يشير إلى الأدام باللقمة حتى لا يفرط فيه
أخبار البخلاء
حدثني تمام بن أبي نعيم، قال: كان لنا جار وكان له عرس· فجعل طعامه كله فالوذقا·
فقيل له: إن المؤونة تعظم، قال: أحتمل ثقل الغرم بتعجيل الراحة، لعن الله النساء! ما أشك أن من أطاعهن شر منهن·وحديث سمعناه على وجه الدهر: زعموا أن رجلاً قد بلغ في البخل غايته، وصار إماماً، وأنه كان إذا صار في يده الدرهم، خاطبه وناجاه، وفداه واستنبطه·وكان مما يقول له: كم من أرض قد قطعت! وكم من كيس قد فارقت! وكم من خامل رفعت! ومن رفيع قد أخملت! لك عندي ألا تعرى ولا تضحي! ثم يلقيه في كيسه، ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذل ولا تزعج منه! وأنه لم يدخل فيه درهماً قط فأخرجه، وأن أهله ألحوا عليه في شهوة، وأكثروا عليه في إنفاق درهم، فدافعهم، ما أمكن ذلك· ثم حمل درهماً فقط· فبينا هو ذاهب إذ رأى حواء قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه· فقال في نفسه: أتلف شيئاً تبذل فيه النفس، بأكلة أو شربة؟ والله ما هذا إلا موعظة لي من الله! فرجع إلى أهله، ورد الدرهم إلى كيسه فكان أهله منه في بلاء· وكانوا يتمنون موته والخلاص بالموت أو الحياة· فلما مات وظنوا أنهم قد استراحوا منه، قدم ابنه فاستولى على ماله وداره· ثم قال: ما كان أدم أبى؟ فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام· قالوا: كان يأتدم بجبنة عنده· قال: أرونيها· فإذا فيها حز كالجدول، من أثر مسح اللقمة! قال: ما هذه الحفرة؟ قالوا: كان لا يقطع الجبن، وإنما كان يمسح على ظهره فيحفر، كما ترى! قال: فبهذا أهلكني، وبهذا أقعدني هذا المقعد! لو علمت ذلك ما صليت عليه! قالوا: فأنت كيف تريد أن تصنع؟ قال: أضعها من بعيد، فأشير إليها باللقمة! ولا يعجبني هذا الحرف الأخير؛ لأن الإفراط لا غاية له· وإنما نحكي ما كان في الناس، وما يجوز أن يكون فيهم، أو حجة أو طريقة· فأما مثل هذا الحرف فليس مما نذكره· وأما سائر حديث هذا الرجل فإنه من البابة·
اخبار الحمقى والمغفلين
ـ عن أبي عثمان المازني أنه قال: قدم أعرابي على بعض أقاربه بالبصرة، فدفعوا له ثوباً ليقطع منه قميصاً، فدفع الثوب إلى الخياط فقدر عليه ثم خرق منه، قال: لم خرقت ثوبي؟ قال: لا يجوز خياطته إلا بتخريقه، وكان مع الأعرابي هراوة من أرزن فشج بها الخياط، فرمى بالثوب وهرب، فتبعه الأعرابي وأنشد يقول: الكامل:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلـه
فيما مضى من سالف الأحقاب
من فعل علج جئته ليخيط لـي
ثوباً فخرقه كفعل مـصـاب
فعلوته بهراوةٍ كانت مـعـي
فسعى وأدبر هارباً للـبـاب
أيشق ثوبي ثم يقـعـد آمـنـاً
كلا ومنزل سورة الأحـزاب
ـ وروى أبو عمر الزاهد أن بعض الأعراب قال: اللهم أمتني ميتة أبي! قالوا: وكيف مات أبوك؟ قال: أكل بذجاً وشرب مشعلاً ونام في الشمس فلقي الله وهو شبعان ريان دفئان· البذج الحمل والمشعل الزق·
- عن أبي طاهر قال: دخل أبو صفوان الحمام وفيه رجل مع ابنه، فأراد أن يعرف خالد ما عنده من البيان، فقال: يا بني ابدأ بيداك ورجلاك، ثم التفت إلى خالد فقال: يا أبا صفوان هذا كلام قد ذهب أهله، فقال: هذا كلام لم يخلق الله له أهلاً قط·
- ولقي أحدهم رجلاً من أهل الأدب، وأراد أن يسأله عن أخيه، وخاف أن يلحن، فقال: أخاك أخوك أخيك ها هنا؟ فقال الرجل: لا، لي، لو، ما هو حضر· قال: حدثنا محمد بن خلف قال: قال بعض المجان: مررت ببعض دور الملوك، فإذا أنا بمعلم خلف ستر قائم على أربعة ينبح نبح الكلاب، فنظرت إليه فإذا صبي خرج من خلف الستر، فقبض عليه المعلم، فقلت للمعلم: عرفني خبرك، قال: نعم، هذا صبي يبغض التأديب ويفر، ويدخل إلى الداخل ولا يخرج، وإذا طلبته بكى، وله كلب يلعب به فأنبح له فيظن أني كلبه ويخرج إليه فآخذه·
من أخبار النساء
عاشق ظنوه مجنونا
ذكروا، أنّه لما قتل الحجّاج عبد الرّحمن بن الأشعث، وأسر من معه، أمر بضرب رقابهم· فقال رجلٌ منهم: أيّها الأمير إنّي أتيت إليك بشيءٍ· قال: وما هو؟ قال: إنّي كنت جالساً يوماً عند عبد الرّحمن فأخذ في عرضك، فناضلته عنك· قال: ومن يشهد لك بذلك؟ فقام رجلٌ من الجّماعة يشهد له بما قال فقال: اتركوه· ثمّ قال للرّجل: أفلا كنت مثله؟ قال له: بغضي فيك لم يدعني أتكلّم فيك بمثل ذلك· فقال: واتركوا هذا لصدقه· ثمّ قام رجلٌ آخر فقال: أيّها الأمير لئن كنّا أسأنا في الخطأ لما أحسنت في العفو· فقال الحجّاج: أفٍّ لهذه الجّيف، أما والله لو كان فيكم من يتكلّم والله ما قتل منكم أحد·
قال بعضهم: مررت بفورك المجنون وقد أتاه أهله بطبيبٍ، يقال له عبد العزيز، ليعالجه· فسلمت وقلت: ما خبرك يا أبا محمّد؟ فقال: خبري والله مع هؤلاء المجانين ظريفٌ· أنا عاشقٌ وهم يظنّون بي جنّة وقد أتوني بهذا الطّبيب ليعالجني· ثمّ أنشأ يقول:
أتوني بالطّبيب فعالجــــــــــــــــونـي
على أن قــــــــــــــــــــــــــيل مجنونٌ غريب
طبيب الأجر فيه عســـــــــــــــــــــــــــــاه
يومــــــــــــــاً من الأيّام يعقـل أو يتـوب
وما صدقوا الفتى محوي
قلبي أجلّ من أن يعالجه الطّبـيب
وما بي جــــــــــــــــنّةٌ لكـنّ قـلـبـي به
داءٌ تموت به القـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلـوب
وما عبد العـــــــــــــــــــــــــــــزيز طبيب
قلبـي ولكنّ الطبيب هو الحـبـيب
- ودخل مهدي على بعض ولاة اليمامة، فسأله الوالي عن مجلسه مع ظبية، واستنشده ما قال فيها من الشّعر· وكان ابن ظبية حاضراً، فأنشده مهديّ بيتين يصفها فيهما بالعفاف· فقام ابنها فنزع عن نفسه جبّة خزٍّ ووشاحاً ألقاهما على مهدي لمّا وصف أمّه بالعفاف·
قال الزّبير بن بكار: كان عبد الرّحمن بن أبي عمّار من عبّاد أهل مكّة، فسمي القسّ من عبادته· فمرّ ذات يومٍ بدار سهل بن عبد الرّحمن بن عوف مولى سلامة الزّرقاء، وهي تغنّي، فسمع غناءها، فبلغ منه كلّ مبلغ، فرآه مولاها وتبيّن ما لحقه، فقال له: هل لك أن تدخل إليها وتسمع منها؟ فامتنع وأبى، فقال له: أنا أقعدك في موضعٍ تسمع من غنائها ولا تراها ولا تراك· ولم يزل به حتّى دخل وسمع غناءها، فأعجبه، فقال له: هل لك أن أخرجها لك؟ فامتنع بعض الامتناع، ثمّ أجابه· فأخرجها إليه، وأقعدها بين يديه، وغنّته، فشغف بها، وشغفت به· وكان أديباً ظريفاً· واشتهر أمره معها بمكّة حتّى سمّوها سلامة القسّ·
وخلا معها يوماً، فقالت له: أنا، والله، أحبّك فقال له: أنا، والله، كذلك· قالت له: أحبّ أن أضع فمك على فمي· قال: وأنا، والله· قالت: فما يمنعك من ذلك، فوالله إنّ الموضع لخالٍ؟ فقال لها: ويحك، إنّي سمعت الله عزّ وجل يقول في كتابه: 'الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلاّ المتّقين'· وأنا أكره أن تكون خلّة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة· ثمّ نهض وعيناه تذرفان من حبّها وعاد إلى الطّريقة التي كان عليها من النّسك والعبادة· وكان يمرّ في بعض الأيّام ببابها فيرسل إليها بالسّلام فيقال له: ادخل فيأبى· وقال فيها أشعاراً كثيرةً، وغنّته بها· فمنها:
إنّ التي طرقتك بـين ركـائب
تمشي بمزهرها وأنت حـرام
باتت تعلّلنا، وتحسـب أنّـنـا،
في ذاك أيقاظ ونـحـن نـيام
حتّى إذا سطع الصّبح لنـاظـرٍ
فإذا الذي ما بـينـنـا أحـلام
قد كنت أعذل في السّفاهة أهلها
فاعجب بما تـأتـي بـه الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلـم أنّـمـا
طرق الضّلالة والهدى أقسـام
وفيها قوله:
على سلاّمة القلب الســـــــــــــــــّلام
تحـــــــــــــــــــــــــية من زيارته لـمـام
أحبّ لقاءها، وألــــــــــــــــوم نفسي،
كأنّ لقـــــــــــــــــــــــــاءها شيءٌ حـرام
إذا ما حنّ مزهــــــــــــــــــــــرها إليها
وحنّت نحــــــــــــــــــــوه، أذن الكرام
فمدّوا نحـــــــــــــــــــــــــــــــوها الأعناق
حتّى كأنّهم وما نـامـوا نـيام
- وله فيها أشعار كثيرة تركت ذكرها هاهنا لأنّها مستقصاةٌ من أخبارها في كتاب طبقات المغنّين·
أخبار الطعام والطاعمين
المستأثر: هو رب المنزل يدعو رجلاً، فيؤاكله، ثم يغلب عليه النهم، فيستأثر بأطايب اللحم لطعام دونه، وإن اتفق أن الطعام لا يكفيهما جميعاً، كان شبعه أهم عنده من إشباع ضيفه؛ وأحسن ما قبل في إيثار المؤاكل قول حاتم·
وَإِنّي لِأَستَحيِيَ رَفـيقِـيَ أَن يَرى مَكانَ يَدَيَ مِن مَوضِعِ الزَادِ بَلقَعا
وَأَنتَ إِذا أَعطَيتَ بَطنَكَ سُـؤلَـهُ وَفَرجَكَ نالا مُنتهى الذَمِّ أَجمَعـا
وقال المبرد: كان متمم بن نويرة يؤخر العشاء إلى الليل انتظاراً للضيف أو طارق يؤاكله· ولقيس بن عاصم المنقري يخاطب زوجته بقوله:
بُنَّيةَ عَبدِ الـلَـهِ وَاِبـنَةَ مـالِـكٍ وَيا بِنَةَ ذي البُردينِ وَالفُرسِ الوَردِ
إِذا ما صَنَعتِ الزادَ فَاِتَّخِـذي لَـهُ أَكيلاً فَإِنّي لَستُ آكِـلُـهُ وَحـدي
أَما طارِقٌ أَو جارُ بَيتٍ فَـإِنَّـنـي أَخافُ مَذَمّاتِ الأَحاديثِ مِن بَعدي
فأجابته:
أَبى المَرءُ قَيسٌ أَن يَذوقَ طَعامَـهُ بِغَـيرِ أَكـيلٍ إِنَّـهُ لَـكَـــريمُ
فَبورِكتَ حَيّاً يا بنَ عاصِمٍ ذي النَدى وَبورِكتَ مَيتاً قَد حَوَتـكَ رُجـومُ
ولآخر:
أُضاحِكُ ضَيفِيَ قَبلَ إِنزالِ رَحلِهِ وَيُخصِبُ عِندي وَالمُحِلُّ جَديبُ
وَما الخِصبُ لِلأَضيافِ أَن يُكثِر القِرى وَلَكِنَّما وَجـهُ الـكَـريمِ خَـصـيبُ
- حكى أبو العيناء، قال: استضفت بعض العرب، وكانت سنة مجدبة، فاعتذرت إليه، وذكرت غلاء الأسعار، وأكثرت من ذلك، فرفع يده، وقال: ليس من المروءة أن يذكر غلاء الأسعار للأضياف عند حضور الطعام، فاعتذرت إليه، وناشدته الله أن يأكل، فلم يفعل، ورحل من الغد·
المصدر: 0