الخرطوم - أحمد طه: يعتبر التسوق من الضروريات في حياة الإنسان، يحصل من خلاله على احتياجاته وكل ما يلزمه· وفي الآونة الأخيرة أصبحت عملية البيع والشراء تخضع لمؤثرات وعوامل كثيرة جعلت من التسوق هواية وهوساً، كما أصبح نوعاً من التباهي خاصة لدى أولئك الذين يرتادون المحلات التجارية الفخمة ذات العلامات التجارية المشهورة التي بدأت تجد طريقها في العاصمة السودانية من خلال مراكز التسوق وفروعها المنتشرة في الأسواق التجارية·
في قلب مدينة الخرطوم يوجد سوق له طابع مميز على مستوى السودان ويقع على شارع (المعونة) الذي يعتبر من أكبر وأهم شوارع المدينة·· أنه سوق 'سعد قشرة'·
'الاتحاد' التقت العم محمد عبدالله علي وهو من تجار السوق حيث تحدث عن حكاية هذه التسمية وقال: كان السوق في بدايته سوقاً مؤقتاً يلتقي فيه الناس يوم(الاثنين) من كل اسبوع فسمى (بسوق الاثنين) وانتقل من مكانه القديم بالقرب من المستشفى الحكومي إلى هذه المنطقة بعد أن رأت السلطات الحكومية تحويله إلى مكانه الحالي نظراً لاهميته للمتسوقين وحاجة المواطنين اليه، وتم توزيع المساحة على المواطنين لإنشاء سوق دائم· ويضيف محمد: كان السوق عبارة عن اكشاك من الزنك بلغ عددها حوالي 440 كشكاً لبيع الملابس والأحذية والعطور والأقمشة والاواني المنزلية ومحلات التفصيل والخياطة وصياغة الحلي الذهبية بالاضافة إلى مختلف أنواع البضائع ومحلات بيع المأكولات والمرطبات، وكان السوق ذا طابع شعبي واطلقوا عليه سوق (الزنك) ولم تتوفر فيه آنذاك الأضواء والثريات الكهربائية، وكان التجار يستخدمون الفوانيس ولمبات الجاز المضغوط (الرتاين) ثم شهدت هذه الفترة ميلاد سوق جديد أُطلق عليه اسم (سوق سعد قشرة) وتعود هذه التسمية إلى تاجر يمني يدعى سعد قشرة كان يملك حانوتاً صغيراً غرب الميدان الذي قام فيه السوق، وكان سعد قد هاجر إلى السودان إبان فترة الاستعمار واستقر مع أسرته بالخرطوم بحري ومارس تجارة البقالة البدائية (كانتين)·· وكان قشرة من التجار اليمنيين المميزين، وقد توفى قبل أكثر من ثلاثين عاماً وبقى اسمه مرتبطاً بهذا السوق الفريد· ويشير محمد إلى التجار الذين وفدوا من شرق السودان والذين يعتبرون من المؤسسين لهذا السوق الذي يضم الآن تجاراً من قبائل السودان المختلفة خاصة تلك المجموعة السكانية التي تقطن منطقة الجزيرة·
سودان مصغر
وبعد أن قامت حكومة النميري بتطوير الخدمات في السوق أصبح المكان سوداناً مصغراً وتحولت الحوانيت فيه عام 1982 من اكشاك بالزنك إلى مبان بالطوب الأحمر والأسمنت، وقد أحدث هذا التطوير طفرة نقلت السوق من الطابع الشعبي إلى سوق حديث له شكل مميز وجذاب بعد أن غزته البضائع المستوردة وصار يضم أكثر من 745 محلاً تجارياً يجد فيها المتسوق أنواعاً مختلفة من البضائع الواردة من كل أنحاء العالم، وظهرت المحلات المتخصصة في أنواع معينة من البضائع واشتهرت بها مثل محلات بيع الثياب النسائية الفاخرة المستوردة من انجلترا وسويسرا ومحلات الأحذية المستوردة من ايطاليا وتركيا، كما توجد محلات متخصصة في العطور التي تدخل في تركيبة العطر السوداني المميز (الخُمره) والتي تستورد من منطقة وسط وشرق آسيا بالإضافة إلى العطور العالمية·
كما يوجد بالسوق ركن للمفروشات والستائر والأواني المنزلية، وتحولت محلات التفصيل إلى مشاغل حديثة لتطريز الثياب السودانية واشتهر الصناع المهرة في السوق بتفصيل ملابس العرسان والجلاليب الرجالية والأزياء الشعبية الأخرى، وتحولت دكاكين بيع الذهب إلى معارض للمجوهرات المستوردة من الهند ومنطقة الخليج العربي·
ويواصل محمد قائلاً: شهدت منطقة السوق تطوراً آخر في التسعينات من القرن السابق إذ أجريت بعض التحسينات على الدكاكين باتفاق لجنة السوق مع إحدى الشركات وأصبح بإمكان التجار إضافة اللمسات والتعديلات على محلاتهم لتواكب معروضاتهم، مما أعطى هذه الملامح المميزة للسوق·
وروى لنا العم محمد حكاية عن آخرين بشأن حريق اندلع في السوق في الستينيات حيث أتت النيران على السوق برمته، وقال بعضهم إنه كان حريقاً هائلاً لم تعرف أسبابه وأحدث خسائر فادحة في الأموال والممتلكات، تجاوزها التجار وأقاموا السوق من جديد· وحدثت بعد ذلك حرائق أخرى محدودة في بعض المحلات، ولكن بالرغم من الحرائق والنيران لازال سوق سعد قشرة من أنجح الأسواق في العاصمة المثلثة، وتعود أساب نجاحه إلى سمعة التجار الذين يعملون فيه واسلوب تعاملهم مع الزبائن، بالإضافة إلى الأصناف الجيدة من البضائع التي يحتاجها الزبون·· وتوفير كل ما يظهر في الأسواق الأوروبية في محلات سوق سعد قشرة وفي وقت وجيز·
ويختتم محمد قوله: كان السوق في الماضي له إدارة خاصة على رأسها شيخ السوق ويعتبر الشيخ قسم الباري حسن أول شيخ للسوق، تلاه المرحوم علي فارس، والمرحوم علي بدوي وهم الأكثر شهرة ، لأخلاقهم الحميدة وشخصياتهم المحبوبة، وتحولت إدارة السوق في الوقت الحالي إلى لجنة على رأسها فتح الرحمن مصطفى وتعنى بإدارة شؤون السوق·
وتعتبر الأعياد من أهم المواسم لتجار سوق سعد قشرة وفيها يزداد إقبال المواطنين عليه، حيث تزخر الحوانيت في هذه المناسبات بكميات هائلة من البضائع، وتشهد الاسعار ارتفاعاً ملحوظاً نتيجة الاقبال الشديد على السوق وبضائعه التي تجذب المتسوقين، فالجميع يريد الشراء من سوق سعد قشرة ومن محلاته المشهورة·
سعد قشرة ·· سودان مُصغَّر في العاصمة المثلثة
المصدر: 0