لم يفاجئني التقرير الإخباري الذي بثته وكالة رويترز قبل عدة أيام عن أزمة مياه محتملة في الإمارات، ولم أستغرب الخبر الذي توقعه الخبراء منذ خمسة أعوام خلت، المفاجئ في التقرير ما كان عن تأثير أزمة المياه حتى على دور الإمارات كدولة مصدرة للغاز، فقد ذكر التقرير أن محطات التحلية التي تعمل عادة بالغاز الطبيعي، تلتهم نسبة كبيرة من الغاز الإماراتي في سبيل توفير المياه للسكان الذين اقترب عددهم من ستة ملايين شخص. يستغرب البعض ويقولون أين المشكلة؟ فهم يجدون أخبار أزمة المياه مثل «الكلام الفاضي» ماداموا يفتحون الصنابير وتصب عليهم المياه قوية هادرة، ومازالوا يفتحون «الدوش» ليستمتعوا بالشلالات المنسابة، أين المشكلة مادام الماء موجوداً؟ أزمة المياه التي يتحدث الجميع عنها لن تحدث اليوم أو غداً لكنها قادمة لامحالة بعد خمسين عاماً، وإن لم نجد لها حلاً جذرياً هذه الأيام، فسنعيش مع العالم في صراع على كوب الماء، وسيعيش أهل الإمارات القادمون حالة شح مياه قوية يشتموننا بسببها صباح مساء! لا يدرك الكثيرون أن استهلاك الفرد في أبوظبي فقط يصل إلى 550 ليتر ماء يومياً، أي ما يزيد على 300 زجاجة مياه من الحجم الكبير كل يوم! يستهلكها الشخص للاستحمام مرتين، وغسل الأسنان والسيارة والملابس والطبخ، ولكنه للأسف لا يشرب منها الثمانية أكواب المقررة صحياً للإنسان كل نهار! قبل عدة أيام أرسلت حكومة أبوظبي رسائل نصية للهواتف المتحركة تطلب السماح لفنيي تقنين المياه الدخول في البيوت لتركيب معدات الحد من الاستهلاك الجائر، هذه الرسائل تعكس توجهاً حكومياً كبيراً لتخفيف الإسراف في الموارد سواء كانت المياه، أو الكهرباء التي سبق تنظيم حملات للحد من استهلاكها. التحرك الإداري الرسمي لاحتواء الأزمة عمل جيد يسهم بالتأكيد في التخفيف منها، لكن الدور الأكبر يقع على عاتق الناس، ولن تنفع حملات التوعية مع أولئك الذين وفدوا أصلاً من مجتمعات تستهلك المياه بلا حساب، لكنها بالتأكيد ناجحة مع الجيل القادم من الأطفال الصغار. لأن عقول الأطفال أكثر قابلية لاستيعاب عادات الحياة من الكبار الذين تشكلت مفاهيمهم وعاداتهم عبر السنين، بينما الصغار غضو العود قليلو الخبرة يستوعبون بشكل أكبر سلوكيات تخفيض استهلاك المياه والكهرباء وحماية البيئة، ما يجعل الدور المرمي على عاتق وزارة التربية والتعليم كبيراً في توفير منهج متخصص لمادة «بيئة» يتم تدريسها في المدارس وتعليمها للصغار منذ الابتدائية، تكبر معهم أفكارها وعاداتها فتصبح علاجاً جذرياً لاستهلاك المياه الجائر، ويتعلمون عبرها طرق توفير الطاقة والحد من الانبعاثات الكربونية عبر التدوير وإعادة الاستعمال، وحتى طرق الاستحمام والنظافة الموفرة للطاقة والصديقة للبيئة.