إعداد- مريم أحمد:
كثيرا ما يخطئ الأطفال، ويسيئون التصرف· ولا شك في أن ردات الفعل المختلفة من الآباء والأمهات لا تخفى على الجميع، فالبعض يبدأ بالصراخ، والبعض الآخر يعنف الطفل ويُوَبّخه أمام الجميع· وهناك فئة ثالثة من الآباء والأمهات تعاقب الطفل لأتفه الأسباب· لكن مما تجدر الإشارة إليه هو أن رد فعل الأهل إزاء سوء تصرف الطفل يجب أن يعتمد على نوعية التصرف، والظروف المحيطة به· وهنا عرض لبعض الإرشادات التي تساعد الأهل على اتخاذ القرار المناسب فيما يتعلق بالخطوة التالية لسوء تصرف الطفل، أو ارتكابه خطأ ما:
لابد من اختيار معاركنا مع الصغار بحكمة بالغة، فإذا ما عاقبنا الطفل على الأمور الصغيرة التي لا تحتاج الى ذلك، فلن نجني سوى الإرهاق لأعصابنا· كما أن الطفل لن يتمكن من تحديد العقاب الذي يجب عليه أخذه بعين الاعتبار· وبمعنى آخر، يجب أن يكون العقاب مناسبا وملائما للتصرف الخاطئ الذي بَدَرَ من الطفل·
ومن المهم جدا أن يحدد الأهل التصرفات الجادة التي تحتاج فعلا الى عقاب رادع· وعلى سبيل المثال، لو ارتكب الطفل خطأ فيه تهديد وخطر على حياته، أو بدر عنه تصرف غير لائق، وغير مقبول بتاتا، فلاشك في أنه بحاجة إلى عقاب رادع وقوي ليفهم جيدا أن ما قام به هو أمر لا يُستهان به· أما في حال بَدَرَ منه تصرف خاطئ، لكنه بسيط، فيُنْصَح بالتحدث إليه، والتوضيح له بطريقة وِدّية أنّ ما قام به أمر خاطئ لا يجب تكراره في المستقبل·
عقاب سريع
إذا ما أدرك الوالدان أن الطفل ارتكب خطأ يستحق أن يعاقب من أجله، فعليهما معاقبته مباشرة· وهذه النصيحة لازمة وهامة جدا للأطفال الصغار، وخاصة لمن تقل أعمارهم عن الثمانية أعوام· ففي حال لم يعاقب الأهل الطفل مباشرة بعد تصرفه السيئ، فإن الطفل في هذه السن قد ينسى التصرف الخاطئ الذي بدر منه في غضون ساعة من الزمن· أما إذا كان الطفل في سن تقل عن الأربعة أعوام، فسينْسى الموقف في غضون دقائق· لذا كان من المهم الإسراع في تنفيذ وتطبيق العقاب· وفي حال انتظر الأهل لفترة قبل معاقبة الطفل، فمن المُؤكّد أنه لن يتمكن من فهم السبب الذي من أجله تمت معاقبته· وبالتالي لن يكون للعقاب في هذه الحالة أي تأثيرٍ يُذكَر· ومن الجدير بالذكر أن معاقبة الطفل على أمر لا يدركه لن يردعه عن ارتكاب نفس الخطأ مجددا·
وفي حال تعاملك مع مراهق، فاعلم أن الوضع مختلف· لذا يُنصَح بالتمهل قليلا قبل تنفيذ العقاب· ويذكر أن من الأفضل أن تأمره بالانصراف الى غرفته، أو إلى أي مكان بعيدا عنك· ومن ثم يجب على الوالدين انتقاء الجُمَل والكلمات التي سيقولانِها لابنهما أو ابنتهما المراهقة· وعليهما في البداية التحدث معه عن الأمر الخاطئ الذي بدر منه، وعن السبب الذي يجعله تصرفا غير مقبول· ولا تنسى أن تذكره بما تتوقعه منه لتصحيح خطئه، ومن ثم اختر له العقاب المناسب، وغير المبالغ فيه·
تحكّم في نفسك
ولا تعاقب الطفل إذا كنتَ في حالة غضب· وما عليك فعله في البداية هو الاسترخاء، والهدوء للتخلص من نوبة الغضب التي كانت تنتابك، ومن ثم عاقبه·
توضيح الخطأ
احرص دائما على إفهام الطفل، وتوضيح الخطأ في تصرفه قبل معاقبته· ولاشك في أن شرح الأسباب التي جعلته يستحق العقاب سيمنحه فرصة للتفكير قبل الإقدام على التصرف نفسه في المرة المقبلة عندما يجد نفسه في موقف مشابه·
وعلى سبيل المثال، يحاول ابنك إزعاج أخيه الصغير· وكَرَدّ فعلٍ من الصغير، يرمي الكتاب الذي كان في يده على أخيه الأكبر· في هذا الموقف، يتوجب عليك معاقبة الابن الأصغر، وربما الأكبر كذلك· وكبداية، اطلب منهما الجلوس، وتحدث عن التصرف الخاطئ الذي بدر منهما· ومن ثم قدّم لهما الخيارات التي كانت متاحة لهما لتجنب مثل هذا الموقف المرفوض· وبعد ذلك اسألهما عن التصرف الخاطئ الذي ارتكبه كل منهما، وكيف كان بإمكانهما تجنبه· وبذلك تضمن أنهما تعلما درسهما· لكن في حال تكرر الأمر، وزاد عن الحد، فإن العقاب هو الحل الأمثل·
لا تضرب
تؤكد نتائج الأبحاث الحديثة على أن الأهل يندمون كثيرا، ويشعرون بالذنب إزاء ضربهم للطفل، لكنهم في الوقت نفسه لا يعرفون طريقة أخرى لحمل الطفل على الإذعان، والطاعة والاحترام· وقد أكد الدكتور موراي استروس، من مركز أبحاث الأسرة، على أن ضرب الطفل أو صفعه يعلمه اللجوء الى سلوك الضرب والعنف لحل مشاكله· ولاشك في أن أكثر ما يؤرق مجتمعاتنا المعاصرة اليوم هو العنف المتزايد· ناهيك عن أن الطفل الذي اعتاد على الضرب سينشأ وهو يحمل تقديرا ضعيفا لذاته· ليس هذا فحسب، بل سيكون الاكتئاب رفيقه، وسيرضى بالقليل والأدنى مستوى في كل جوانب الحياة· ما الحل إذن لنتجنب نحن الآباء والأمهات ضرب أطفالنا، وبالتالي نتقي شر العواقب المترتبة على هذا السلوك؟
إليك بعض الإرشادات والنصائح التي ستساعدك على تمالك نفسك، والسيطرة على يديك قبل أن تمتدا الى جسد طفلك:
اهدأ أولا:
إذا شعرت بالغضب، وبالخروج عن السيطرة، والرغبة القوية بضرب طفلك بسبب تصرفه السيئ، فإنه ينصح بأن تترك المكان فورا إذا كان بمقدورك ذلك· ومن ثم حاول أن تهدأ، وتسترخي· وأثناء ذلك، ستتمكن من إيجاد الحل المناسب للمشكلة، أو الطريقة المُثثلى للتعامل معها· لكن في بعض الأحيان، قد لا يتمكن الأهل من الانسحاب من الغرفة فورا: فالعشاء جاهز، والأطفال يتقاتلون، والهاتف يرن· في مثل هذا الموقف، قد لا يستطيع الأب، أو الأم الابتعاد، لذلك يُفَضّل أن تتراجع خطوة أو اثنتين الى الخلف، ومن ثم ابدأ العد حتى الرقم عشرة·
خصص وقتا لنفسك
يذكر أن الأهل يكونون أكثر ميلا واستعدادا لضرب الطفل عندما لا يجدون الوقت الكافي لأنفسهم· وبالتالي، يشعرون بأنهم مستنزفون، وعلى عجلة من أمرهم· لذا، فان من المهم جدا أن يخصص الأهل وقتا لأنفسهم للاستمتاع بهواياتهم، وممارسة الرياضة، أو القراءة، أو المشي، أو حتى الصلاة بخشوع أكبر·
*كُن حنونا وصارما في نفس الوقت
من المواقف الأخرى المحبطة التي يلجأ فيها الأهل الى ضرب الطفل، هي عندما لا يستجيب الطفل لطلبهم المتكرر منه بالجلوس، أو التصرف بتهذيب· الأمر الذي يجعلهم في النهاية يلجأون لضربه ليُحسِن التصرف·
ومن الحلول المقترحة لمثل هذه المواقف، النزول الى مستوى تفكير الطفل، والنظر مباشرة في عينيه، ولمسه بحنان والطلب منه باختصار، وبرفق وصرامة واضحة أن يُنفّذ ما نطلبه منه·
تقديم الخيارات:
ان تقديم الخيارات للطفل يعتبر البديل الفعّال للضرب· وعلى سبيل المثال، كان طفلك يلعب بطعامه، ويرفض تناوله· قل له: 'هل تحب التوقف عن اللعب بطعامك، أم أنك تفضل مغادرة غرفة الطعام؟'· قد يتجاهلك الطفل في بداية الأمر، ويستمر على سلوكه الخاطئ، حينها عليك التصرف بليونة وصرامة· وما عليك فعله هو مساعدة الطفل على النزول من الكرسي ليغادر الغرفة، ولا تنس إخباره أن بإمكانه العودة عندما يكون مستعدا لتناول طعامه بدلا عن اللعب به·
العواقب المنطقية:
ان العواقب المرتبطة منطقيا بالسلوك تُعَلّم الطفل تحمّل المسؤولية· فلنفرض مثلا أن الطفل كسر نافذة الجيران، وكنت قد عاقبته بضربه· ما الذي تعتقد أن تصرفك سيعلمه؟ ربما سيتعلم ألا يكرر تلك الفعلة مرة ثانية، لكنه سيتعلم أيضا أنه يجب أن يخفي عنك الأخطاء التي سيرتكبها في المستقبل· أو قد يلجأ الى الكذب، وإلقاء اللّوم على شخص آخر لينجو من عقاب الضرب الذي تتبعه· وقد لا يعود لفعلته مجددا لأنه يخاف منك· هل تريد فعلا أن يُحْسِن طفلك التصرف لأنه يخاف منك فقط، أم لأنه يحترم كلمتك أيضا؟
فلنقارن هذا الموقف بموقف شبيه لطفل كسر نافذة الجيران، وقال له والده بنبرة حنونة، وصارمة في الوقت نفسه: 'أرى أنك قمت بكسر نافذة الجيران· ما الذي ستفعله لإصلاح خطئك؟'· في هذه الحالة، سيقرر الطفل التصرف بطريقة صحيحة كالاعتذار من الجار، وعدم العودة الى مثل هذا التصرف مجددا· ما الذي سيتعلمه الطفل من موقف والده هذه المرة؟ سيتعلم أن ارتكاب الأخطاء ليس إلا جزءا من طبيعة هذه الحياة التي نعيشها، وأن المهم في الأمر إصلاح الخطأ وعدم الاستمرار عليه· وبالتالي سَتَحُل فكرة تحمّل المسؤولية مَحَلّ الخطأ الذي ارتكبه الطفل· والأهم من ذلك أن تقدير الطفل لذاته لن يتأثر سلبا·