بعض الخيام تجرح صيام رمضان
تعد الخيام الرمضانية إحدى السمات المميزة لشهر رمضان المبارك، حتى أنها أصبحت ظاهرة رمضانية انتشرت في معظم الدول العربية، -وبشكل خاص وكبير- في دول الخليج، التي باتت تتسابق في تطوير وتحديث الخيام الرمضانية، لكن الخيام ليست كلها واحدة، فشتان بين خيمة تجمع المساكين والمحتاجين على موائدها الرمضانية، وبين خيمة تفتح للسهر والسمر حتى الصباح ويحضر فيها اللهو والأكل وتخلو من أي معنى من معاني رمضان!
والفارق بين خيمة يقام فيها مجلس رمضاني جميل يناقش قضايا الحياة والناس والمجتمع وبين خيمة تشهد الرقص والطبل والزمر هو كالفارق بين الثرى والثريا، ورغم ذلك، يبقى لكل خيمة مرتادوها، ولكل نوع عشاقه، ولكل امرئ في الخيمة التي يرتادها مطلب ومأرب وغاية، فما هي حكاية الخيام الرمضانية ومن هم روادها وما هي أنواعها وأغراضها؟
إجابات هذه الأسئلة وغيرها في هذا التحقيق:
تحقيق ـ خديجة الكثيري:
تعد الخيام الرمضانية ملتقى العائلات التي تسهر لتستمتع بالأجواء الرمضانية، وهي المكان الخاص الذي يصلح ليكون مائدة الرحمن التي يقدم فيها الإفطار للمحتاجين والفقراء، كما تستخدم هذه الخيم وخاصة 'بيوت الشعر' كمجلس رمضاني تراثي جميل، يلتقي فيه الجميع للسوالف ومناقشة القضايا المحلية، ناهيك عن دور المقاهي البارز فى عمل الخيم الرمضانية ذات الطابع الشعبي، والتي يتمايل خلالها الناس على 'قرقرة' الشيشة ورائحة دخانها، أما أكثر الخيام انتشارا فهي تلك الخيم الرمضانية الخاصة بالسهر التجاري، حيث تفتح الفنادق الكبيرة أبواب تلك الخيام الراقية، فتقدم الشيشه والمشروبات والمأكولات الرمضانية، في جو من الغناء والرقص واللهو!
'بيوت الشعر' هو الاسم الذي يطلق على الخيام الشعبية والتراثية، والتي يمكننا القول أنها استعادت وجودها بل وأهميتها، فقبل مواسم رمضانية عديدة مضت، كانت هذه الخيام تنصب فقط لتجمع كبار السن من أفراد العائلة، أو تترك لتقديم إفطار الجيران والعابرين، أو تنصب كواجهة شعبية أمام شركات البترول والمؤسسات الحكومية، ولكننا اليوم نشهد تطورها وانتشارها بشكل كبير وجميل، بل الأجمل من ذلك أن من يجلسون فيها ليسوا كبار السن والآباء فقط، بل الشباب الذين سألناهم عن هذه الخيام العائلية والشبابية فماذا قالوا؟
خيام هادفة
يقول سالم البريكي: 'في مجتمعنا الإماراتي، نجد أن الخيام تقام عادة أمام بيوت ميسوري الحال من الناس أو أصحاب الدخل المحدود على السواء، فهم يحبذون شراء أو استئجار تلك الخيام، حسب اختلاف أنواعها وأحجامها والغرض منها، فقد أصبحت الخيام وبيوت الشعر، مظهرا من مظاهر شهر رمضان المبارك، وبمجرد أن يقترب حلول الشهر الفضيل، نجدها تنتشر في كل مكان، كرمز من رموز استقبال هذا الشهر الكريم، وهناك من ينصب الخيمة أمام بيته ليتجمع فيها أفراد العائلة ويأتي الجيران للتسامر والسوالف، وبعضهم ينصبها فقط لتكون مفطرا جماعيا للمحتاجين، ومنهم من يبني بيت الشعر كعادة رمضانية تعود عليها وحرص على القيام بها في كل موسم رمضاني، وشخصيا أفضل الجلوس في الخيام الخاصة بالمجالس الرمضانية الهادفة والمعروفة'·
تراث أصيل
ويوافقه الرأي رجل الأعمال محمد بن صقر المحيربي، فيقول: 'جرت العادة سنويا ومع بداية شهر رمضان المبارك، أن ننصب الخيمة الخاصة بنا أمام منزلنا، فهي عادة وتراث أصيل، توارثناه من آبائنا وأجدادنا الذين كانوا حريصين على الجلوس في مجالس الخيم، وخاصة بيوت الشعر التقليدية، بعيدا عن الخيام الفنية أو السهرات والحفلات، لأننا في الأساس نستمتع بالجلسة العربي وبجوها المملوء بالسوالف ومناقشة المواضيع الهامة، وأجمل ما في ذلك هو أن تجتمع في هذه الخيم بكثير من الأهل والأقارب الذين لا تراهم أحيانا إلا في مثل هذه المناسبات، كما أن هذه الخيم مفتوحة للأصدقاء وكل من يمر ويرى هذه الجلسة يدخل مباشرة ويسلم على الجميع ويشاركهم الحديث والسوالف والجلسة الطيبة'·
وعند السؤال عن من يرتاد هذه الخيم من الناس، وجدنا أنهم من جميع الفئات، رجال ونساء وعائلات، شباب ومراهقون، إلا أن جميع تلك الفئات اتفقت على أن ما تفعله في هذه الخيم، يقتصر على شرب الشيشة على الطبيعة والاستمتاع بالرقص والأغاني·
تقول مريان زين: 'أعتبر نفسي مدمنة جلسات الخيام الرمضانية، بل أجد أن أكثر ما يميز ليالي رمضان هو ليالي السهر في الخيام، وأواظب أنا وصدقاتي على الجلوس في الخيمة يوميا وحتى ساعات متأخرة، فنحن نشرب الشيشة، ولا يعنينا إذا وجد في الخيمة رقص وغناء، حيث تكفينا الوسيقى الهادئة، لأننا نفضل الحديث ومشاهدة الناس فقط'·
عائلات عربية وشلل إماراتية
أما حسن ومحمد غازي فيؤكدان أن أكثر من يرتاد الخيم الرمضانية هم من العائلات العربية، أما الإماراتيون فيكتفون بشلل الأصدقاء، حيث نرى مجموعة من المواطنين الشباب في جهة، ومجموعة من المواطنات النساء في مجموعة أخرى، والجميع يشرب الشيشة ويبدي اهتماما بكل العروض في الخيمة، سواء كانت مسابقات أو رقصا'، وهذا ما تؤكده سمر غانم حيث تقول: 'لا يقتصر جمهور الخيم على هؤلاء فقط، فهناك شخصيات كبيرة ومعروفة تفضل خيام الفنادق وتختار أفضل وأفخم الطاولات والزوايا لتتمتع بشرب الشيشة ولعب الورق والمشاهدة'·
أرباح تجارية ومتع دنيوية
'تشكل الخيام شكلا بل مصدرا مهما لموزعي وتجار الخيم، أصحاب الفائدة الأساسية ومن يجنون الأرباح في المقام الأول، وهؤلاء يرون أن الخيام جزء من الخطة الاستهلاكية الرمضانية، لأنها باتت رمزا مرغوبا ومحبوبا لأجواء ليالي رمضان الساهرة، فهي - ببساطة- تقدم البديل للحياة الليلية في غير شهر رمضان، وبالتالي تكون متناسبة مع الشهر الفضيل وأجوائه الدينية والروحية، خاصة لمن يحبون السهر والسمر الصاخب من 'الصائمين'، فهم يحاولون الاستعاضة عن عادة الجلوس في صالات الفنادق والمراكز التجارية والمقاهي المختلفة بالجلوس في الخيام التي تشكل متنفساً لهم يتوفر فيه الطابع الرمضاني، ولا يخلو في المقابل من الفن والطرب والصخب'!
كان ذلك ما أكده أحد موزعي الخيام المعروفة في أبوظبي، الذي أشار أنه وزع ما يقارب عشر خيام بين البيع والإيجار، وهي خيام خاصة بالسهرات الفنية لشهر رمضان، والتي توضع أمام كثير من الفنادق الكبيرة والمراكز· وأضاف: 'نحن متخصصون بكل ما يتعلق بالخيم الرمضانية سواء من حيث الشكل أو النوع، ونقوم بتوفير كل ما يطلبه المستأجر من حيث الديكور وطبيعة استخدام الخيمة، حيث يختلف استخدام الخيام الخاصة بالمحال التجارية أو السهرات الفنية، فنحاول تلبية الطلب، في إطار مقبول لذلك، وعلى الرغم من التشويه الهائل الذي تلحقه هذه الخيام بروحية الشهر، لكن الملام الوحيد في هذه الحالة هو الصائم نفسه، فموزع الخيام ومستأجرها يهدف في النهاية إلى الربح المادي، أما الناس فتغريهم تلك السهرات والمتع الدنيوية وتأخذهم من وقتهم الخاص بالقيام والعبادة'·
وشهد شاهد من أهلها
ويعلق أحد مسؤولي تأجير خيمة رمضانية معروفة أمام أحد الفنادق: 'مروجو وأصحاب السهرات الفنية الخاصة لليالي شهر رمضان المبارك، يتقنون تأجير تلك الخيام وترتيبها بطريقة متميزة تناسب أجواء شهر رمضان، ويضعون فيها عروضا ترفيهية وترويحية كثيرة، مثل إعداد أشهى الأطباق والمأكولات، ثم أنواع الشيشة المختلفة، وهناك عروض فنية لفنانين وراقصات وغير ذلك، ونحن نقصد عرض هذه العروض في الخيم بدلا من الصالات الخاصة، وذلك لأن الناس في رمضان يتحفظون في حضورهم للصالات الخاصة بالمراكز والفنادق ويجدون في ذلك جرحاً للياليه الكريمة، أما حضورهم لتمضية الوقت والسهر في الخيم فهو بنظرهم أفضل بكثير· ونحن نقوم بجذب الناس بعبارات دعائية مختلفة، منها نحن نقدم أفضل البرامج من خلال الخيمة الرمضانية، وذلك مع الفنان 'فلان' والراقصة 'فلانة'، والعديد من السهرات الفنية حتى آخر الليل، كما نقدم لكم أشهى المأكولات وأنواع الشيشة الخاصة، وبرامج أخرى أعددناها لليالي رمضان المباركة'!!
المصدر: 0