وفي بعض الأحيان كنت أضيف إلى اللوحات ألوان باستيل أو أدهن اللوحات ببعض المواد المستخدمة في دهان الأثاث والموبيليا·
سكتشاتي داخل رأسي
هل تلجأ إلى استخدام الـ سكتشات أثناء رسمك للوحات؟
عندما بدأت أقرأ عن الاتجاهات الفنية بتعمق وجدت ان اغلب ما كتب ينصح برسم الاسكتش قبل رسم اللوحة ولكني ارسم اللوحة مباشرة، فأنا ارسم الاسكتش داخل رأسي وعندما يستقر الشكل ارسم اللوحة وافعل هذا في كل أعمالي سواء التصوير أو الرسم على الخشب وأنا مقتنع بهذه الطريقة لأنها تناسبني وتجعلني قادرا على توصيل أفكاري على اللوحة بشكل أفضل·
لماذا قصرت الرسم على خامتي الباستيل والألوان المائية فقط؟
أعتقد أن هاتين الخامتين من أصعب الخامات المستخدمة فضلا عن أنني لا أفضل خامة الزيت في أعمالي واعتقد أن بداخلي فنانا يعشق التحدي ويحاول إثبات ذاته في السوق التشكيلية وهاتان الخامتان تمكناني من إخراج كل ما لدي من طاقات وقدرات فنية مخزونة طوال السنوات الماضية بشكل متقن يصل إلى الناس في سهولة ويسر·
بمن تأثرت في أعمالك الفنية؟
اعشق المدرسة التأثيرية وروادها، كما تأثرت منذ صغري بالفنانين حسين بيكار وراغب عياد فقد تربى وجداني الفني على يد هذين الفنانين العظيمين، وأدين بالفضل للفنان الكبير يوسف رأفت الذي تتلمذت على يديه، وهو واحد من رواد التأثير في مصر وأطلع حاليا على التجارب الفنية المختلفة وازور كافة المعارض التشكيلية للاستفادة منها·