القانون الصيني لمناهضة الانفصال ·· شأن داخلي وأرق دولي
السعد عمر المنهالي:
يبدو أن حمى المظاهرات التي ضربت أواسط آسيا وأوروبا ومن ثم الشرق الأوسط مؤخرا قد وصلت في مداها شرق آسيا، وذلك بعد أن أصبح خروج العامة في مسيرات تملأ الشوارع والميادين وسيلة فاعلة في التعبير عن الرأي والرفض والاستهجان والرغبة الملحة في التغيير بصورة جماعية، غير أن المختلف هذه المرة أن التظاهرة المنتظرة في السادس والعشرين من مارس القادم ستكون ضد بلاد فيها أكبر عدد سكان في العام -عدد سكانه مليار و600 مليون نسمة-، ليقول فيها أقلية -لا يعلم كم ستضم من التايوانيين البالغ عددهم 23 مليون نسمة- 'لا نريد الانضمام إليكم'!!·
كانت دعوة الرئيس التايواني 'شين شوي' في السادس عشر من مارس عام 2005 التايوانيين للخروج والتظاهر ضد قانون مناهضة الانفصال -أو قانون رفض تقسيم الوطن- الذي اقره البرلمان الصيني في الرابع عشر مارس عام ،2005 بمثابة صفعة سياسية في وجه النظام في بكين، سيما وأن خروج الجموع في تظاهرة ستكون بمثابة استفتاء حركي يقول فيه التايوانيون 'لا' للانضمام و 'نعم' للاستقلال· فكيف ستتعامل الصين مع الأمر في وقت أصبح المجتمع الدولي يولي لتك التظاهرات قيمة وذريعة شرعية للتغيير لا يمكن تجاهلها·
بعد موافقة 2896 عضوا من أعضاء البرلمان الصيني وامتناع عضوين فقط وتوقيع الرئيس الصيني 'هو جينتاو' على القانون المُقر، حصلت الحكومة في بكين على الإذن باستخدام القوة العسكرية ضد تايوان في حالة طلبها الاستقلال عن الصين، وذلك كحل أخير لإرجاع 'تايبيه' عن موقفها بعد نفاد كل الطرق الأخرى· ورغم وضوح القانون إلا أن ردود الأفعال التايوانية دفعت الصينيين إلى تخفيف حدة الإشارة التي خرجت من البرلمان فور توقيع القانون والقول بأنه لا يعني تغييرا أو تعديلا على مبادئ سياسات بكين تجاه 'تايبيه'، ولكن دون تقديم أي تفسير عن موعد استخدام القوة العسكرية ودواعيها·
من يقرر حق تقرير المصير؟
كان أول ما صرح به الرئيس التايواني 'تشين شوي بيان' بعد وصوله خبر قانون استخدام القوة ضد بلاده: بأن 'الصين ليس لها أي حق في تقرير المستقبل السياسي لتايوان'· وتبدو حدة هذا التصريح كونه يتجاهل حقائق تاريخية لا تزال الصين تعدها كأساس في ملف تايوان لا يمكن تجاوزه· غير أن رغبة 'تشين' هذه تواجه صعوبات حتى داخل تايوان نفسها، فبالرغم من أنه ينتمي إلى الحزب الديموقراطي الذي يسعى إلى استقلال تايوان عن الصين إلا أنه لا يمثل الأغلبية في البرلمان التايواني الذي يسيطر عليه الحزب 'القومي' المعارض وحزب 'الشعب أولا' -حصلا على أكثر من نصف المقاعد البرلمانية في انتخابات ديسمبر عام 2004- وللحزبين موقفان يعتمدان هدوءا أكثر ومصالحة مع بكين·
ويبدو من النظر في الخريطة السياسية في تايوان أن تحركات الحكومة لا تستند على شرعية قوية في مطلبها بالانفصال، ولذا فإن دعوة الرئيس 'تشين شوي بيان' للخروج والتظاهر والاحتجاج على قانون رفض التقسيم الصيني تبدو كمحاولة التفاف على البرلمان وتوجهات الأغلبية فيه التي تفضل السلامة والتصالح مع الوطن الأم وعدم الانسلاخ عن التاريخ!·
من التاريخ
عندما وصل الشيعيون إلى الصين عام 1949 وفرضوا سيطرتهم على البلاد، فر الحاكم 'تشاينغ كاي' إلى تايوان إحدى الجزر الصينية -احتلها اليابان عام 1895 حتى عام 1945- بعد أن اصطحب معه أعضاء آخر مجلس نيابي كان منتخب في بكين، وأعلن من هناك 'جمهورية الصين الوطنية'، ونتيجة للموقف الدولي من الحزب الشيوعي في بكين حصلت الحكومة في 'تايوان' على اعتراف دولي كحكومة شرعية للصين وبذلك حصلت على عضوية دائمة في مجلس الأمن بدعم من الولايات المتحدة الأميركية·
كان نتيجة هذا عزل الحكومة الشيوعية في 'بكين' بين جدران سجن دولي بسبب أيدلوجيتها، وظل الأمر كذلك حتى بدأت مرحلة جديدة قررت فيها الولايات المتحدة إعادة النظر في سياستها الخارجية تجاه الصين، فكان موقف واشنطن المتغير ناحية الصين -منذ عام 1972- وسيلة لكسر تحالف (بكين موسكو)، في حين وصلت قمة الانفراج السياسي الذي شهدته العلاقة بين العاصمتين عام 1979 بعد اعتراف واشنطن ببكين وسحب اعترافها بتايوان مستبدلة إياها في مختلف المنظمات الدولية التي كانت 'تايبيه' تتربع فيها قبلا·
دعوة للاستقلال
لم تظهر أي دعوة تايوانية للاستقلال في تلك الفترة، بل على العكس كان تمثيلهم الدولي للصين الدولة والجزيرة على رأس اولويات العمل السياسي للنظام العسكري هناك، وفي مقابل تراجع الدور الدولي للتايوانيين استمروا في طريقهم نحو بناء دولة معاصرة تملك مقدرات الدولة الكاملة، وهذا ما بدا جليا من التحول الديموقراطي الذي شهدته البلاد، فكان التحول عن نظام الحكم العسكري تدريجياً ممهداً الطريق أمام انتخابات رئاسية مباشرة جرت في ديسمبر ،1995 تغيرت فيها الخريطة السياسية تماما بعد تراجع شعبية الحزب الحاكم وبرزت قوى أخرى في البلاد رفعت شعارات لم يعهدها التايوانيون تصب في إطار الدعوة لإقامة دولة مستقلة تماما عن الصين، ولعل هذه الدعوة خاصة هي من جاءت بـ'الحزب الديموقراطي' في مارس 2000 إلى السلطة·
أدرك الصينيون مبكرا تلك الرغبة لدى بعض القادة في تايوان، ولذا حاولت بكين مرارا وضع نقاط رئيسية في كل مفاوضاتها مع 'تايبيه' لكي تضمن حدودا تجبر فيها الأخيرة على عدم تجاوزها وتخطيها، ولذا طرح الصينيون أربع نقاط في هذا المجال، أولا: 'التمسك الثابت بمبدأ صين واحدة، ثانياً: عدم التخلي عن السعى وراء التوحيد السلمى، ثالثا: عدم تغير مبدأ 'تعليق الآمال على مواطني تايوان' وكبح أنشطة القوى الانفصالية بتايوان، ورابعاً: لا مساومة في معارضة أنشطة القوى الانفصالية بتايوان· ورغم ذلك أخذت الدعوات الانفصالية في التصاعد منذ ذلك الحين، غير أن بكين لم تقف أمام المسلك التايواني مكتوفة الأيدي، فعملت على اتخاذ كافة التدابير الخاصة للحد من تحركات 'تايبيه' الدبلوماسية قدر الإمكان سيما مع جيرانها الآسيويين الذين سعوا للاستفادة من الاستثمارات الاقتصادية منها، غير أن بكين كانت دائما بالمرصاد، سواء على الصعيد الإقليمي أو على الصعيد الدولي باستغلال ثقلها الدولي، في حين أن التحرك العسكري تجاه الأزمة بين الطرفين أخذ في التصاعد بعد الخطوات العملية التي تجريها 'تايبيه' للإصلاح الدستوري، وهي خطوات لا ينظر لها في بكين بعين الرضا مطلقا ويعدها أغلب الصينيين خطوات أكيدة نحو الاستقلال!!·
الجوكر الأميركي
لعل التقرير الذي خلصت له وكالة الاستخبارات المركزية في السادس عشر من مارس ،2005 والذي أكد ارتفاع درجة التوتر بين الصين وتايوان، والتقرير السنوي لوزارة الدفاع الأميركية الصادر في مايو ،2004 قد أكد على 'أن بكين وسعت من الحشد العسكري العدواني بمزيد من الصواريخ المتقدمة وأجهزة التشويش على الأقمار الصناعية باستخدام الليزر ومنشآت تحت الأرض وتوجيه مئات الصواريخ تجاه تايوان بهدف بسط القوة والفوز في صراع محتمل مع تايوان' -كما ذكر في التقرير- يؤكد على نفاد صبر الصينيين وثقة واشنطن بعدم قبول بكين بأي حل للأزمة مع تايوان يفضي إلى استقلالها عن الصين·
وهذا ما تدركه واشنطن جيدا، ولذا ظلت ورقة 'تايوان' -رغم بناء العلاقة الأميركية والصينية على مبدأ أن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين- الجوكر في يد الأميركيين استطاعت من خلاله الحصول على مكتسبات سياسية -خاصة وأن قانون العلاقات بين واشنطن وتايبيه يلزم الأخيرة مساعدة الجزيرة في الدفاع عن نفسها- أهمها على الإطلاق الحد من أي تطلعات صينية على الصعيد الدولي، وهو ما تأكد في مواقف الصين في الكثير من القضايا الدولية التي عدت أقل الفاعلين الحقيقيين من بين الدول الأخرى في مجلس الأمن خلال العقود الثلاثة الماضية، غير أن الوضع الداخلي في تايوان والتحركات الأميركية الأخيرة في العراق دفع بكين إلى خطوات جديدة تظهر فيها أكثر قوة·
أخذت الأمور في التطور بصورة سريعة خلال الشهور الثلاثة الماضية، ففي الثاني والعشرين من فبراير الماضي 2005 أبلغ الفرنسيون واشنطن إلى رغبتهم في إنهاء حظر التسلح المفروض على بكين الأمر الذي أزعج واشنطن بحجة أن هذا سيخل من ميزان القوة في المنطقة، ورغم هذا لم تتوقف التعزيزات العسكرية الصينية في منطقة شديدة الحساسية بين الطرفين، وذلك في تواكب مع ما تبناه البرلمان الصيني في الرابع عشر من مارس 2005 من قرار لزيادة النفقات العسكرية بنسبة 6,12 بالمائة في ذات اليوم الذي اقر فيه باستخدام القوة ضد أي محاولة تايوانية للاستقلال·
لم تكن ردة الفعل الدولية على هذه التطورات بحجم التوتر الذي أصاب التايوانيين من القانون الجديد، ولم يزد رد فعل واشنطن عن تعليق وزيرة الخارجية الأميركية 'كونداليزا رايس' التي تزور دول شرق آسيا -ومنها الصين- في الفترة الراهنة التي اكتفت فيها بالقول 'النفقات العسكرية الصينية تشكل مصدر قلق بينما لم تتم تسوية الوضع المتوتر في مضيق تايوان' دون إغفالها الإشارة إلى ملف حقوق الإنسان كذريعة لاستمرار الحظر العسكري على الصين، وذلك بإشارة شديدة الأهمية تفيد شكل تعامل واشنطن في المرحلة المقبلة مع بكين في حالة إصرار الأخيرة على موقفها بإشارتها إلى رغبة واشنطن في مواجهة صعود الطموحات والقوة الصينية بتعزيز التحالفات الأميركية في المنطقة مع اليابان وكوريا الجنوبية أولا!·
لم يرق الموقف الأميركي للصينيين، واعتبرت الاتهامات الموجهة للقانون المقر حديثا بمثابة تدخل في الشؤون الداخلية، كما شدد المتحدث باسم الخارجية الصينية في السابع عشر من مارس على أن بكين 'تعبر عن استيائها الشديد ومعارضتها الحازمة للاتهامات غير المبررة ضد قانون مكافحة تقسيم الوطن··' وذلك بعد أن أجاز مجلس النواب الأميركي مشروع قرار يحمل اتهامات لبكين بسبب القانون·
ويبدو أن السياسيين في تايوان يعيلون كثيرا على الموقف الأميركي بالدرجة الأولى وإن كانوا لا يعلنون ذلك، غير أن ما صرح به الرئيس التايواني 'تشين شوي بيان' أن القانون الذي اقره البرلمان يثير معارضة شبه جماعية من المجتمع الدولي·· وأن أي وسائل غير ديمقراطية وغير سلمية بصرف النظر عن الذرائع لا يمكن السماح بها في المجتمع الدولي· ولهذا كانت دعوته للاحتجاجات في السادس والعشرين من مارس الجاري وسيلة أخرى للتمهيد لتدخل دولي على غرار مناطق أخرى في العالم سمحت فيها الشعوب المتظاهرة بتدخل دولي لتحقيق إرادتها، فكيف سيكون شكل التايوانيين في تظاهرهم المقبل، فهل سيرفعون شعارات ضد الصين أم أن السحر سينقلب على الساحر ويخرج التايوانيون في تظاهرة ضد حكومتهم؟!·
المصدر: 0