د·حمدي زقزوق: المسلمون انشغلوا بشكل الصوم وغفلوا عن الجوهر
أحمد مراد:
مازال شهر رمضان يفيض علينا خيرا وبركة، ومازالت أنواره تغمر العقول، ونسماته تنعش القلوب، وروحانياته تهتدي بها النفوس وتسمو بها الأخلاق وتصفو بها الحياة، ففضائله نهر يتتدفق من ينابيع لا تنضب أبداً، فهو خير متجدد وبركة مستمرة ولم لا مادامت التقوى غايته والاستقامة جوهره والصلاح هدفه؟
هذه صورة جميلة لشهر رمضان رسمها د· محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري في مستهل حديثه الرمضاني مع 'الاتحاد' معبراً من خلالها عن مدى سعة خير وفضل شهر رمضان على البشرية كافة والأمة الإسلامية خاصة، والتي ولدت في إحدى لياليه بعد مرحلة مخاض استمرت عقودا وسنوات، عاش فيها الإنسان في جهل وظلام يعبد ما لا ينفع ولا يضر·
تفاصيل هذه الصورة يسردها د زقزوق في الحوار التالي
؟ بداية·· شتان بين رمضان وغيره من بقية شهور العام، فهو -رمضان- شهر عظيم كريم، فيه ولدت الأمة وفيه تجسدت كل عباداتها وانتصاراتها، فماذا يمثل رمضان بالنسبة للدكتور زقزوق؟
؟؟ شهر رمضان هو فرصة ربانية أعطاها الله تعالى للمسلمين، لتكون محطة سنوية يقفون فيها مع أنفسهم ومع ربهم، يراجعون حساباتهم للقضاء على السلبيات وتنمية الإيجابيات، وهو بذلك يعد فرصة سنوية لتصفية النفوس ومحاولة إعادة النظر فيما فعله الإنسان طوال العام، لأنه طالما الإنسان ممتلئ البطن، ويأكل ما يريد، ويشرب ما يريد، ويفعل ما يريد فذلك لا يعطيه الفرصة للتأمل فيما يفعل وفيما يقول، فرمضان هو الفرصة لهذا التأمل وإعادة النظر في الكثير من السلوكيات والأمور، التي اعتاد الإنسان على القيام بها طوال العام، فأمامه كشف حساب وعملية تقييم بالنسبة للايجابيات طوال السنة، ومن هنا يعد رمضان فرصة ومناسبة عظيمة لتنمية الإيجابيات واجتناب السلبيات، ومن ثم لابد أن يستثمر المسلم هذه الفرصة كما ينبغي واستثمارها يكون بالالتزام بالهدف من الصوم وهو التقوى·
ما هي التقوى؟
؟ قول الله تعالى: 'يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون' يشير إلى أن هناك هدفاً للصوم يعود على الصائم نفسه، وقد ذكرتم -سلفاً- أن الهدف هو التقوى فما هي هذه التقوى؟
؟؟ ورد عن عمر بن الخطاب 'رضي الله عنه' أنه سٌئل من أبي بن كعب عن التقوى فقال: أما سلكت طريقاً ذا شوك؟ قال ابن كعب: بلى، قال عمر: فما عملت؟ قال ابن كعب: شمرت واجتهدت، فقال عمر: فذلك التقوى، فالتقوى إذن -والتي هي هدف الصوم- هي اتقاء للشرور والآثام، وتغلب على العقبات، وانتصار على الشهوات، وهي أيضاً وقاية من كل الرذائل، وفي الوقت نفسه قربى من الله، وسمو بالنفس، وارتقاء بالروح، وارتفاع فوق ماديات الحياة وشفافية في الشعور، وصفاء ومراقبة لله في السر والعلن، وهي إذن جماع الأخلاق، ومن هنا نفهم هذه العبارة الجامعة التي لخص بها النبي 'صلى الله عليه وسلم' رسالته للعالمين، قال: 'إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق'، فالتقوى هي غاية الصيام، وهي الهدف الذي تتطلع إليه أرواح الصائمين، وتهفو إليه نفوسهم، والاستعداد للتقوى موجود في كل نفس، فالنزعة الدينية مرتكزة في فطرة الإنسان، والصوم أحد -بل أهم- الأدوات أو الوسائل التي توصل إلى التقوى·
؟ إذن الصوم شرع لمصلحة الإنسان نفسه، أليس كذلك؟
؟؟ كل العبادات الإسلامية لها غايات وأهداف تعود بالنفع والفائدة على الإنسان نفسه، فالله 'عز وجل' لم يفرض على الناس أي لون من ألوان العبادات لأنه في حاجة إلى عبادتهم، كما أنه سبحانه وتعالى لا يريد من وراءالعبادات إذلال الناس أو تعذيبهم أو إرهاقهم من أمرهم عسراً، وإنما فرض عليهم ما فرض من عبادات لما فيه مصلحتهم وخيرهم، وللفوائد العظيمة التي تعود عليهم، فالله غني عن عبادتنا ونحن الفقراء المحتاجون إليه في كل لحظة من لحظات حياتنا، ومن هنا فإن علينا أن ندرك جيداً أهداف هذه العبادات ونتحقق بها، إذ بدون الوعي بالأهداف تنقلب العبادة إلى أمر روتيني لا روح فيه ولا حياة·
والتقوى هنا هي الأساس، لأن كل شعيرة من الشعائر الإسلامية قد فرضها الله تعالى على المسلمين لهدف يتعلق بالإنسان نفسه، والتقوى هنا تعود على الإنسان المسلم نفسه مثل الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصوم الذي يدعو للتقوى للوقاية من كل الشرور والآثام، وهو كما يقول الصوفية: 'تخلية ثم تحلية' بمعنى أن يخلي المسلم نفسه من كل الآثام والشرور ثم يملؤها بالأشياء الجميلة، والصوم بذلك من الشعائر التي فرضها الله على المسلمين لمصلحتهم، ولكي يكون المسلم نموذجاً في الأخلاق والصلاح والتعامل الحسن مع الآخرين، وهذا كله يعود بالخير والنفع على كل أفراد المجتمع، ومن ثم فالصيام شرع لمصلحة الإنسان بصفة عامة والمسلم بصفة خاصة
أركان الإسلام
؟ وهل هذا الخير يتحقق بالصوم وحده أم بتكامله مع العبادات الأخرى؟
؟؟ أركان وعبادات الإسلام الخمسة تتكامل معاً وتتعاون معاً في سبيل خير المسلم في دنياه وآخرته، ولا يمكن النظر إلى كل عبادة على حدة فعبادات الإسلام منظومة واحدة تتكامل أركانها وقواعدها، ولو كان الصوم وحده ما كان سيفيد، ولكن الأركان كلها تحاول أن تسمو بالنفس الإنسانية وتجردها من كل الأشياء السيئة، وتهيئها لكي تكون ذات شأن من ناحية الأخلاق الفاضلة، وكل الشعائر الإسلامية تهدف إلى ذلك، ولذلك لا نستطيع القول أن الصوم ينفع وحده شخصية المسلم من الناحية الاخلاقية والدينية والروحية، فالعبادات الإسلامية كلها هي التي تحقق ذلك، وكل ما يصب في مصلحة الإنسان
؟ ولماذا كان الصوم هو رابع أركان الإسلام؟ وهل هناك كلمة بشأن هذا الترتيب الذي عليه الأركان الإسلامية؟
؟؟ كل التشريعات الإسلامية جاءت بالتدريج، ولم تفرض على المسلمين مرة واحدة، والله سبحانه وتعالى أراد أن يربي المسلمين التربية الصحية التي على أساسها لا تشق العبادات على المسلمين، لذلك جاءت عن طريق التدريج، والصيام -وهو أحد أركان الإسلام الأساسية- حينما فرض كان المسلمين مهيئين بالفعل للتقبل والالتزام بهذه الفريضة الجديدة على العرب في ذلك الوقت، وفيما نتحدث عن أركان الإسلام كلها لابد أن نأخذ في الاعتبار الطريقة والإسلوب والمنهج الذي أراد الله 'عز وجل' أن يربي المسلمين عليه، وهو منهج التدريج والتيسير في التشريع، ومن هنا جاء الصوم بعد الشهادتين والصلاة والزكاة
الصوم لله
؟ في حديث قدسي يقول الله تعالى على لسان رسوله 'صلى الله عليه وسلم': 'كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا اجزي به' فما حكمة إضافة الصوم لله تعالى؟
؟؟ سبب إضافة الصوم لله 'سبحانه وتعالى' هو أنه لم يسبق لأحد أن عظم غير الله بعباده الصوم فلم يعظم في أي عصر من العصور معبوداً من خلال عبادة الصوم، في حين أن هناك من يعظم غير الله في الصلاة والحج والذبائح والنذور، كما أن حقيقة الصوم بعيدة كل البعد عن الرياء، لخفاء عبادة الصيام بخلاف الصلاة والزكاة والحج والجهاد وغيرها من العبادات والطاعات والتي طبيعتها الظهور فمن المحتمل أن يدخل فيها عنصر الرياء من قبل القائمين بها والمؤدين لها·
وكذلك من أسباب إضافة الصوم لله تعالى وحده لأنه هو المنفرد بعلم مقدار ثواب الصائم ومضاعفة حسناته، وإنه لم يطلع أحداً على مقدار هذا الثواب، ولا شك أن إضافة الصوم لله تعالى هي إضافة تشريف وتكريم وفي ذلك بيان لعظم وفضل الصيام
؟ للأسف الشديد طفت على سطح حياتنا في رمضان العديد من الجوانب السلبية والتي لا علاقة لرمضان أو الصيام بها فنرى في رمضان الكسل والخمول وتعطيل مصالح الناس والسهر حتى الساعات الأولى للصباح، كيف ترى هذه السلبيات؟
؟؟ رمضان بريء من هذا كله، بل أن كل فضائل الصوم تنقلب بهذه السلوكيات المرفوضة إلى رذائل ويكون الصيام معها بلا معنى، فالصوم في حقيقته يعلم الإنسان الصبر وتحمل المسؤولية والشدائد، لإنه إذا التزم بذلك يستطيع التحكم في شهواته ورغباته، وبالتالي تقوية الإرادة، فرمضان ليس شهر كسل وخمول ولكنه شهر عزيمة وإرادة وتصميم، وكثير من انتصارات المسلمين تمت في هذا الشهر الكريم، وذلك لأن الصيام يمدنا بطاقة روحية عظيمة تستمر معنا طوال العام، وتجعلنا أقدر على تحمل مسؤوليتنا في الحياة وخلافتنا على الأرض
معنى الصيام
؟ وماذا يجب على الصائم حتى يكون لصيامه معنى؟
؟؟ لقد درج الكثيرون من الصائمين على الاهتمام بكل ما يتعلق بأحكام الصوم من أمور شكلية، وغفلوا عن الهدف الأساسي الذي من أجله فرض الله تعالى الصوم، هذا الهدف المتمثل في التقوى، فلابد إذن للصائم أن يدرك في وضوح تام الهدف من الصوم حتى يكون لصيامه معنى، فقد روي عن النبي 'صلى الله عليه وسلم' أنه قال لاصحابه عن امرأة تصلي وتصوم وتزكي، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها: 'اخبروها أنها في النار'، فصوم هذه المرأة وعبادتها كانت شكلية لا روح فيها ولا حياة ولم تكن على وعي أو إدراك بالهدف من الصوم، فأفسدته بسوء اخلاقها فحبط عملها وفقد صومها معناه ولم تكن له أية ثمرة في توجيه سلوكها الوجهة السليمة فالهدف -الذي هو التقوى- غاب عن هذه المرأة كما يغيب عن الكثيرين من الناس، ومن هنا نفهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش'، فعلى الصائم حتى يكون لصيامه معنى أن يعي ويدرك هدف هذا الصيام وهو التقوى بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني صفاء العلاقة بين الإنسان وربه والتي ينعكس أثرها صفاءً ووثاماً على علاقات الناس بعضهم مع بعض
؟ وهل يعد الصيام بذلك جهادا؟
؟؟ الصوم يعد لونا من ألوان الجهاد النفسي العظيم من هنا وصف بأنه نصف الصبر'، وهو مدرسة لتربية الإرادة، فعندما تصر على السيطرة على أهوائك وشهواتك رغم أن كل ما يحيط بك يعمل في اتجاه مضاد، يكون الانتصار العظيم للإرادة وبهذا يتضح لنا أن الانفعال والغضب والكسل بحجة الصوم هو تماماً عكس المفروض من الصوم، فالصوم من شأنه أن يرهف حس الصائم ويرقق وجدانه ويهذب من أخلاقه ويحمله على اتقان العمل، فالصائم يتعامل مع الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء
الصوم المقبول
؟ وهل هناك علامات للصوم المقبول؟
؟؟ الصوم سر بين الإنسان وربه، ولا يستطيع أحد أن يطلع على غيره بالنسبة للصوم، فيستطيع إنسان أن يأكل ويشرب في بيته ثم يخرج أمام الناس بأنه صائم ولكن هناك علامات تبين لنا أن هذا الإنسان الصائم ملتزم بالفعل، وفي مقدمتها أن تكون علاقته بالناس في رمضان أفضل من أي وقت أخر لأن الصوم تربية للنفس الإنسانية، ومن الشواهد الظاهرة للصوم المقبول والتي يلحظها الإنسان حسن السلوك مع الغير، ومدى تحمل الصائم للمشاق ولمسؤولياته، فعندما نجد موظفاً -على سبيل المثال- يقبل على عمله وانجاز مصالح المواطنين بكل همة ونشاط في رمضان، فهذا معناه أنه فهم بالفعل حكمة الصوم·
المصدر: 0