إن يكن الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة واحذر النعمة كحذرك من المعصية
إعداد ـ حميد قاسم:
حفلت كتب اسلافنا الأوائل بصنوف عديدة من التأليف، تشير الى اهتمام العرب وعنايتهم بالكتابة والتأليف في صنوف العلم والأدب والأخبار والبحث والمعرفة، مما لايمكن الاستغناء عنه، ويحتم العودة اليه بين حين وآخر، لنستزيد من فاكهة القول ونستمتع بهذه القطوف الدانية من قطوف التراث وطرائف القول، التي تنم عن معرفة موسوعية امتاز بها السلف الصالح، فهذا الجاحظ يكتب في الشعر والأدب والاجتماع والحيوان، والأصمعي يجوب الصحارى ليدون الطرائف والشوارد في كلام العرب ونوادرهم، ومثلهما ابن الجوزي وابوحيان التوحيدي وسواهم الكثير، هنا نقدم لكم هذه القطوف ونحن نجول في اروقة التراث:
اخبار البخلاء
حدثني جعفر ابن أخت واصل، قال: قلت لأبي عيينة: قد أحسن الذي سأل امرأته عن اللحم، فقالت: أكله السنور· فوزن السنور، ثم قال: هذا اللحم، فأين السنور؟ قال: كأنك تعرض بي! قال: قلت: إنك والله أهل ذلك: شيخ قد قارب المائة، وعليه فاضلة، وعياله قليل، ويعطي الأموال على مذاكرة العلم، والعلم لذته وصناعته· ثم يرقى إلى جوف منزله! وأنت رجل لك في البستان، ورجل في أصحاب الفسيل، ورجل في السوق، ورجل في الكلاء: تطلب من هذا وقر جص، ومن هذا وقر آجر، ومن هذا قطعة ساج· ومن هذا هكذا! ما هذا الحرص؟ وما هذا الكد؟ وما هذا الشغل؟ لو كنت شاباً بعيد الأمل، كيف كنت تكون؟ ولو كنت مديناً كثير العيال، كيف كنت تكون؟ وقد رأيتك فيما حدث تلبس الأطمار، وتمشي حافياً نصف النهار قال: ثم أجمجم·
بلغني أنك فقدت قطعة بطيخ، فألححت في المسألة عنها، فقيل لك: أكلها السنور· فرميت بباقي القطعة قدام السنور، لتمتحن صدقهم من كذبهم! فلما لم يأكله غرمتهم ثمن البطيخة كما هي! قالوا لك: كان الليل· فإن لم تكن التي أكلته من سنانير الجيران، وكان الذي أكله سنورنا هذا، فإنك رميت إليه بالقطعة وهو شبعان منه· فأنظرنا ولا تغرمنا، نمتحنه في حال غير هذه· فأبيت إلا إغرامهم! قال: ويلك! إني والله ما أصل إلى منعهم من الفساد، إلا ببعض· وقد قال زياد في خطبته: إني والله ما أصل منكم إلى أخذ الحق، حتى أخوض الباطل إليكم خوضاً· وأما ما لمتني عليه اتفاقاً، فإنما ذهبت إلى قوله: لو أن في يدي فسيلة، ثم قيل لي: إن القيامة تقوم الساعة، لبادرتها فغرستها·
قال مكرز: العجز فراش وطئ، لا يستوطئه إلا الفشل الدثور· وقال عبد الله بن وهب: حب الهويني يكسب النصب· وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم والراحة، فإنها غفلة· وقال: لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما أركب· وقال: تمعددوا واخشوشنوا، واقطعوا الركب، واركبوا الخيل نزوا· وقال لعمرو بن معد يكرب حين شكا إليه الحقاء: كذبت عليك الظهائر· وقال: احتفوا، فإنكم لا تدرون متى تكون الحفلة· وقال: إن يكن الشغل مجهدة، فإن الفراغ مفسدة· وقال لسعيد بن حاتم: احذر النعمة كحذرك من المعصية، ولهي أخوفهما عليك عندي· وقال: أحذركم عاقبة الفراغ، فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل· وقال أكثم بن صيفي: ما أحب أني مكفي كل أمر الدنيا· قالوا: وإن أسمنت وألبنت؟ قال: نعم، أكره عادة العجز·
أفتراني أدع وصايا الأنبياء، وقول الخلفاء، وتأديب العرب، وآخذ بقولك؟
وتغدى محمد بن الأشعث عند يحيى بن خالد· فتذاكروا الزيت وفضل ما بينه وبين السمن، وفضل ما بين الأنفاق وزيت الماء· فقال محمد: عندي زيت لم ير الناس مثله· قال يحيى: لا تؤتي منه بشيء؟ فدعا يحيى غلامه· فقال: إذا دخلت الخزانة فانظر الجرة الرابعة عن يمينك إذا دخلت، فجئنا منه بشيء· قال يحيى: ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه·
وقرب خباز أسد بن عبد الله إليه، وهو على خراسان، شواء قد أنضجه نضجاً، وكان يعجبه ما رطب من الشواء· فقال لخبازه: أتظن أن صنيعك يخفى علي؟ إنك لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه، ولكن تستحلب جميع دسمه، فتنتفع بذلك منه! فبلغت أخاه، فقال: رب جهل خير من علم!
من اخبار النساء لم يلتفت إليهنّ
استعدى آل بثينة مروان بن الحكم على جميل بن معمر، فهرب حتّى أتى رجلاً شريفاً من بني عذرة في أقصى بلادهم وله بناتٌ سبعٌ كأنّهنّ البدور جمالاً· فقال الشّيخ لبناته: تحلّين بأجود حليّكنّ، والبسن فاخر ثيابكنّ، ثمّ تعرضن لجميلٍ· فمن اختار منكنّ زوّجته إيّاها· ففعلن ذلك مراراً وجعلن يعارضنه: فلم يلتفت إليهنّ· فقال أبوهنّ: دعن هذا، فوالله لا أفلح أبداً·
رأي أعرابيٍّ في النّساء
سئل أعرابيٌّ عن النّساء، وكان ذا همٍّ بهنّ، فقال: أفضل النّساء أطولهنّ إذا قامت، وأعظمهنّ إذا قعدت، وأصدقهنّ إذا قالت، التي إذا ضحكت تبسّمت، وإذا جوّدت؛ التي تطيع زوجها، وتلزم بيتها؛ العزيزة في قومها، الذّليلة في نفسها، الولود، التي كلّ أمرها محمود·
الذّنب يساوي الطّلاق
طلّق رجلٌ امرأته، فقالت له: أبعد صحبةً خمسين سنةً قال: ما لك عندنا ذنبٌ غيره؟·
قال عليّ بن المغيرة كانت زينب بنت يوسف بن الحكم بن أبي عقيل أخت الحجّاج بن يوسف لأبيه وأمّها الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعودٍ الثّقفي عند المغيرة بن شعبة فرآها يوماً تتخلّل بكرةً فقال لها أنت طالقٌ والله لئن كان هذا من غذاءٍ لقد جشعت ونهمت، وإن كان من عشاءٍ لقد أنتنت وقذرت، فقالت قبّح الله الذواق والمطلاق ولا يبعد الله، والله ما هو الذي ظننت، ولكنّه استمسك بين أسناني شظيّة من السّواك·
اخبار الحمقى والمغفلين
شرط المعلم والصبيان
قال بعضهم: مررت بمعلم الصبيان، يضربونه وينتفون لحيته، فتقدمت لأخلصه فمنعني وقال: دعهم، بيني وبينهم شرط، إن سبقتهم إلى الكتاب ضربتهم، وإن سبقوني ضربوني، واليوم غلبني النوم فتأخرت ولكن وحياتك إلا بكرت غداً من نصف الليل وتنظر فعلي بهم، فالتفت إليه صبي وقال: أنا أبات الليلة ها هنا حتى تجيء وأصفعك·
المعلم حل المعضلة
عن أبي الفتح محمد بن أحمد الحريمي قال: كان عندنا بخراسان إنسان قروي فكان له عجل، فدخل داره وأدخل رأسه في جب الماء ليشرب، فبقي رأسه في الجب فجعل يعالج رأسه ليخرجه من الجب فلم يقدر، فاستحضر معلم القرية فقال: قد وقعت واقعة، قال: فما هي؟ فأحضره وأراه العجل فقال: أنا أخلصك أعطني سكيناً· فذبح العجل فوقع رأسه في الجب وأخذ حجراً وكسر الجب، فقال القروي: بارك الله فيك قتلت العجل وكسرت الجب·
أفسد بدل أن يصلح
عن إسماعيل بن زياد قال: نشزت على الأعمش امرأته، وكان يأتيه رجل يقال له: أبو البلاد فصيح يتكلم بالعربية يطلب منه الحديث، فقال له: يا أبا البلاد: إن امرأته قد نشزت علي وغمتني، فادخل عليها وأخبرها بمكاني من الناس وموضعي عندهم، فدخل عليها فقال: إن الله قد أحسن قسمك، هذا شيخنا وسيدنا، وعنه نأخذ ديننا وحلالنا وحرامنا، لا يغرك عموشة عينيه ولا خموشة ساقيه، فغضب الأعمش عليه وقال: أعمى الله قلبك، قد أخبرتها بعيوبي كلها، أخرج من بيتي، فأخرجه·
زيادة المرء أو نقصه في التكلم
عن محمد بن سلام قال: قال الشعبي: كان شاب يجلس إلى الأحنف، فأعجبه ما رأى من صمته إلى أن قال له ذات يوم: أود أن تكون على شرف هذا المسجد وإن لك مائة ألف درهم، فقال له: يا ابن أخي، والله إن مائة الألف لمحروص عليها، ولكني قد كبرت وما أقدر على القيام على هذه الشرفة، وقام الفتى، فلما ولى قال الأحنف: وكأين ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلملسان الفتى نصفٌ ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
اخبار الطعام والطاعمين
المأدبة الطعام المتخذ بلا سبب سميت مأدبة باجتماع الناس بها وبقية الولائم في معناها إلا أن وليمة العرس تخالفها في وجوب الاجابة وغيرها يخالفها في التسمية فطعام الختان اعدار وطعام البنا وكيرة وطعام الميت وضيمة وطعام القادم من السفر نقيعة وهل هي على الحاضر أم على القادم من السفر وجهان·
ويستحب الجلوس حال الأكل على الجهة اليسرى
التوسط في كل شيء حسن وقد قال الله تعالى: (وَالَّذينَ إِذا أنفَقوا لَم يُسرفوا وَلَم يَقتُروا وَكان بَينَ ذلك قَواما) الآية: 67 - الفرقان، وقال تعالى: (وَلا تَمش في الأَرضِ مَرحا) أي مفتخرا ثم قال الله تعالى: (وَاقصِد في مَشيكِ) الآية 18-19 - لقمان، أي لا تثب وثوب الشطار ولا تحسن مشية المتبخترين فينبغي للآكل أن يتوسط في أكله فلا يقصر فيه حتى ينسب إلى التحشم ولا يبالغ فيه حتى ينسب إلى الشره والجوع والبخل·والرغيب هو الكسير الرغبة في الرغبة في الاكل والزهيد عكسه وفي الحديث أوتي النبي صلى الله عليه وسلم بعبد يشتريه فوضعوا له طعاما فأكل الجميع فقال صلى الله عليه وسلم: (الرغبة من الشؤم ولم يشتره)·إذا خص المالك بعض الضيفان بنوع من الاطعمة أو بطعام أشرف من طعام من هو دونه فليس له أن يطعم منه غيره لأن القرينة قاضية بالتخصيص فلا يجوز التعميم إلا لصاحب المنزل·الضيغن الرجل الذي لا يعزم عليه ولكن إذا رأى الضيوف تبعهم واستحى منه صاحب المنزل أن يمنعه من الدخول معهم وجميع ما يأكله الضيغن حرام والضيغن هو الطفيلي والطفل اواخر النهار والشراهة شدة الشهوة إلى الطعام·
المصدر: 0