وافَقَ شن طَبَقة
كل منا يحمل صفات تختلف عن الآخرين، وتحيطنا في مسيرة حياتنا شخصيات مميزة وأطياف مختلفة، وينصهر في داخلنا مزيج من أطباع تعود في أصلها إلى عدة عوامل منها وراثية ومنها ما يتكون من أثر البيئة ومنها ما يُكتسب من التربية والتنشئة وغير ذلك من العوامل الأخرى التي يعود إليها السبب في تكوين شخصية كل واحد منا، ومع كل تلك العوامل يبقى الاختلاف في الأطباع والشخصيات حكمة إلهية عظيمة، وأمرا لا شك طبيعيا، قال تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ''118) صدق الله العظيم- سورة هود· ومن الأسرار العجيبة فينا نحن البشر أن الأطباع المتشابهة بنا والشخصيات المتقاربة حولنا هي الأكثر انسجاماً فيما بينها والعكس كذلك صحيح، أكد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (الأرواح جنودٌ مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)·
أول ما يتبادر إلى الذهن عند قراءة هذا المثل 'وافَقَ شن طبقة' لمن لم يقف على معناه أن أصله مترجم إلى العربية وأنه يعود إلى جذور شرقية- اليابان أو الصين مثلاً- ولعل أحدنا يخمن أن كلمة 'شن' اسم لشخصية واقعية أو أسطورية من تلكم البلاد، أو اسم لإحدى المقاطعات الشهيرة المنضمة تحت لواء امبراطورية فسيحة الأرجاء قامت في الماضي، أو اسم لأسرة عريقة لعبت دوراً سياسياً أو حضارياً! أما كلمة 'طبقة' فقد يُخمن أن معناها عائد إلى الأطباق والأواني الصينية الشرقية التي نالت شهرة واسعة منذ قديم الزمان حتى الآن، أو شيء من هذا القبيل··! وتبقى تلكم مجرد تخمينات واجتهادات لم توفق إلى الصواب، فما معنى 'شَنٌّ' وما علاقته بـ 'طبقة'؟ ومتى 'وافق شن طبقة'؟ المهم أننا نستبعد أن يكون هذا المثل هو مثل عربي·· بل هو كذلك!
ذكر أبو الفضل الميداني (518هـ) في كتابه مجمع الأمثال وغيره ممن صنف في الأمثال هذا المثل 'وافق شن طبقة' وشرح معناه، وقصة المثل أن رجلاً من دهاة العرب وعقلائهم يقال له (شن) قال: 'والله لأطوفن حتى أجد امرأة مثلي أتزوجها'، فبينما هو في بعض مسيره اذا برجل في الطريق فسأله شن أين تريد؟ فقال: موضع كذا- يريد القرية التي يقصدها شن- فرافقه حتى اذا أخذا في السير قال له شن: 'أتحملني أم أحملك'؟ فقال له الرجل: 'يا جاهل أنا راكب وأنت راكب فكيف أحملك أو تحملني!' فسكت عنه شن· وسارا حتى اذا قربا من القرية اذا بزرع قد استحصد فقال شن: 'أترى هذا الزرع أُكِل أم لا؟ فقال له الرجل: 'يا جاهل ترى نبتاً مستحصداً فتقول أُكِل أم لا!' فسكت عنه شن· حتى إذا دخلا القرية لقيتهما جنازة فقال شن: 'أترى صاحب هذا النعش حياً أو ميتاً؟ 'فقال له الرجل: 'ما رأيت أجهل منك! ترى جنارة تسأل عنها أميت صاحبها أم حي؟' فسكت عنه شن· فأراد مفارقته فأبى الرجل أن يتركه حتى يصير به إلى منزله فمضى معه فكان للرجل بنت يقال لها (طبقة) فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه فأخبرها بمرافقته إياه وشكا إليها جهله وحدثها بحديثه فقالت: 'يا أبت ما هذا بجاهل، أما قوله 'أتحملني أم أحملك؟' فأراد 'أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع طريقنا' وأما قوله 'أترى هذا الزرع أُكل أم لا؟' فأراد 'هل باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا؟' وأما قوله في الجنازة فأراد 'هل ترك عقباً يحيا بهم ذكره أم لا؟' فخرج الرجل فقعد مع شن فحادثه ساعة ثم قال: 'أتحب أن أفسر لك ما سألتني عنه'· قال: 'نعم'· ففسره فقال 'شن': 'ما هذا من كلامك فأخبرني عن صاحبه'· قال: 'ابنة لي'· فخطبها إليه فزوجه إياها وحملها إلى أهله فلما رأوها وعرفوا الأمر قالوا: 'وافَقَ شن طبقة' فذهبت مثلا يضرب للمتوافقين·
شخصية 'شن' بما تحمله من جدية ومثابرة ودقة ورسالة في الحياة أوصلته إلى غايته التي سعى من أجلها، والوصول إلى شخصية 'طَبَقة' أمر فيه صعوبة ولكنه ممكن الحدوث من خلال تفهم الشخصيات الأخرى والتمهل قبل الحكم على الآخرين ومراعاة العوامل المؤثرة في طبائع الشخصيات من مثل البيئة والتربية والثقافة··· ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة حيث كان يخاطب الناس على قدر عقولها ويُنزل الناس منازلها، بأدب يعجز عن الوصف وخُلق أكده الله بأنه على خُلق عظيم، ومن أعظم جوانب الشخصية الخُلق الكريم وهو المفتاح إلى قلوب الآخرين، وهكذا نستطيع أن نوفق إلى الانسجام فيما بيننا ونتفهم شخصيات الآخرين، فاللهم اجعلنا متوافقين ومتفهمين لمَنْ حولنا كما 'وافَقَ شن طَبقة'·
منصور محمد المهيري
المصدر: 0