عودة الهيبة للشيك في مصر وإعادة الاعتبار للكمبيالة
القاهرة - مصطفى إمام:
في خطوة لإعادة الانضباط للتعاملات المصرفية، بدأت البنوك المصرية في نهاية الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري تطبيق أحكام الشيك المصرفي الواردة في قانون التجارة بعد تأجيل أستمر ست سنوات منذ اصداره لتنهي هذه الخطوة جدلا حول تأجيل العمل بالأحكام الواردة في قانون التجارة وقيام اتحاد الغرف التجارية والتجار بالضغط على الحكومة لتأجيل عملية التطبيق، بسبب الركود في السوق، وتجنبا للتداعيات المحتملة مثل زيادة حالات الافلاس·
وقد أعتاد التجار الذين يبلغ عددهم 3 ملايين استخدام الشيك للائتمان، وعمليات السداد الاجل في البيع والشراء، والبيع بالتقسيط للمستهلكين حتى ان بعض التقديرات تذهب الى أن هذه الممارسات الخاطئة للشيك تغطي حوالي 70 في المئة من حجم التعاملات، بجانب الاستخدام الشخصي للأفراد في تعاملاتهم، وقد أدى ذلك الى انتشار ما يطلق عليه 'الشيك الخطي' المطبوع خارج الجهاز المصرفي، ويباع في المكتبات ويستخدم في الدفع الأجل، الأمر الذي ادى الى تفاقم اعداد قضايا الشيكات بدون رصيد أمام المحاكم، والاستمرار في الاساءة الى سمعة الشيك واهدار هيبته كاداة للدفع الفوري مثل النقود تماما·
الدفع النقدي
وحسب احصائيات رصدتها مؤسسة 'جلوبال' العالمية، فإن 90 في المئة من معاملات الدفع بين المصريين تتم بصورة نقدية و7,5 في المئة عن طريق الشيكات و2,5 في المئة من طريق بطاقات الدفع الالكترونية مثل 'فيزا وماستر كارد' كما تشير الأرقام الى ان 97 في المئة من العاملين بالدولة والشركات الكبيرة والصغيرة يحصلون على مرتباتهم نقدا ويفضلون التعامل بالنقود لدفع قيمة كل ما يحصلون عليه من سلع وخدمات، على عكس ما يحدث في بعض الدول، حيث يتم التعامل بما يطلق عليه 'النقود البلاستيكية' أو وسائل الدفع الالكترونية، وإن كانت وزارة المالية المصرية قد شرعت في تطبيق عملية دفع مرتبات موظفيها عن طريق أحد البنوك العامة، إلا أن التطبيق الفعلي لم يتم حتى الآن·
وتحتل مصر -حسب احصائيات مؤسسة جلوبال- المركز الاخير بين الخمسين دولة التي أجرت عليها المؤسسة الدراسة، في استخدام وسائل الدفع الالكترونية·
وترجع هذه النتيجة الى قلة بطاقات الدفع المستعملة في السوق المصرية حيث يبلغ عددها حوالي مليون بطاقة، أي أقل من 2 في المئة من اجمالي عدد السكان، في حين مازال 98 في المئة من المصريين يفضلون إدارة أموالهم خارج الجهاز المصرفي، ويرجع مصرفيون ذلك الى قلة عدد الذين يملكون أرصدة بالبنوك، وضعف التكنولوجيا، خاصة وأن مجتمع البطاقات الالكترونية يعتمد على البنية الأساسية لهذه التكنولوجيا من خطوط التليفونات الأرضية والمحمولة وخدمة الانترنت، وكانت البنوك المصرية حتى وقت قريب تعتمد على العمل اليدوي، كما أن معظم المصريين يتعاملون مع البنك باعتباره مكانا لتخزين أو ادخار النقود، وليس مكانا لإنهاء المعاملات اليومية، والدليل على ذلك زيادة أعداد المدخرين الذين لديهم حسابات توفير في صناديق البريد المصرية·
ومشكلة الاستخدام الخاطئ للشيك المصرفي مرتبطة بمجتمع التجار الذين مارسوا طوال السنوات الماضية ضغوطا على الحكومة لتأجيل العمل بأحكام قانون الشيك رغم اهميتها في اعادة الانضباط·
وقد استقبل التجار وبعض البنوك إعلان البنك المركزي المصري تطبيق أحكام الشيك، بالنقد والهجوم بزعم أن السوق والبنوك لم تستعد، ومعظم البنوك لم تعد القواعد التي ستسير عليها في تطبيق الأحكام الجديدة وقد حدد البنك المركزي القواعد والاجراءات الخاصة بالصرف بموجب الشيكات، والتي يلزم اتباعها اعتبارا من بداية اكتوبر الجاري·
وأكد البنك المركزي المصري ضرورة أن يكون الشيك محررا على نماذج البنك المسحوب عليه، ولا يقبل الشيك الخطي، 'الذي تطبعه المكتبات'، أو الذي تطبعه الشركات باسمها، والشيك الصادر على نماذج البنك، والمستخرج من دفتر شيكات صادر من هذا البنك اذا كان غير مستوف للبيانات، وتستثنى من ذلك الشيكات الخطية والبنكية غير المستوفاة للبيانات طالما كانت ثابته التاريخ حتى 30 سبتمبر ·2006
كما ألزم المركزي البنوك بالتأكد من احتواء الشيك على مجموعة من البيانات الالزامية أهمها: أن تكون كلمة شيك مكتوبة على وجه الشيك وباللغة التي كتب بها، وأن يكون أمر الدفع بوفاء مبلغ معين من النقود مكتوبا بالحروف والأرقام، وغير معلق على شرط، واذا اختلف مبلغ الشيك المكتوب بالحروف عن الأرقام فالعبرة عند الاختلاف تكون بالمبلغ المكتوب بالحروف·
اما اذا كان مبلغ الشيك مكتوبا بالارقام دون الحروف أو العكس، فان الشيك يكون فاقدا لبيان من البيانات الواجب توفرها بما يجعله مرفوضا·
وأوضحت الضوابط انه لا يجوز اضافة شرط العائد بصلب الشيك، ويعتبر شرط العائد في الشيك كأن لم يكن·
كما أوضح البنك المركزي التعريف المحدد للشيك بأنه: ورقة تجاربة تصدر في صورة صك محرر على نماذج البنك المسحوب عليه، ويتضمن امرا غير معلق على شرط من الساحب الى المسحوب عليه بوفاء مبلغ معين من النقود للمستفيد، أما بمجرد الاطلاع كأصل عام وفقا لأحكام معينة وردت في قانون التجارة أو في تاريخ الاستحقاق على سبيل الاستثناء اذا كان الشيك حكوميا أو مسطرا·
التطبيق المفاجئ
وقد حرص البنك المركزي المصري على إرسال خطابات بهذه الضوابط الى البنوك العاملة في مصر مشيرا فيها الى بدء العمل بالاحكام الخاصة بالشيك وفقا لما ورد في قانون التجارة، لكن التطبيق المفاجئ تسبب في حالة من الارتباك في الأيام الأولى من التطبيق العملي في التعاملات البنكية للتجار، وحسب تقديرات التجار فان حوالي 70 في المئة من حجم التعاملات بالسوق وحدها، تتم باستخدام الشيكات كأداة للائتمان وليس للوفاء الفوري للقيمة المدفوعة، ولم تتوفر للسوق الوسائل البديلة التي يمكن التوسع في استخدامها في عمليات البيع الأجل وضمان حقوق التجار، مما أدى إلى تحول البنوك الى ساحة لاثبات الحقوق في أغلب الأحيان فور سريان القانون واداة لنيل التجار من بعضهم البعض حسب وصف أحد المصرفيين، والذي توقع اذا استمر هذا النهج في التعاملات التجارية ان تتزايد حالات الإفلاس·
وحاولت السلطات النقدية والحكومة المصرية ان تحد من هذه المخاوف وتدعم احد الوسائل البديلة التي يمكن استخدامها على نطاق واسع في عمليات البيع الآجلة وهي الكمبيالة والاوراق المالية الاخرى البديلة للشيك حيث تقرر الغاء ضريبة الدمغة النسبية على الكمبيالة والتي كانت تحتسب بنسبة 6 في الالف وتم استبدال ضريبة الدمغة بضريبة نوعية بواقع 3 جنيهات على كل كمبيالة مهما بلغت قيمتها·
ويرى مصرفيون ان هذا الاجراء يستهدف تدعيم الكمبيالة وعودتها كورقة تجارية يمكن التعامل بها على نطاق كبير·
وأرجع مصرفيون حالة الارتباك في الاوساط المصرفية الى عدم اتخاذ البنوك اجراءات الحيطة من احتمالات التطبيق الفوري للقانون التجاري والاصطدام بمشاكل التطبيق كما ان بعضها لم يعد الدراسات الخاصة بالتداعيات المحتملة لتطبيق احكام القانون ولم يوفر التدريب الكافي للكوادر رغم اخطارها منذ اكثر من عامين بميعاد تطبيق القانون·
ويرى مصرفيون ان الحكومة والبنك المركزي استندا في تطبيق احكام الشيك الى انتفاء الاسباب الخاصة بالشيكات المؤجلة والمكتبية حيث ان الشيك المسطر تحول الى شيك مؤجل على عكس ما هو متعارف عليه في انحاء العالم لان الغرض من التسطير هو الاحتياط من الضياع او السرقة في اغلب الاحيان وهو ما يفسر التدافع من جانب عشرات التجار على البنوك لتقديم الشيكات التي في حوزتهم وتستحق الدفع من اول اكتوبر الجاري وهو الموعد الذي بدأت فيه السلطات المصرفية الرسمية تطبيق القانون وقد شهدت البنوك حالات عديدة لا تنطبق عليها احكام القانون الجديد وبعضها كانت البنوك تتعامل معها باعتبارها واقعا الا انها اصبحت غير مقبولة مع تطبيق الاحكام الجديدة للشيك المصرفي حيث قدم بعض العملاء شيكات مكتبية بعضها ثابت التاريخ والآخر غير ثابت وصرفت البنوك الشيكات الثابتة التاريخ فقط ورفضت الاخرى كما ان بعض الشيكات التي تم تقديمها لم يكن يقابلها كامل القيمة وطرحت امكانية الوفاء الجزئي لقيمة الشيك وقد أعدت البنوك نماذج للتغلب على هذه المشكلة بحيث لو قبل المستفيد الحصول على القيمة الموجودة في الرصيد فانه يوقع على هذا النموذج ويحصل البنك على اصل الشيك كمستند للصرف ويأخذ العميل شهادة من البنك اذا أراد الرجوع قانونا على مصدر الشيك بالقيمة المتبقية اما اذا ما قام العميل بتقديم هذه الشيكات عن طريق غرفة المقاصة فيكون من الصعب اللجوء الى هذا الحل او الصرف الجزئي لقيمة الشيك حيث يتطلب الصرف وجود حامله·
وسمحت البنوك لبعض الشركات الكبرى بطبع دفاتر شيكات في مطابعها الخاصة مع كتابة بياناتها بالكمبيوتر ووضع اسم البنك عليها وقد كان معمولا بذلك منذ زمن الا انه حاليا لم يعد يتوافق مع احكام الشيك الجديدة وتسعى هذه البنوك لايجاد مخرج من هذه المشاكل مما دفع بعض المصرفيين لمطالبة البنك المركزي او الحكومة باعطاء مهلة اخرى للبنوك وللمجتمع التجاري لا تقل عن ثلاثة شهور لتجاوز هذه المشاكل التي اسفر عنها التطبيق العملي في الايام الاولى مع استغلال هذه الفترة لتوعية الجمهور بالاحكام الجديدة وخاصة فيما يتعلق بالشيكات الآجلة والمسطرة لان بعض العملاء مازالوا يقدمون الشيكات الخطية حتى الان وهو ما يعني انهم غير مستعدين لتطبيق الاحكام الجديدة للشيك المصرفي·
الخوف من التداعيات
ورغم تأييد الاقتصاديين والمصرفيين للاحكام الجديدة للشيك واعادة الهيبة له كاداة فورية للدفع مثل النقود تماما فانهم لا يستبعدون حدوث تأثيرات سلبية على السوق خاصة بالنسبة لتجارة التقسيط فلا يمكن مطالبة الراغب في شراء سلعة وفقا لنظام التقسيط ان يفتح حسابا بأحد البنوك اولا حتى يحصل على دفتر شيكات، ومع ذلك فمن المتوقع أن يلجأ السوق الى التوسع في استخدام الكمبيالة او السندات الا ان هذه الادوات تفتقد الشق الجنائي وهو ما يتسبب من اهدار الكثير من الوقت في عمليات الفحص الدقيق واتباع نظام الضامن للمشتري في حالة استخدام الشيك المسطر باعتباره شيكا مؤجلا فان القانون الجديد لا يعاقب عليه حيث ان العقوبة الواردة في القانون والخاصة باصدار شيك بدون رصيد وهي الحبس وغرامة 50 الف جنيه لا تنطبق الا على الشيك المصرفي الجديد المستوفي للشروط وهو ما اظهر احدى المشاكل التي تواجه هذا القانون وهي عدم الاتساق في النصوص حيث انه وفقا لقانون التجارة القديم فان الشيك يعتبر الورقة التجارية الاولى الواجبة الدفع لدى الاطلاع والتي تتداول بالطرق التجارية مثل التظهير او التسليم او المداولة وبقي الشيك كذلك حتى صدور قانون التجارة الجديد وسحب معظم احكام الشيك على انواع اخرى من الصكوك التجارية التي تغطي جوانب مختلفة من المعاملات التجارية الا انه وضع احكاما مختلفة في المادة 65 حيث ان الشيك لا يجوز سحبه الا على بنك ويحميه جزاء قضائي·
واوضحت التفسيرات التي اعدتها الادارات القانونية في بعض البنوك المصرية انه اذا ضاع شيك لحامله جاز لمالكه ان يعترض لدى المسحوب عليه على ان يشتمل الاعتراض على رقم الشيك ومبلغه واسم صاحبه وكل بيان يساعد على التعرف عليه واذا تلقى المسحوب عليه هذا الاعتراض وجب عليه الامتناع عن الوفاء بقيمة الشيك حتى يفصل في امره ويقوم المعترض في هذه الحالة بنشر رقم الشيك المفقود او الهالك وعنوانه في احدى الصحف اليومية كما حددت هذه الايضاحات تفاصيل الاجراءات الخاصة بالاعتراض وفقا لما ورد في القــــانون وكذلك الاجراءات التي يمكن اتخاذها في حالة الرجوع على الساحب والمظهرين وغيرهم من الملتزمين به والاجراءات الخاصة بالشيك المزور·
ومن الجوانب المهمة التي حرصت البنوك على توضيحها انه اذا قدمت عدة شيكات في وقت واحد وكان المقابل الوفاء غير كاف لوفائها وجب مراعاة ترتيب تواريخ اصدارها واذا كانت هذه الشيكات مفصولة من دفتر شيكات واحد وتحمل تاريخ اصدار واحدا اعتبر الشيك الاسبق رقما صادرا قبل غيره واذا كانت الشيكات مفصولة من دفاتر مختلفة وجب الوفاء أولا بالشيك الاقل مبلغا واذا اشترط الوفاء بمبلغ الشيك بنقد اجنبي معين وجب الوفاء بهذا النقد واذا لم يكن لدى المسحوب عليه مقابل للوفاء بهذا النقد جاز الوفاء بالعملة المصرية وفقا لسعر الصرف المعلن لدى المسحوب عليه وقت تقديم الشيك ما لم يرفض حامل الشيك هذا الوفاء بالعملة المصرية والشيك المسحوب في مصر والمستحق الوفاء فيها يجب تقديمه للوفاء خلال ثلاثة شهور والشيك المسحوب في اي بلد آخر والمستحق الوفاء في مصر يجب تقديمه للوفاء خلال اربعة اشهر ويعتبر تقديم الشيك لاحدى غرف المقاصة المعترف بها قانونا في حكم تقديمه للوفاء به ولا يؤثر في تنفيذ احكام الشيك وفاة الساحب او فقدانه الاهلية او افلاسه بعد اصدار الشيك·
وهذه الاجراءات سوف تعيد الهيبة والاحترام للشيك ومن المتوقع ان تحد من عدد القضايا الكبير امام المحاكم المصرية ومن هنا فان مطالب البعض باعطاء مهلة اخرى طويلة لتأجيل تطبيق احكام الشيك ستزيد تفاقم هذه الاوضاع امام المحاكم وان كانت هناك حاجة ملحة للاسراع بانشاء محاكم اقتصادية متخصصة للنظر في النزاعات التجارية وتيسير اجراءات الفصل فيها للمساعدة في حصول اصحاب الحقوق على حقوقهم في اقرب وقت مما يدعم جذب الاستثمارات لمصر·
المصدر: 0