قصص واقعية تكشف الأخطاء الشائعة للآباء في تربية الأبناء
ظهرت مشاكل جديدة تؤثر على حياة الأطفال في المجتمعات الحالية، أدت إلى تراجع الأداء والتفاعل، وتسبب في زيادة حالات الانطواء وصعوبات التعلم، مما قد يؤدي مستقبلاً إلى مخرجات ضعيفة تنعكس على مستوى العطاء، حيث أصبح البيت الواحد يعاني عزلة بين أفراده، بسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ودخول العوالم الافتراضية، والاهتمام بالماديات وغياب الاعتناء بالجانب العاطفي، وعدم التحلي بالصبر، وعدم فهم المراحل العمرية للصغار، وغياب ثقافة الوعي باحتياجات الأطفال النفسية، ويعزز هذه المواقف جهل الآباء بآليات مواجهة هذه المواقف الحديثة، وهو ما كشفته برامج مؤسسة التنمية الأسرية، من خلال قصص واقعية أكدت أهمية تصحيح الأخطاء الشائعة في تربية الأبناء.
لكبيرة التونسي (أبوظبي)
تولي مؤسسة التنمية الأسرية اهتماماً كبيراً بهذا الموضوع وتنظم دورات متخصصة في مجال الطفولة وتؤسس لمفهوم العلاقات بين الآباء والأبناء، ومنها برنامج «العلاقة الوالدية – مرحلة الطفولة»، الذي ينفذ في مراكز المؤسسة من 14 إلى 30 أبريل الجاري، ويهدف إلى تعزيز المفاهيم الخاصة بالخصائص النمائية المختلفة للصغار، مع التركيز على مجالات النمو الانفعالي والاجتماعي والعاطفي، وتعزيز العلاقة الإيجابية والتدريب على آليات التعامل مع الأطفال للارتقاء بالأسر، وتحقيق بنية أسرية متوازنة.
وينفذ البرنامج في المنطقة الوسطى بمركز أبوظبي وبوابة أبوظبي، الوثبة والشهامة، وبالمنطقة الشرقية في مراكز العين، الهير، رماح، الشويب، سويحان والوقن، بينما يطبق في المنطق الغربية بمراكز مدينة زايد، دلما، المرفأ، غياثي والسلع ويطرح عدداً من المواضيع، أهمها : آليات بناء العلاقات الوالدية الإيجابية، التواصل الإيجابي مع الأطفال ودوره في تعزيز العلاقة الوالدية، الخصائص والاحتياجات النمائية النفسية والاجتماعية والتربوية للطفل وأساليب التعامل معها، استراتيجيات تعزيز السلوكيات الإيجابية وتعديل سلوكيات الأطفال.
حاجات الطفل
والبرنامج عبارة عن ورش تدريب متخصصة لتعزيز العلاقة بين الآباء والأبناء في مرحلة الطفولة، ويستهدف الآباء والأمهات بشكل خاص، بالإضافة إلى مقدمي الرعاية للأطفال وأفراد الأسر التي لديها أطفال من عمر يوم ولغاية 12 عاماً، ويركز على تعزيز السلوكيات الإيجابية لدى الأطفال وتمكين الوالدين من تطبيق استراتيجيات توجيه وتعديل سلوكيات الأطفال السلبية، التي أصبحت منتشرة بشكل كبير في المجتمع ويجهل أولياء الأمور التعامل معها، إلى ذلك تقول الدكتورة هبة شركس، الاستشارية التربوية والأسرية إن بناء العلاقة بين الآباء والأبناء تتطلب مهارات وثقافة، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل التكنولوجيا التي عمقت هذه المشاكل كمستجدات يصعب التعامل معها إلى جانب طغيان المادة على العلاقات.
إشباع الحاجات
إن أغلب الآباء اليوم أصبحوا مهتمين بإشباع الحاجات المادية للطفل منصرفين عن إشباع حاجاته العاطفية التي تؤدي إلى بناء علاقة قوية بين الآباء والأبناء، حيث أوضحت شركس أن الإشباع العاطفي يفتح باب التواصل الفعال، ويؤسس لعلاقة سوية، ويطور مهارات الصغار ويبني شخصيتهم، ويعدل سلوكهم، كما أن إشباع حاجاتهم العاطفية يعتبر مفتاحا لعالم التربية والتنشئة السوية، وتوضح شركس أن الغالبية العظمى من الأمهات والآباء اليوم يركزون على الإشباع المادي ويغفلون الجانب النفسي والعاطفي الذي أصبح يوكل للخادمة، أو المربية ولا يقوم به الأهل بأنفسهم، مؤكدة أن الإشباع العاطفي يتمثل في الحب والاحترام والقبول غير المشروط والاهتمام، مشددة على ضرورة خلق ضوابط للطفل ورسم خطوط حمراء وقواعد للتربية لا يجب تجاوزها، مؤكدة أن التوازن بين الإشباع العاطفي ورسم الضوابط يساعد على النمو السليم، ويجعل تركيبة الطفل النفسية سوية، وأن ذلك يحمي الطفل مستقبلا في سن المراهقة.
وتضيف : هناك سؤال يتكرر دائماً عند الآباء خلال حضورهم للدورات، حيث يقولون: هل الإشباع العاطفي يؤدي إلى الدلال؟ والإجابة أن الاحتياجات النفسية والعاطفية للطفل يجب أن تكون في خط متساو مع الضوابط وقواعد التربية والحزم بالإضافة للحب والحنان، وهناك سؤال آخر كذلك تردده الأمهات: من أين لنا الوقت للقيام بذلك؟ وهنا نركز على الكيف وليس الكم، وعلى الجودة، حيث يمكن أن أقضي مع ابني نصف ساعة مثمرة أفضل بكثير ما أقضي معه أربع ساعات دون أن نتحدث أو نتواصل في موضوع معين، وركزنا على ضرورة قضاء وقت نوعي مع الأطفال بعيدا عن التوتر والضغط ووسائل التواصل الاجتماعي.
قصص واقعية
تم التركيز خلال دورة العلاقة الوالدية في المحور الذي قدمته الدكتورة هبة شركس على أنواع الاحتياجات النفسية للأطفال، مدعمة بالقصص الواقعية، وتقول عن ذلك: شملت الدورة مناقشات وعرض قصص والتعليق عليها أيضاً، كما كنا نجيب عن استفسارات الحضور، وتصحيح بعض الأخطاء الشائعة من خلالها، فمن ذلك مثلاً قصة أم حديثة تلقت كماً هائلًا من النصائح من صديقاتها وأقاربها بعد الولادة، فمن هم من يقول لها ارضعي ابنك واتركيه على السرير ولا تحمليه حتى لا يتعود عليك، ومنهم من يقول لها: إذا بكى لا تحمليه واتركيه حتى تتغير عادته، وغيرها من النصائح غير المبنية على أسس علمية وإنما تتعلق بتجارب شخصية، وأحيانا تكون خاطئة وتسبب مشاكل نفسية للرضيع، واعتمدنا على أسلوب القصص لخلق نوع من التفاعل والإجابة على أسئلة معلقة عند الحضور من الواقع، كما تحدثنا عن خطورة مرحلة سن 12 وهو سن مفصلي والذي ينقلنا إلى مرحلة المراهقة، بحيث إن كل ما تلقاه الطفل في هذه السنين إما يوصله إلى مراهقة آمنة أو مراهقة متمردة أو انسحابية».
وتوضح شركس أنه لم يتم التطرق لأنواع المراهقة خلال الدورة واكتفت بشرحها: إن كل ما يتلقاه الطفل منذ بداية عمره إلى 12 سنة ينعكس على حياته في المراهقة، فإذا كانت حياة طفولته سليمة تمر مراهقته بآمان، وإذا تلقى تربية خاطئة وعانى الضغوط، فإنه سيعاني في المراهقة، أما المراهقة المتمردة فهي انعكاس لما تلقاه الطفل من تربية في الصغر، بحيث كان يتلقى انتقادات، فأصبح يرى نفسه سلبيا فيبدأ بالتمرد على المجتمع وعلى الأسرة ويظهر ذلك على شكل سلوكيات غير سوية، كالتعامل مع الأهل بطريقة غير سوية ويخرج عن الضوابط، يصبح عصبياً، كما أن عدم الإشباع العاطفي له صورة أخرى من صور المراهقة وهي الانسحابية، وهو الشخص المنغلق على ذاته، دائم الشرود، قليل التركيز، لا يتوفر على مشاركات اجتماعية.
ضعف التواصل
وشغل الواقع الافتراضي حياة الأطفال، وجعلهم يدخلون في عزلة دائمة، مما أصبح يشكل هاجسا لبعض الأمهات والآباء الذين باتوا يبحثون عن الحل، وفي هذا الصدد تقول شركس، الكثير من الأمهات خلال هذه الدورة أبدى تخوفه من هذا العالم الذي أصبح مفروضا على العلاقات الاجتماعية وفرق بين أفراد الأسر الواحدة، لرفع هذا القلق فإن الآباء يجب أن يشكلوا قدوة لأبنائهم، ويبتعدوا عن الاهتمام الكثير بهذه العوالم والانشغال بها، ونعمل على إشراك الأطفال في أنشطة فاعلة، إلى جانب تحديد ساعات لذلك، بدل ترك المجال مفتوحا للدخول لهذا العالم الافتراضي وممارسة الألعاب الإلكترونية، ومشاركة الأطفال اهتماماتهم والتمتع بسعة الصدر والصبر في الرد على أسئلتهم، والسماح لهم بممارسة بعض الأعمال في البيت كإشراك البنت في الطبخ، ومساعدة الابن لوالده.
مرحلة «المبادرة» خارج حساب اهتمامات الأهل
أكدت الاستشارية التربوية والأسرية هبة شركس أن الأهل يجهلون بمرحلة عمرية حساسة جداً في حياة الأطفال وهي المرحلة العمرية من 3 إلى 6 سنوات والتي يطلق عليها «مرحلة المبادرة»، موضحة أن الطفل في هذه المرحلة يتمتع بقدرات هائلة جداً.
وقالت: تتميز هذه المرحلة إما بالمبادرة أو الشعور بالذنب، وذلك من خلال تعاملنا معه، فالطفلة مثلا تحاول تجريب كل شيء وتبادر وتطلب التشجيع كالدخول للمطبخ ومحاولة مساعدة والدتها في بعض الشؤون، وتتمتع بقمة الرغبة في تحقيق الإنجازات، فإذا قوبلت أعمالها بنوع من التشجيع فإنها ستستمر وتستكشف مهاراتها وتتعلم، أما إذا قوبلت سلوكياتهم بالانتقاد وتم الحد من مبادراتها فإنها تصبح اتكالية، وهذا ما نلاحظه، حيث تفتقد بعض البنات اليوم إلى أبسط آليات التعامل مع المطبخ وغيرها من المتعلقات بالبيت، كما أن عدم التحلي بالصبر وبدافع الحماية الزائدة نجعل الطفل يتخلى عن مبادراته ونحد منها، كما أن وجود الخادمة في البيت بشكل مستمر والتي عادة ما تمنع الصغار من التدخل في شؤون البيت، عمق هذه الفجوة، مما علمهم الاتكالية، كما أكدنا أيضاً على أهمية اللعب وخاصة الألعاب الشعبية الحية التي تعتبر مدرسة يتعلم منها الأطفال.