كيف يمكن أن نقرأ القيمة البصرية للمكان في الفيلم الإماراتي، وكيفية تطويعه لمصلحة الهمّ الجمالي؟
وما هو النسق السردي والتعبيري الذي اعتمده المخرجون الإماراتيون للتعبير عن الانتماء للمكان في الأفلام التي صنعوها؟
حول هذين السؤالين المطروحين أعلاه تحدث عدد من المخرجين الإماراتيين عن طرائق وأساليب استثمارهم للمكان في أعمالهم السينمائية.
تضاريس مذهلة
وفي هذا الإطار يرى المخرج عبدالله الجنيبي أن البيئة الإماراتية تتمتع بتضاريس وتكوينات بصرية مذهلة، تجبر المخرج على تخطي حاجز الأربعة جدران، والخروج عن المألوف عند اختيار مواقع التصوير، وإجراء تعديلات على السيناريو لتواكب خصوصية هذه المواقع وتأثيرها الإيجابي على المناخات البصرية للفيلم، ونوّه عبدالله أنه في فيلمه الروائي الطويل: «كيمره» ذهب للتصوير في أمكنة لم يسبق للسينما الإماراتية نقلها وتوثيقها، مثل منطقة «مليحة» بالشارقة التي تجمع بين البيئتين الجبلية والصحراوية معاً، وصوّر بعض المشاهد في جبال الفجيرة وفي مدينتي الشارقة ودبي وسط مشهدية جمالية باذخة وغامضة في آن، استغلها في ضخ الزخم النفسي المواكب لحبكة الفيلم وتطور الحكاية المطروحة وتحولاتها. وأضاف أن فيلمه الآخر بعنوان: «بحر» قام بتصويره بمنطقة «القرم» على شواطئ إمارة أم القيوين التي اكتشف فيها تفاصيل مدهشة يختزنها المكان وخدمته كثيراً في البناء الدرامي للفيلم. وقال إن فيلمه الثالث: «بنت الحبل» تم تصويره وسط مزارع منطقة «الزبير» بين الشارقة وعجمان، والتي أضفت على الفيلم مسحة من التميز والتفرد في التعاطي مع المكان كجزء حيوي مكمّل للكادر البصري ومتداخل ومنسجم مع المشاهد واللقطات ومع القضية التي يتناولها الفيلم عموماً.
بعد إنساني
بدوره يرى المخرج وليد الشحي أن «المكان» في الفيلم الإماراتي ينطوي على تشخيص للهوية ليس من بعدها الخارجي ولكن من بعدها الإنساني المرتبط بالذاكرة والنشأة والتاريخ والارتباط الوجداني، مضيفاً أن كل هذه العناصر تصنع في النهاية الصورة التي تمثلنا وتخرج من أعطافها حكاياتنا وقصصنا، والسينما هنا -كما يشير الشحي- هي أفضل من ينقل هذه التداخلات الحسيّة مع المكان ويمنحها ما تستحقه من اعتناء وتوقير وإضاءات روحية ومعان ودلالات معرفية وجمالية.
وأكّد الشحي أن المناظر الطبيعية الخلّابة التي تتمتع بها إمارة رأس الخيمة التي يقطنها، أضفت على أفلامه أبعاداً فلسفية وشعرية لم يستطع العثور عليها وسط المدن الحديثة والغابات الإسمنتية، رغم عدم نفيه وجود هذه الأبعاد لدى مخرجين استطاعوا التعامل مع الحياة المعاصرة وتعقيداتها من وجهة نظرهم الخاصة، ولكنه في النهاية يميل لهذه الطبيعة الريفية البسيطة والمفتوحة خارج نطاق المدن، لأنها الأقرب والأكثر حميمية للقصص والحكايات التي يتناولها في أفلامه، وذكر مثالاً على ذلك في فيلمه الروائي الطويل: «دلافين» الذي كان فيه الكادر السينمائي معتمداً فيه بشكل كبير على البيئتين البحرية والجبلية، لخلق مساحة ذهنية تصل بينهما في المنطقة الحرجة التي يبدأ فيها الموت أو الفقدان بسحب الرصيد المتبقي من البهجة في حياتنا.
رسائل ضمنية
ويبدي المخرج والمنتج عبدالله حسن أحمد رأيه في أهمية المكان في الفيلم الإماراتي، بالإشارة إلى أن المكان له دور مهم وكبير في بث الحالات المعنوية والرسائل الضمنية التي لا تستطيع الحوارات وحدها ولا الأداء التمثيلي وحده في إيصالها للمتفرج، مضيفاً أنه اشتغل في فيله الروائي الطويل: «ولادة» على توليد المعاني والدلالات انطلاقاً من تأثير المكان نفسه، باعتباره منفذاً بصرياً لتمرير رسائل الفيلم، خصوصاً من خلال البيئة الجبلية التي يعشقها، ويجد فيها ملاذاً لكاميرته وللحيرة الوجودية التي تصدّرها شخصيات أفلامه، كما أن الجبل يحفل في الذاكرة الجمعية بالأساطير والأهازيج الشعبية والحكايات الغامضة ويحتشد بالسحر والأسرار والغموض والقسوة والرهبة، والرغبة في التحدّي والاكتشاف أيضاً، مؤكداً أن المكان يصبح أحياناً هو بطل الفيلم بما يمتلكه من عمق ومن معطيات رمزية تفتح آفاقاً جديدة أمام الصورة السينمائية ولغتها التعبيرية الخاصّة والمتفرّدة.
الواقع والمتخيّل
ويمزج الشاعر والسيناريست أحمد سالمين بين مكان الكتابة والمكان المتخيّل في الفيلم قائلاً: «أعتقد أن المكان يمثل إشكالية دائمة في علاقته بالعمل الإبداعي عموماً، وهو بالنسبة للسينما، إلى جانب الزمن، مادتها الأساسية التي يتشكل ويتكون منها وبها الفيلم السينمائي، فلا غرابة أن تبدأ هذه الإشكالية في التخلق منذ اللحظة الأولى التي تومض فيها فكرة فيلم في ذهن كاتب السيناريو».
ويضيف سالمين: «بالنسبة لي، مكان الكتابة، بكل تداعياته النفسية، يفرض خصوصيته على الحكاية منذ البدء، حتى مع وجود اختلاف جذري بينه وبين المكان المتخيل الذي يجري وصفه في السيناريو، فحالة الانفصال عن المكان الواقعي والارتحال للأمكنة المتخيلة لا تتم بشكل كلي بالنسبة لي، بل ألاحظ أنني أظل متيقظاً تماماً لكل المؤثرات والتفاصيل الصغيرة من حولي، في المكتب أو المقهى مثلاً، يحدث ومن دون قصد، أن تنتقل حشرة تحوم حول مصباح الكتابة إلى مشهد في السيناريو الذي أكتبه، وتأخذ حيزاً مؤثراً فيه، وتشغل بتخبطاتها وارتطاماتها مساحة من صوت المحيط في الفيلم، كما يحدث أحياناً أن تتماهى ملامح نادل المقهى مع ملامح إحدى شخصيات الحكاية إلى حد كبير، أو بشكل تام أحياناً، وباختصار يمكنني القول إن أمكنة الذاكرة وأمكنة الكتابة معاً، يتضافران دائماً لخلق وتأثيث أمكنة الحكاية المتخيلة وإعادة صياغتها نفسياً في كتاباتي، وهذا بالطبع يؤثر في مناخات القصص التي أسردها سينمائياً بطريقة ما».
نوافذ الروح.. من «سبيل» إلى «ساير الجنة» و«ولادة»
يعدّ الفيلم الروائي القصير «سبيل» للمخرج الإماراتي خالد المحمود، مثالاً قوياً لكيفية الاشتغال على المكان من جانبه الأكثر انفتاحاً على التأويل الجمالي وعلى الفضاء الروحي النقي حدّ التلاشي والانمحاء والذوبان، ذلك أنه فيلم يتمتع بلغة تعبيرية عالية وبكادرات مشهدية أنيقة تكاد تكون شفافة وتلامس نوافذ الروح، حيث يعرض المحمود ومن خلال سيناريو متقن للشاعر محمد حسن أحمد، قصة شقيقين يعتنيان بجدتهما المريضة وسط بيئة جبلية معزولة، بحيث تكون صلة الوصل الوحيدة بين هذين الشقيقين وبين العالم الخارجي هي الدراجة النارية التي يستقلانها إلى الشارع العام من أجل بيع الخضراوات التي يزرعانها حتى يمكن لهما شراء الدواء الذي تحتاجه الجدة. تتحدث الكاميرا هنا ومن خلال متواليات بصرية متقنة وانتباه صاف لمعنى الوحشة ولهوس الفقد المسيطرين على المكان وعلى دواخل الشقيقين أيضاً، وكان لغياب الحوار عن الفيلم دور في إضفاء حس تأملي كبير على أجواء الفيلم رغم الإشارات المأساوية في نسيج الحكاية، وكان الصمت الطاغي هنا يتلون بأصداء عميقة وبصرخات وتأوهات، لا يمكن سوى للسينما، والسينما وحدها أن تنقلها للمشاهد بكل هذا الوعي الجريح، وبكل هذا الألم العاري والمنهمر نحو البصر والبصيرة في آن.
وفي فيلمين روائيين مهمين في المشهد السينمائي المحلي هما: «ساير الجنة» للمخرج سعيد سالمين، و«ولادة» للمخرج عبدالله حسن أحمد، كان «المكان» هو بمثابة الصوت الآخر لشخصيات متأزّمة حتى النخاع، اكتمل فيها الوجع حتى صار أرضاً جرداء في حضرة جبال صامتة وموغلة في النأي والكتمان، واستطاع سالمين أن يصوغ حكاية الفيلم في المسار المتلاحق لـ«سينما الطريق» وبما تحمله الأحداث من مفاجآت وانكسارات وأحلام مؤجلة يختزنها طفل صغير في داخله بحثاً عن جدته انطلاقاً من العاصمة «أبوظبي» ووصولاً إلى إمارة «الفجيرة»، أما عبدالله حسن فوضع في فيلمه «ولادة» ثلاث حكايات متشابكة وسط بيئة جبلية معزولة، تتأسس كل حكاية من وجهة نظر الشخصية الرئيسية المحركة لأحداثها، لتتلاقى هذه الحكايات في النهاية ضمن مسار مشترك يلخص فلسفة الموت والحياة، باعتبارهما رديفين لإيقاع أبدي يشكّل حياة البشر ويجعلان من المأساة والملهاة خطين يرسمان مصير الإنسان، ويؤلفان دراما الوجود بأكمله.