أمين صالح

المخرج النمساوي ميكايل هانيكه واحد من الطاقات الخلاقة، في السينما العالمية المعاصرة التي تبدع أعمالاً بارزة ومهمة، تثير الكثير من الخلاف والجدل، وتحفّز المخيلة، وتتحدى الذهنية التقليدية. أفلامه تسبر، بعمق، وعلى نحو مثابر، حالات العزلة والغربة والانسلاب في الحياة الحديثة، إضافة إلى انهيار جسور الاتصال بين الأفراد، وتلاعب «الميديا» بالأفكار والمشاعر.
بعد تجارب متميزة في مجاليّ المسرح والتلفزيون، خاض المجال السينمائي وهو في السابعة والأربعين بفيلمه الدرامي الطويل «القارة السابعة» The Seventh Continent وهو عنوان غامض، ملغز، يحتمل أكثر من تأويل. جغرافياً، لدينا ست قارات. القارة السابعة قد تكون تلك غير المستكشفة، التي لا يمكن الوصول إليها.
الفيلم مبني على قضية حقيقية قرأ عنها في الصحف، عن عائلة صغيرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة تتألف من زوجين وابنتهما الصغيرة. العائلة كانت تعيش حياة هادئة، هانئة، في بلدة عادية. فجأة تقْدم على انتحار جماعي. الأهالي رأوا في فعل الانتحار هذا عملاً يصعب احتماله ولا يمكن تصديقه، وأن مثل هذه العائلة الهادئة والمسالمة يستحيل عليها أن ترتكب مثل هذا الفعل الشنيع، لذلك طالبوا السلطات بالتحقيق والتحري في الأمر، لعل وراء ذلك شبهة جنائية، غير أن الجهات الرسمية لم تتوصل إلى ما يخالف فكرة الانتحار، خصوصاً أن الأب أشار إلى فكرة الانتحار بوضوح في رسالة له موجهة إلى والديه، وشرح عملية التخطيط، متطرقاً إلى الواقع المعاش الذي صار ضاغطاً وكابحاً ولا يطاق.
الصحفي الذي نشر الحادثة في المجلة الألمانية الأسبوعية شتيرن، قدّم للقراء شروحات وإيضاحات، تيسّر له الحصول عليها، بشأن سلوك العائلة، ضغوط العمل، الخلافات الزوجية، الأزمات الاجتماعية.. إلخ. لكن ليس لهذه الأسباب اهتم هانيكه بمعالجة القصة سينمائياً، وإنما لأنها تتخطى وتسمو فوق مثل هذه الاستنتاجات أو الحجج والبراهين.
في مقابلة مع المخرج هانيكه يوضح أن دافعه لتحقيق هذا الفيلم هو أن يضع لغز الحدث الواقعي الذي منه استمد الفيلم، في خدمة نقده للمجتمع المعاصر.

البرود العاطفي وخواء الوجود
الفيلم هو الجزء الأول من ثلاثية مكرّسة لعرض «الفتور العاطفي». وهانيكه يقدّم الثلاثية بوصفها «تحرّياً في البرود العاطفي العدواني السائد في بلادي». الثلاثية تركّز بؤرتها على: التلاعب الذي تمارسه «الميديا» (وسائل الاتصال) الجماهيرية، الانسلاب الشخصي والاجتماعي وإحساس الفرد بالغربة، العنف الذي لا يمكن التحكم به.
هانيكه يبني قصته على نحو غير متماسك عبر مشاهد تُظهر الطقوس اليومية، الأفعال الروتينية التي تمارسها الشخصيات. إنه يستخدم ما هو تقليدي في الشكل والتقنية والبناء، ومن خلال ذلك يضع المتفرج الذي اعتاد تقاليد السينما الاستهلاكية في حالة من الارتباك، حيث لا يجد المنافذ المألوفة والمريحة بشأن فهم الشخصيات وأسبابها ودوافعها.. إذ عوضاً عن الوضوح يجد نفسه أمام غموض يتعين عليه إزاءه أن يشغل تفكيره ومخيلته لفك بعض مغاليق الحالات.
حتى من الناحية التقنية، فلقد اعتاد المتفرج أن يفهم من الـfade أي الاختفاء التدريجي للصورة على أنه يتضمن معنى مرور الزمن أو الانتقال في الزمن، بينما يستخدم هانيكه هذه التقنية لربط أفعال تحدث في مساحة قصيرة من الزمن، أو أفعال متوازية. وبالنسبة للعائلة، تفيد هذه التقنية في إظهار عادية ورتابة وخواء وجود العائلة، الوجود الذي يكاد يخلو من الاختلاف والتنوع، فالأيام تتشابه، ولا جديد يحدث. في الواقع لا شيء يحدث. نحن لا نجد أنفسنا أمام وضع غير عادي أو مألوف، أو مواجهة ما مع طرف معاد أو مضاد. الأمور تسير بشكل طبيعي وروتيني. الأفعال اليومية - من الاستيقاظ من النوم، والاستعداد للذهاب إلى العمل أو المدرسة إلى تناول العشاء - تتسم بالتكرار والآلية، وهي مصوّرة في لقطات معزولة ومحكمة، لقطات قريبة في الأغلب.

بعيداً عن السيكولوجيا
هانيكه، في كل أفلامه، لا يريد أن يحقق أفلاماً سطحية أو هروبية، تريح الجمهور وتطمئنه وتفكر نيابةً عنه وتؤكد له أن كل شيء على ما يرام. أفلامه تتحدى المتفرج، تستفزه، تستثيره.. يقول في أحد لقاءاته: «أريد أن أرجّ الناس وأخلّصهم من حالة اللامبالاة وفتور المشاعر». يريد أن ينتزع من الجمهور إحساسهم بالرضا بشأن العيش في العالم الحديث، حيث الإنسان يهمل أو ينكر، تلك القوى الجوهرية، الأساسية، الكامنة في ذاته الباطنية فتتحوّل إلى قوى تدميرية.. يريد أن يفعّل طاقات جمهوره.
هانيكه يزودنا بالظروف التي فيها يحدث الرعب، لكنه لا يحدّد هذا الرعب ولا يقدّم تحليلاً سيكولوجياً للحالات التي يعرضها، ولا يشرح لماذا وكيف. هو ينجح في تحويل المتفرج من متلق سلبي إلى مشارك فعال، إذ يصعب عليه أن يحافظ حتى على حياديته وهو يرى أمامه تجربة عميقة، صادمة، قد لا تتماثل مع تجاربه الخاصة لكنها تترك أثراً في نفسه لصدقيتها، وقد تحاكي مشاعر دفينة أو تستحضر تجارب شخصية أو تحرض على اتخاذ قرارات أو مواقف بشأن حالات مماثلة لما يراه على الشاشة.
فيلم «القارة السابعة» يبدأ بلقطات قريبة لسيارة العائلة في محل لغسل السيارات بطريقة آلية، ثم تنتقل الكاميرا إلى داخل السيارة، وفي لقطة طويلة long take متواصلة دونما قطع، مع نزول أسماء العاملين في الفيلم، نرى أفراد العائلة من الخلف جالسين في صمت تام. لا نرى وجوههم ولا نسمع لهم صوتاً. بعد أن تنتهي الأسماء، وينتهي الغسل، تتحرك السيارة مارة بإعلان سياحي ضخم عن أستراليا.
هذه الافتتاحية، حسب تحليل الناقد الأميركي آدم بينجهام، يمكن اعتبارها مجازاً لوضع العائلة: محاصرة بداخل السيارة، التي تبدو أشبه بقفص أو زنزانة، وهم يتحركون ببطء وبصمت وعلى نحو آلي عبر الحياة، والإعلان السياحي بمثابة حلم في هرب مستحيل.

رتابة الحياة العائلية
الفيلم يغطي السنوات الثلاث الأخيرة من حياة عائلة نمساوية عادية، لا شيء يميّزها عن غيرها من العائلات، كما إنها لا تختبر أحداثاً استثنائية غير عادية، فلا شيء مثير يحدث لها. السنوات تمر على نحو سريع على العائلة التي يرصدها الفيلم وهي تمارس روتينها اليومي في البيت والعمل والمدرسة أو وهي تتسوق وتنجز مهماتها.
العائلة بورجوازية نموذجية، مؤلفة من الزوج جورج (ديتر بيرنر) وزوجته أنّا (بيرجيت دول) وابنتهما الصغيرة إيفا، تعيش في بلدة اعتيادية، هادئة، غير متميّزة بصورة استثنائية. أفراد العائلة يتحركون في مناخ يسوده الصمت، وانعدام الاتصال في ما بينهم أو مع الآخرين. وهم عاجزون عن التعبير عن مشاعرهم. ولا يبدو أنهم يستمتعون بالحديث في ما بينهم.. حتى وقت تناول الطعام معاً. والأسوأ من ذلك أنهم لا يُظهرون في ما بينهم مشاعر الحب والتآلف.. مشاعرهم فاترة ومحجوبة، يغلب عليها التحفظ والتكتم. ثمة حواجز بينهم تفصلهم وتعزلهم، وهم لا يسعون إلى اختراقها وتحطيمها ليتصلوا في ما بينهم. لذلك هم عاجزون عن إدراك معاناة وآلام بعضهم البعض.
العائلة لا تبدو في أزمة مادية أو أنها تعاني من محن ومشاكل، بل تظهر وهي تعيش في مستوى جيد ووضع مريح. غير أنها تعيش حياة غير متميزة، غير مثيرة للاهتمام، تكرارية، بليدة، رتيبة، محكومة بالسلوك الآلي. العائلة كما يُظهرها الفيلم: سطح هادئ، منظم. تركيز البؤرة على تفاصيل الحياة اليومية.

لا أحد يقترب من الآخر
الزوج (جورج) مهندس. طموح في عمله، يميل إلى أن يتقدم على أقرانه وأن يحقق النجاح تلو النجاح، أن يكون الأفضل والأنجح والأكثر استحقاقاً للمكافآت والترقيات. لكن ثمة عدة لقطات مديدة متصلة دونما قطع تُظهره يسير في موقع عمله وهو في عزلة تامة. العزلة تفضي به إلى الإحساس بالغربة والتي بدورها تؤدي إلى اليأس والنزوع إلى التدمير الذاتي.
الزوجة بائعة نظارات وأدوات بصرية. هي لا تختلف عن زوجها، لكنها تكبح في داخلها حزناً لا تريد التعبير عنه. في أحد المشاهد، أثناء غسل السيارة، هي تنهار فجأة وتنخرط في البكاء، لسبب غير معلوم.
طفلتهما تشكو إلى معلمتها عن أعراض جسدية (ناشئة عن اضطرابات عقلية أو عاطفية) تجعلها تقوم بحك جلدها على نحو متكرّر، أو تدّعي العمى، لكن بدلاً من التعاطف والدعم العاطفي، فإن المعلمة تخبرها أن ذلك مجرد وهْم، أما أمها، عندما تستجوبها بشأن تظاهرها بالعمى، فإنها تعدها بأنها سوف لن تعاقبها إن اعترفت بأنها تتظاهر، لكن ما إن تعترف الصغيرة حتى تصفعها الأم. إن ما تفعله الصغيرة من تظاهر وادعاء بالمرض أو العمى ما هو إلا محاولة للفت الأنظار، وكنوع من التعبير عن وحدتها.
في الدقائق العشر الأولى من الفيلم، لا نرى أفراد العائلة (الذين يصحون من نومهم على صوت المذيع وهو يقرأ نشرة الأخبار عن التوترات والعنف في الشرق الأوسط) إلا من خلال أطراف من أجسامهم، نرى ظهورهم، أياديهم، أقدامهم، أعناقهم، لكن ليس الوجوه. إنهم يمارسون الفعل اليومي بشكل روتيني: الاستيقاظ من النوم صباحاً، إعداد الفطور، وضع أوراق في حقيبة جلدية، إطعام السمك في الحوض، انفتاح باب المرأب.
الشخصيات ليست شخصيات تنمو، بل هي منغلقة، نائية، كل منها تعيش في قوقعة خاصة. ولأننا، كمتفرجين، لا نعرف إلا القليل عن الشخصيات، ولا نتعرّف على مشاعرها، فإننا نحتفظ بمسافة بيننا وبينها. ومثلما هناك حواجز بين شخصيات الفيلم، كذلك هناك حواجز بين المتفرج والشخصيات. هذا يخلق عند المتفرج حالة متوترة وشعوراً مثيراً للأعصاب.
هانيكه لا يتخذ موقفاً من شخصياته، لا يحاكمها، لا يتعاطف معها ولا يدينها. إنه يحاول أن يعرضها بموضوعية، وفي حياد تام. تاركاً للمتفرج حرية الاستنتاج، وأن يربط بين الأحداث والعلاقات، وأن يشارك في إيجاد المعنى النهائي للفيلم.

البيت بوصفه ملاذاً أو سجناً
المجتمع النمساوي يظهر هنا في صورة سلبية، فاقداً الحساسية والشعور بالانتماء وروح التعاطف بين أفراده، والإحساس بالآلام الداخلية التي يعاني منها الآخرون.
وسط تخمة أو إفراط في السلع الاستهلاكية والرفاهية، يعيش الفرد حالة من المجهولية والفتور والانسلاب والعزلة. إنه عالم فارغ، وجود خاوٍ يهشم الروح. ومن هذا العالم تنسحب العائلة، مفضّلة الانتحار.

دمّر ما يدمّرك
هذه العائلة تختار، في هدوء وإذعان تام، الانتحار الجماعي بدلاً من الاستمرار في العيش في رعب الحياة اليومية، الخاوية والعقيمة، الخالية من المعنى، وداخل عالم يفرض الاستلاب والغربة على الأفراد، مع إحساس طاغ بالعبث واللاجدوى والتفاهة.
في لقطات قريبة وسريعة الانتقال، نرى الأب والأم يقومان بتمزيق الثياب والستائر والدفاتر المدرسية والصور وأقمشة الأرائك، بتهشيم الأسطوانات، تحطيم الطاولات والكراسي، تهشيم حوض الأسماك، تخريب وتدمير كل قطع الأثاث ومحتويات الشقة، التخلص من أموالهم برمي الأوراق النقدية في المرحاض.
بتدميرهم لكل مقتنياتهم الدنيوية يبدون كما لو يحرّرون أنفسهم من كل القيود التي فرضها عليهم المجتمع، من كل رباط أو علاقة بالواقع. هذه المقتنيات والممتلكات (من ثياب وأثاث وصور ونقود) لم تعد تعني لهم شيئاً، ولم يعد لها قيمة.
التدمير ليس عشوائياً أو مفاجئاً. تلك الأشياء التي ناضلوا من أجل الحصول عليها، ودفعوا الكثير مقابل امتلاكها، سلبت منهم راحة البال، ولم توفر لهم البهجة والوحدة العائلية.
بعد تدمير الأشياء، يُقْدمون على إنهاء حياتهم بتناول جرعات مفرطة من الحبوب المنوّمة. العائلة تحتضر، وتموت ببطء، بينما هم جالسون على الأريكة، يشاهدون التلفزيون ويتنقلون، عبر «الريموت كونترول»، من محطة إلى أخرى، حتى تستقر على أغنية «قوة الحب» فيما يفارقون الحياة.
إن هانيكه لا يسعى إلى تفسير الحالة النفسية أو المرَضية التي ألمّت بالعائلة، بل يترك هذا لتقدير المتفرج وتأويله الخاص للدوافع والأسباب.
يقول هانيكه: «أحاول أن أحقّق أفلاماً مضادة لتلك الأعمال السيكولوجية، مع شخصيات هي بالأحرى إسقاطات تطلع إلى السطح ليشتغل عليها المتفرج بوعيه وحساسيته. المساحات الفارغة ترغم المتفرج على جلب أفكاره ومشاعره الخاصة إلى الفيلم. ذلك هو ما يجعل المتفرج منفتحاً على حساسية الشخصية».