أمي الغالية: لا أعلم ماذا أقول وماذا أكتب بل ومن أين أبتدئ.. دائماً ما يخالجني هذا السؤال: أترى سأكون يوماً ما مثلك...في حنانك وعطائك؟ أمي حين أصبحت في عمر الثلاثين أنجبتني بعد ستة من أشقائي «الذكور والإناث» لأحلق في سماء قلبك، وأكون مدللتك العنيدة، أخبرني الكثير من أقاربي عن اختلافك مع والدي في تسميتي، وكم اختلفتما كثيرا في تدليلي وتلبية طلباتي... وأخْبرتني أنت كثيرا عن شعورك في فترة كنت بها جنيناً، انطلق صراعه مع هذه الحياة، وعن آلام تحملتها من أجل أن أرى نور هذه الدنيا. حينما وضعتني احتفل منزلنا بي وبذكرى استقلال الكويت ورُفع علم الكويت على منزلنا. أمي الغالية كثيرة هي المواقف التي تجعلني أقف لأهمس في أذنك: أنت أعظم أم..كيف لا تكوني بهذه العظمة وأنت من تحمل كبريائي وعنادي وإصراري رغم معرفتي أحيانا بأن ما أقوم به خطأ. حين التحقت بالمدرسة، لم أتقبل فكرة أن أترك البيت، وأنا من كنت أشعر بأنني من يصدر الأوامر فيه.. ومدللة بهذه المعمورة الصغيرة...كنت تقضين الساعات في إقناعي بأن المدرسة جميلة، وأن علي أن أذهب لأتعلم..وأنك ستأتين لاصطحابي منها قبل موعد الانصراف..ما زلت أتذكر الدمية التي كان شقيقي يكسر رأسها حينما أتشاجر معه، لتقفي بجانبي دون أن تسألي من المخطئ، وتبادري بشراء غيرها لي. أمي، كبرت والتحقت بالإعدادية لتبدأ محاولات اكتشافي لهذا العالم..أعلم كم كنت مخطئة في كثير من قراراتي، وأعلم كم عصيتك في قرارتك، وكم كانت لا تروق لي أفكارك.. أخبرتك وأبي يوما بأني أكره تفكيركم فأنتم قدامى..هاج أبي من هذا العبارة، ولكنك أخذت تهدّئين الأمور..لم أتقبل نصائحكما، وكنت أكره أن تشاركاني في اختياري لصديقاتي...عانيت كثيرا مني ولكنك كنت صبورة وجديرة بأن تكوني أعظم إنسانة. لم يكن عصياني لك تمرداً أو انحرافا، كان رغبة في تحقيق ذاتي وغرورا في أني أصبحت فتاة.. وحين أصبحت في آخر مراحلي المدرسية أقنعتك بأن عليك ألا تعامليني كطفلة ما زالت تائهة عن تصريف أمورها..وأني أصبحت فتاة أكثر نضجا.. تقبلت الأمر بمرأى عينيك، ولكن بصيرة قلبك لم تقتنع بعفوية تلك المراهقة، حين اتصلت بك إدارة المدرسة لتبلغك بإصابتي أثناء ممارستي رياضة الجمباز هرعت دون وعي وفي لحظة وجدتك في المدرسة، أقنعتك بأني في أتم صحة، ولكن دموعك بقيت تنهال، وأنت تحتضنيني، أعلم أنك خشيت من إصابتي بمكروه يفقدك إياي، أمي ما زلت أتعجب أي قلوب خلقت، لكنّ أيتها الأمهات.. كم تختلف عن قلوب الكُثر من بني آدم! أعلم أني خيبت ظنك في كثير من الأمور، ولم أكن تلك الفتاة التي رغبت في أن تريها كما تتمنين، أعلم أني انحرفت عن مسار تخطيطك لمستقبلي، وأعلم أيضا كم تمردت في طموحاتي ورغباتي وهواياتي واهتماماتي على قراراتك، لأثبت لك بأني لم أعد طفلة، تركتني أقرر وأتصرف وفق ما يمليه علي فكري، كنت صعبة التعاطي، حين كنت تستقبلين صديقاتك في المنزل، ألا تتذكرين كم كانت طلباتي كثيرة، لم أكن بحاجة إلى شي سوى أن حفيظتي أثيرت حين رأيت اهتمامك بهن، الأمر الذي أخذ يستشيط غيرتي عليك، ربما هذا أحد أسرار عالم الطفولة. احتفلنا في مراحلنا الدراسية بيوم الأم، كم كان جميلاً ذاك الصباح الذي يختلف عن كل الصباحات المدرسية، ذاك الصباح الذي أنشدنا فيها جميعا للأم، وكتبنا أجمل العبارات إهداء لأمهاتنا على قصاصات وردية وألصقناها على جدران فصولنا.. منذ آخر مرحلة مدرسية، لم أكتب ذاك الكلام الطفولي. افتقدت كثيرا لعبارات كتبتها كان منها « أمي أحبك» «أمي أنت أجمل وأعذب إنسان في هذه الدنيا»، ربما لأني أصبحت أملك حسابا في البنك فاكتفيت بالاحتفال بهذا اليوم بشراء الهدايا التي اعتقدت أنها تغني عن كتابة تلك الكلمات، لكن حتى في شراء الهدايا كنت نوعا ما أنانية، فأشتري الشيء الذي أشعر بأني سأشاركك استخدامه يوما ما. أتذكر كثيرا حينما كنت أخبرك بأن اليوم خصص للاحتفال بأمهات العالم، فتبادلينني الضحكات وتردفين «يالله عسى عيني تفرح بشوفة عيالج». أمي الغالية: أعشق البحر برغم طفولتي البرية التي عبثت فيها ومارست عفوية الطفولة وشقاوتها على رمال البر، إلا أنه يأبى أن يغيب عن بالي مشهد البحر الذي اصطحبتني أنت وأبي إليه، وأنا في سن السادسة من عمري، ثم أغراني هدوءه وسكونه لأعوم في مياه وتهيج علي أمواجه، وأصبح غريقة مياهه، لينقذني الله بلطفه ويخرجني أحد البحارة منه، تلك الأيام والليالي التي قضيتها في المستشفى لم أتمكن فيها من تحريك أي عضو في جسدي، سوى نبضات خفيفة من قلبي، ولكن صوت بكائك وقراءتك القرآن طوال تلك الليالي كانت تصدح في أذني، تركتِ كل ما يعنيك لتبقي بجانبي، أي قلب لك أيتها الأم العظيمة؟ كنت تخشين السفر وركوب الطائرة، وبرغم ذلك تسافرين وتتحملين هول الشعور المخيف أثناء هبوط الطائرة وإقلاعها، وإرهاق السفر، لتخبرينا بأن تعباً بجانبكم يا أبنائي خير من راحة في غيابكم». أغدقت عليّ حنانك، غمرتني بحبك، بعطائك، حتى قسوتك كم تعادل طيبتك، أمي لم أر يوما منك قصورا في خدمتي، أيا للخجل منك يا رائحة الجنة، تؤلمك كلمة «آه» حين تسمعيها مني، أتذكر وأتعجب حين مرضت، ولم أتمكن من وصف ما يؤلمني للدكتور، لتبادري وتصفي له ما أشعر، يا له من إحساس تملكْته. أمي الغالية: كبرت اليوم، ولم أعد تلك الفتاة التي تأبى أن تسمع النصيحة، أحب نصحك يا أمي وكم يكفيني دعاؤك في كل صباح عن كنوز ومسرات هذه الدنيا التي لولا دعاؤك لما تخطينا عثراتها، أتضجر أحيانا من مبالغتك في الاهتمام بي، واتصالك لي وتذكيرك بأن أتناول الوجبات، وأن أصلي وأن أخفف من درجة برودة المكيف، وأن لا أرفع صوت سماعة الهاتف أثناء وضعها في أذني، كبرت وما زلت تلك المدللة، ما زلت حين تتعبين توصين أبي علينا، فيضحك ويقول: لا أحد يستطيع أن يتقن لعب دورك، فأنت الأم، والأم واحدة لا يعوض عن حنانها أي حنان. أمي الغالية: كم يدهشني هذا العالم الغريب ينتظر يوما من مجموع أيام السنة بجلها، ليعترف لك بإنجازاتك وعطائك وحنانك الذي يفيض أيما حنان، وينشد لك ويرسم قلوبا ووردا، عجبا لهذا العالم ألا يجيد التعبير عن الحب إلا في المناسبات، أعلم كم تتوارى كلمات العرفان والحب أمام عطائك خجلا....كيف لا تخجل وأنت من ذاب عودها، وأفنت عمرها وحملتني وهنا على وهن وأرضعتني وربيتني وسهرت وضحيت وتنازلت عن حقوقك لأجل أن تريني في أجمل حال، لم تخفك مشقات الزمن، واجهت تصاريفه، وكابدت شقاء لحظاته. خصك الله في كتابه الكريم، وأوصى بك سيد البشرية: «أمك ثم أمك ثم أمك» والجنة تحت قدميك الكريمتين، يا شمعة احترقت لأجل أن تنير حياتي. أمي الغالية: ليس من مكان أجمل من دفء حضنك، أتذكر حينما فشلت في تحقيق الكثير من ما كنت أنتظره، وحين تبعثرت مشاعري، جئتك وارتميت في حضنك، أبكيك خيباتي وعثراتي، كم أنساني حضنك قساوة تلك الدنيا على غصني الغض، وقبلاتك التي طبعتها فوق رأسي وخدي، لتعطيني جرعات من الأمل بأن ما ينتظرني أجمل وأجمل....أمي أسمى الحنان والجمال اعذريني فربما أخذني في مراحل من عمري شعور الغرور بأني كبرت ولم أعد طفلة، كم أتمنى لو أعود إلى تلك الأيام التي خلت، لأعيد تصويب ما ظننت أنه الصواب ولم أفعله... أمي الغالية: أنا طفلتك ومدللتك التي ينبض فؤادها عشقاً وحباً وامتناناً وعرفاناً لك.... تأكدي يا جنتي لولا وجودك في حياتي لما كتبت عباراتي.