موزة خميس:
الأصفر الرنان··· النفيس، البراق، الأخاذ··· منذ آلاف السنين وإلى ماشاء الله· مقبول في كل المناسبات· هو حلم معظم النساء والفتيات، بل حلم الرجال كثروة يمكن إدخارها للزمن· قاس لا يبور ولا تقل قيمته ولا يتأثر إلا تأثرا آنيا، ليعود إلى مكانته البارزة بين المعادن· وهو ثروة يهوى البعض شراؤه للتخزين وليس للتحلي به· بعضهم يكنزونه فلا ينفقون منه لا في سبيل الله ولا في سبيل الخير، حتى حذرهم الله سبحانه وتعالى وتوعدهم بعذاب شديد·
ملايين النساء في شتى أرجاء العالم يرضين-أو هكذا يدعين- بالنزر البسيط منه: حلية من الذهب، حتى وإن كانت 'دبلة' أو خاتما بسيطا خاليا من التعقيد· وبعضهن لايرضين بأقل من 'اثقال' براقة تزدحم على ايديهن اساور و'معاضد' وخواتم تلمع ولاتعد ولاتحصى، وقلائد على الصدور، واقراط في الأذنين و···
والحكاية لاتنتهي مع هذا الأصفر الرنان البراق الذي بلغ الأمر بنا حد تشبيه الناس به وبصفاته فنجد من يقول في معرض المدح: فلان طيب··· قلبه ذهب···!
للذهب وضع خاص في الإمارات العربية المتحدة· وبسبب هذا الوضع والمكانة البارزة التي يحظى بها تم فتح الكثير من المراكز التجارية الخاصة به، وتم تخصيص الكثير من الأسواق لبيع الذهب· هذه الأسواق تعرض الحلي بشكل مبهر يخطف الأبصار، وكأنك تنظر إلى خيوط الشمس الذهبية ووهجها·
كل ذلك لأن المرأة الإماراتية منذ زمان موغل في القدم تقتني الحلي الذهبية وتدخر من أجلها المال شهورا طويلة إن كانت فقيرة، وتورث الأم حليها لبناتها· ولم يكن الذهب يخرج من الخزائن إلا في الأعراس والمناسبات السعيدة، والزيارات الهامة وفي العيد
وللحديث عن الذهب وشؤونه النسوية وشجونه تحدثنا مع موزة أحمد راشد لتروي لنا ما لديها عن الذهب·
ولأنها تنوي الحديث عن الذهب ومايثيره في نفوس النساء، فقد سبقت موزة حديثها بتنهيدة طويلة، تدفق بعدها الحديث: لا يمكن الاستغناء عن الذهب الأصفر، وإن دخلت إلى السوق أشكال أخرى من الذهب كالأحمر المائل إلى النحاسي، أو الأبيض أو البرونزي· لدى النساء الإماراتيات الكبيرات في العمر تعلق خاص بالذهب الأصفر، قد تفضل الشابات تلك الألوان الحديثة، ولكن كل الشابات والمتعلمات في جميع المراحل والمعلمات في المدارس في المناسبات الخاصة، وبالأخص في الاستقبالات يبحثن عن القديم من الذهب الذي يحمل الطابع التراثي·
رمز المحبة
الذهب رمز المحبة، ودائما ما يقدم كهدايا، سواء كانت هذه الهدية من الزوج لزوجته أو من الأب لأبنته· وأيضا تهديه الصديقات لبعضهن البعض في مناسبات الزواج والولادة· وهذا المعدن النفيس -إن ارتفع سعره أو بقي كما هو- يبقى المفضل، وتحتفظ الآف الأسر بالذهب ليس لحاجة مادية، ولكن لأن 'ذهب زمان' له جاذبية ورونق غير عادي· حتى إن الأجانب من الدول الأوروبية يبهرون بالتصاميم القديمة، ونرى الأندهاش في عيونهم·
والتصاميم التي تحمل الطابع القديم هي المفضلة رغم دخول الجديد من مختلف أنحاء العالم ومن داخل الإمارات، وهي أنواع منها: دقة بحرينية، ودقة سعودية، ودقة عمانية، وطبعا توجد آلاف من التصاميم الإماراتية والهندية، وتتميز الأخيرة بكثرة الزخارف ودقتها وإدخال مادة الميناء الصبغية التي لا تزول وتشبه الأحجار ومنها ألوان مثل الأحمر والأزرق والأخضر·
أنواع قديمة
وتواصل موزة قصة الذهب في الإمارات فتقول: في الأعياد كانت النساء يلبسن حليهن وكذلك الفتيات أيضا، ولكن في حفلات الزواج ربما تكون أسرة الفتاة غير قادرة على شراء الحلي الذهبية، فتتفق مع سيدة إما على أستئجار ذهبها، أو تقوم تلك السيدة بالتبرع بالذهب لليلة واحدة إكراما لأسرة العروس· ومن الحلي التي لا تزال تباع إلى يومنا هذا رغم الجديد في السوق، 'الشغاب' وهو نوع من أنواع حلي الأذن، وكانت ثقيلة وبحجم واحد قديما، ولكن أصبح يصاغ منها أحجام مختلفة تناسب أذواق محبي الحلي التراثية·
وأيضا حلية 'الكواشي' تقال لحلق الأذن، ولكنها أخف قليلا من 'الشغاب'، وبعض الأهالي يقول عن نوع خفيف ولا يزن الكثير 'بلبكية'، وهي عادة ما تكون خفيفة كالورق وتعتبر من الأقراط·
أما الشعر فكان في مناسبات العيد يزين بما يسمى'مشابيص'، وهي تشبة الدبوس الذي يشبك في الثوب، ولكن هذا مخصص لجانبي الرأس وقد يكون معهما 'مجلة' وهما سلسلتان من بداية الصدغين وحتى خلف الرأس· وأكبر ما يوضع على الرأس وتستخدمه العروس'الطاسة' وتسمى أيضا 'هامة' في بعض الدول، كما أن لجدائل العروس أو فتيات الأثرياء حلية تزين نهاية الجدائل وهي 'تباعة' وأيضا تسمى تلحوقة أي تلحق نهاية الشعر وهي مخروطية الشكل·
من أهم ما يزين جيد وصدر المرأة 'المرتعشة' وهي قلادة تبدأ من العنق بطوق مكون من قطع مرصوصة على جانب بعضها، وفي نهاية كل قطعة هناك قطع أخرى على هيئة مربعات تتبع بعضها تتدلى في شكل سلسلة حتى صدر المرأة· و هنالك أيضا 'النكلس'- تقصد الكلمة الأنجليزية نك لس- وهي عقد لا يقل أهمية عن 'المرتعشة'، ولكنه أخف وزنا وأرخص ثمنا·
وهناك المرية وهي على هيئة حبات من الذهب تشكل حبلين ينتهيان تحت صدر المرأة بشكل هلالي· ومن أهم ما كان الأهالي يحرصون على الأدخار لشرائه للفتيات ويرافقهن طوال سني حياتهن 'الطبلة' وهي قطعة مربعة الشكل وكانت تعلق بخيط احمر محبوك من القطن، وكذلك 'النثرة' فقد كانت مهمة، وهناك أنواع عديدة من الأساور منها 'بوالشوك'، دقة الهيل، بنجري، ومن الخواتم: مرامي، كما كان لأصبع أبهام القدم خاتم يسمى 'افتخ'·
القديم والجديد
تكمل موزة أحمد راشد قائلة: اليوم أصبحت كل تلك الأنواع حبيسة الخزائن حيث تخلت الكثيرات عن أرتدائها في العيد إلا الأمهات الكبيرات· ولكن يظهر الذهب على النساء والفتيات في صور وأشكال حديثة، حيث دخلت إلى السوق تصاميم تبتكرها دور معروفة في فرنسا وأيطاليا·
وقد قامت الكثير من النساء اللاتي ورثن الحلي التراثية ولا يقدرن قيمتها، باستبدالها بالتصاميم الجديدة· وأيضا هناك من يلبسن الذهب الأصفر في العيد ولكن يكتفين بقرط وخاتم فقط· وهناك من أصبحت تكتفي بعقد خفيف وخاتم، والبعض يضعن قرطا وأسوارة، ومعظم الفتيات من مواليد مرحلة الثمانينيات وما بعدها أكثر إقبالا على المجوهرات المزيفة لأنها تتيح لهن أختيار التصميم واللون الذي يناسب الثوب والشيلة والعباءة، لأن حتى هذا الزي الذي يعبر عن الهوية الوطنية تم تجديده بإدخال حروف الماركات العالمية عليه، سواء بالتطريز أو الكريستال، وقد أصبحت بعض المحال تعرض تصاميم فيها مزج بين الحلي التراثية وشعار الماركات العالمية·
رغم المدنية وتخلي الكثيرات عن ارتداء الذهب إلا أن هناك أيضا الآلاف من النساء اللاتي لا زلن يلبسن الذهب في كل عيد، ولو تركت الأم فكرة أرتداء الذهب إلا أنها لا تترك عادة إهداء أبنتها أو بناتها الحلي الذهبية، ونحن لا نسميها حلي ولكن نسميها (صوغ) لأنها تصاغ عند الصاغة·