بيروت - كارولين بعيني:
كثيرة هي الكتب التي تدور في فلك الاسلام وكثيرون هم الباحثون في هذا المجال، الا ان اللافت في كتاب المفكر والباحث والاستاذ في كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية عدنان السيد حسين هو تلك المحاولة لشرح مفاهيم العلاقات الدولية الحدثية انطلاقاً من العقيدة الاسلامية واحكام الشريعة والاجتهادات الفهية·
فالباحث الذي امضى اربع سنوات سابراً اغوار المذاهب الاسلامية كافة، خرج باستنتاجات هامة في هذا المجال ابرزها ان الشريعة الاسلامية تندرج في اطار الصالح العام بعيداً عن التعصب والتمذهب والارهاب الذي هو ابعد ما يكون عن الاسلام فيما الجهاد في الاسلام ليس سوى جهاد دفاعي·
'الاتحاد' التقت الدكتور عدنان السيد حسين صاحب ثمانية عشر مؤلفاً في الفكر السياسي والعلاقات الدولية والذي طالب بضرورة وجود دائرة خاصة في مجمع الفقه الاسلامي تعنى بشؤون القانون العام والعلاقات الدولية للافادة من المعطيات الدولية الحديثة·
وهنا نص الحوار:
من أين انطلقت فكرة هذا الكتاب، وما الهدف الذي اردت ان تصل اليه من خلاله؟
قبل احداث 11 سبتمبر وجدت ان هناك نقصاً في الدراسات الاكاديمية التي تتعلق بالحضارة الاسلامية والفكر الاسلامي في مجال العلاقات الدولية· نحن ندرّس في الجامعات كل ما يتعلق بالغرب، القانون والسياسة، ولكن قلما نتوقف عند افكار وحضارات الشرق من الهند الى الصين الى اليابان، فضلاً عن النقص في الدراسات في مجال الحضارة الاسلامية·
كان لا بد من اجراء دراسة مقارنة ما بين الفقه الاسلامي والقانون الدولي في الاطار القانوني، ودراسة ايضاً مقارنة ما بين السياسة الشرعية الاسلامية والسياسة الدولية الراهنة، فهذا الكتاب هو قانوني وسياسي ويحمل ابعاداً انسانية تتعلق بالدراسات الانسانية التي صارت جزءاً من دراسات العلاقات الدولية·
بعد احداث 11 سبتمبر تضاعفت الحاجة في رأينا الى مثل هذا الكتاب كون الاسلام صار متهماً بالارهاب، كان لا بد من اعادة الاعتبار الى دراسات معمقة تأخذ الاسلام كما هو بعيداً عن التسييس والارتزاق والتعصب والتمذهب وهذا ما دفعنا الى كتابة هذا الكتاب الذي اقتضى منا أكثر من أربع سنوات·
ما هي العقبات التي واجهتك اثناء كتابتك لهذا الكتاب؟
هناك عقبات كثيرة ابرزها ضعف التواصل بين البلاد الاسلامية على الرغم من انشاء منظمة المؤتمر الاسلامي التي كان عليها واجب جمع الطاقات والامكانات الاسلامية خاصة في مجال الدفاع عن الحضارة والثقافة الاسلامية، اما العقبة الثانية فتتمثل بالدفاع الغير مبرر عن بعض الافكار مما يدفع الباحث لتبني هذه الافكار، وهنا علينا ان نقارن بين افكار عدة وان ندقق في المعلومات التي تصلنا من المؤرخين عبر كتب ووثائق التاريخ، كما علينا ان نجري دراسة مقارنة بين الماضي والحاضر لجهة تصويب بعض المفاهيم المتعلقة مثلاً بدار الحرب ودار السلام، وهي التي شغلت العالم الاسلامي والفقهاء المسلمين فترة من الزمن، مما اقتضى ان اطلع على مجمل المدارس الفقهية لدرجة ان يشعر الباحث ان هناك فائدة تؤخذ من كل هذه المدارس·
احياناً هناك تضارب حتى داخل المذهب الواحد وفي رأيي هذا ليس بإشكالية وهذا ليس بنقص على الاطلاق هذه اجتهادات تتعلق بأمور لا يوجد حولها نص· في طبيعة الحال الاجتهاد مطلوب الآن وفي رأينا يجب اعادة الاعتبار لدور العقل في الفكر الاسلامي بعيداً عن الغيبيات والتأملات الماورائية التي لا تجيب عن مشاكلنا الراهنة في العالم الاسلامي·
الا تعتقد ان الاجتهاد تراجع في الفترة الاخيرة في الاسلام؟
هذا ما اشرنا اليه في الكتاب كما اشرنا الى ضرورة اعطاء العقل مكانا اضافيا كي يستطيع ان يبدع في مجال الاجتهاد للاجابة على مشكلات اساسية في العلاقات الدولية مثلاً، مواقفنا من البيئة والتنمية وديمقراطية العلاقات الدولية من حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني وطريقة النظام الدولي، من التنظيم الاقليمي للعالم الاسلامي وغيرها من القضايا التي تحتاج الى دراسة وتحصيل·
هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ انما استفاد من التاريخ ليدرس احكاما فقهية ثم ليقارن مدى صوابية هذه الاحكام مع واقعنا الراهن بما فيه من تحديات وقد توصلنا الى ضرورة تجديد الاجتهاد وتجديد بعض قواعد الفقه في مجال المعاملات وتأتي العلاقات الدولية في باب المعاملات وليس في باب العبادات·
هذه بعض الاستنتاجات التي توصلتم لها من خلال الكتاب، ماذا عن الاستنتاجات الاخرى؟
توصلنا الى العديد من الاستنتاجات ابرزها ان الحضارة الاسلامية اعطت الانسانية عطاءات زاخرة· ففي قواعد الحرب والسلم احترام المعاهدات وإيواء الاسرة وعدم ايذائهم واسعاف الجرحى وعدم قتل الاطفال والعجزة والنساء في الحرب كل هذه الامور اعتمدها وعرفها المسلمون قبل معاهدة جنيف بمئات السنين· اما الاستنتاج الاكبر فهو ان الشرعية الاسلامية التي تلخص بعنوان كبير هو الصالح العام والذي يؤمن بالصالح العام لا ينحو في دروب التعصب والتمذهب والارهاب، فالاسلام ليس دين ارهاب وهذا اهم الاستنتاجات وقد ميزنا في الكتاب بين الجهاد والارهاب وقلنا ان الجهاد ليس فقط جهاد حرب انما جهاد بالكلمة والرأي والنضال السياسي، ثم ان الجهاد هو جهاد دفاعي في الاعمال الحربية الاسلام لا يبيح الحرب الاستباقية، لا حرب استباقية في الاسلام، الحرب تقع عندما يتعرض المسلمون الى الخطر وعندما تحقر العقيدة الدينية·
كذلك توصلنا الى ضرورة ان يكون عندنا في مجمع الفقه الاسلامي دائرة خاصة تعنى بالقانون العام والعلاقات الدولية حتى نفيد من المعطيات الدولية المعاصرة·
هذا يعني ان الاسلام منسجم تماماً مع طبيعة العلاقات الدولية الجديدة؟
لماذا لا نقول ان العلاقات الدولية الجديدة اتت منسجمة مع حضارة اسلامية بعدما ترجمت هذه الحضارة عبر بوابة الاندلس الى كافة لغات العالم·
فالفيلسوف الكبير والعالم ابن رشد ترجمت افعاله واقواله الى كافة ارجاء العالم وكان له اتباع في اوروبا سموا بالرشديين·
هل يساهم العالم الاسلامي في انقاذ الاسرة الدولية؟
نحن طالبنا بأن يساهم العالم الاسلامي في انقاذ الاسرة الدولية بعد ان انتبه عدد من مفكري الغرب الى مخاطر المادية الآتية من الحرب·
فالعالم الاسلامي يساهم في انقاذ الاسرة الدولية من خلال التأكيد على دور وقيمة الانسان لا قيمة المادة التي وجدت لخدمة الانسان، بل الدين في اصله واساسه اتى لخدمة الانسان، وليس الانسان عبداً من اجل خدمة الدين· فالعبودية فقط لرب العالمين، نحن ندعو الى اطلاق حرية الارادة الانسانية ونلتقي هنا مع ما دعا اليه المفكر الفرنسي المعاصر وعالم الاجتماع المعروف ادغار موران الذي حذر من المادية الغربية·
الا ترى ان العالم الاسلامي يواكب معطيات العلاقات الدولية الجديدة؟
العالم الاسلامي مدعو لان يكافح الامية، كيف نطلب من الناس ان تشارك في القرار السياسي وبناء الدولة فيما الامية تجتاحنا، كيف نطلب من المجتمع ان يتطور اذا كانت المرأة مهمشة، كيف يمكن ان نرتقي بالمجتمع اذا كانت حقوق الطفل منتهكة جسدياً ونفسياً وعلمياً· اذاً لا بد من النهضة الكاملة في كافة المجالات والنواحي على قاعدة الحفاظ على الكرامة الانسانية وحماية حرية الانسان وهذه من ابرز المعايير التي اتت بها الشريعة الاسلامية عندما اشارت الى حقوق الانسان كل انسان·
اذاً المطلوب التجديد في الفكر الاسلامي؟
بالتأكيد·
وهل يمكن برأيك التجديد في هذا الفكر في ظل وجود مسلمين متشددين وجماعات اسلامية متطرفة؟
لا بد من النضال من اجل اكتساب الحرية، ولا بد من التمسك بحقوق الانسان والدفاع عنها وبالتالي نحتاج الى الحرية مع العدالة داخل مجتمعاتنا الاسلامية، ودولنا اذا لم تتطور لتواكب العصر لن نخدم بالتالي الحضارة الاسلامية ولن نكون امناء على تراث قديم كان زاخراً ومزدهراً في مرحلة ما بين القرن السابع الميلادي والقرن الثالث عشر ميلادي·
يجب إعادة الاعتبار لدور العقل في الفكر الإسلامي
المصدر: 0