محمد صفاء عامر··· غريق في بئر الذهب
بقلم - دكتور صلاح فضل:
استقطبت الدراما التليفزيونية كوكبة من ألمع الموهوبين في فنون السرد في العقود الأخيرة، فاختارت منهم من بلغت حساسيته الجمالية درجة عالية من الوعي بعصر الصورة، وشروط التواصل الجماهيري المذهل عبر التليفزيون· فصنعت تقاليد جديدة في ثقافة العين والأذن والوجدان، وجعلت من الشاشة الصغيرة مجمعا لمتعة الفن، وغذاء الروح لملايين من البشر، عندما ترتفع عن الابتذال والسطحية، لتنبض بروح التاريخ، وتجسد ضمير المجتمع·
وقد استطاع المستشار الستّيني المعتزل، محمد صفاء عامر، أن يسهم في هذه الحركة الإبداعية بعشرات الأعمال الذائعة، وضعته في الصف الأول من كتاب الدراما منها: ذئاب الجبل والضوء الشارد والفرار من الحب، ومن الأعمال السينمائية الهروب إلى القمة والشيطان يقدم حلا وغيرها، لكنه يفاجئنا الآن بالجزء الأول من رواية أدبية شائقة بعنوان 'غريق في بئر الذهب' يستجيب فيه لغواية الكتابة الروائية الخالصة لمتعة القراءة والتأمل، ويستأنف مسيرة عدد من كبار المبدعين من رجال القانون على رأسهم توفيق الحكيم، لكنه يدخل إلى منطقة ظلت الرواية العربية في مصر تحوم حولها طويلا دون أن تجسر على اقتحامها، وهي تاريخ الأسرة العلوية التي صنعت مصر الحديثة بقوتها وضعفها معا، مع الحفاظ على مسافة جمالية ملائمة من شخوصها الأساسيين تسمح بمراقبتهم ونقدهم·
اختار صفاء عامر، وأحسبه قد احتفظ باسم محمد الذي يسبق أسماءنا كلنا لإبعاد اللبس النوعي عنه، اختار شخصية إسماعيل صديق، السياسيّ الداهية في عصور كل من عباس وسعيد وإسماعيل، ليقدم نموذجا مصغّرا لبنية الحكم وطبيعة السلطة، وليجسد آلام المخاض التي عانتها مصر منذ مولد نهضتها المجهضة· مزج المادة التاريخية -كمايفعل كبار الطهاة عادة- بالسمن والعسل؛ بالأفكار والمشاعر العاصفة، ليصوغ سبيكة ذهبية من صلابة الواقع وبريق الخيال، فابتدع قصة عشق رومانسية، تعلق فيها إسماعيل صديق رضيع الخديوي إسماعيل وسميّه، بوصيفة تركية فاتنة تعمل في خدمة البلاط، ورسم لها مصيرا مأساويا شكّل نقطة التحوّل الجوهرية في شخصيته وأخلاقه·
تلاقي الأضداد
يقدم صفاء عامر بطله 'إسماعيل صديق' بطريقة تشكيلية بصرية كما تعود في كتاباته السابقة، لكنه يفيد من مرونة الرواية في استذكار الماضي واستحضار أطيافه وشرح مفارقاته، فها هو قد 'بدا منظره غريبا تماما وسط المارة، فملبسه المزركش ينمّ عن أنه من 'أولاد الناس' -المماليك أو الأتراك- لكن سحنته تنطق بمصريته الصميمة، بل بصعيديته القُحَّة· كيف يتفق ذلك، شاب لم يبلغ العشرين من عمره، ملابسه تركية مملوكية، وملامحه مصرية صعيدية؟ شيء لا يتكرر في شوارع القاهرة· أما ما زاد الأمر غرابة فهو سيره على الأقدام، ليس مألوفا أن يسير على الأقدام من يلبس هذه الملابس· ومع أنه قد اعتاد على نظرات الاستغراب ولم يعد يأبه لها، إلا أنه فضّل اليوم أن يكتري بغلة، لأنه ليس مستعدًّا لأية متاعب من نوع ما يتسبّب فيه هذا الزيّ مع تلك السحنة· وآخرها ما كان في الشهر الماضي حين قبض عليه شيخ حارة الرويعي، ظنا منه أنه من حرافيش الجمالية الذين سرقوا ملابس إلهامي بك الداودار وقتلوه في الخرابة التي تلي الربع القديم، لكن إسماعيل استطاع بعد جهد جهيد أن يثبت أن ملابسه هذه وغيرها إنما هي خلعة سنية، أمرت له بها -ولا تزال- الوالدة باشا خوشيار هانم في كل المواسم، عدا ما تجريه عليه وعلى أمه من معاش مستديم'، ومع أنه في هذا الصباح بالذات كان قد فرغ من دفن جثمان أمه التي رحلت عنه، فإن ما كان يشغله إلى درجة الاستغراق هي تفاصيل الحكاية القديمة التي أعادتها على مسامعه الليلة السابقة بإسهاب مطوّل، فروت له كيف كانت بضع حبات من ثمار البرقوق، اشتهتها خلال وَحَمها فيه، هي التي غيرت مجرى حياتها القروية، فقد تجاسر أبوه الفلاح الصعيدي الشاب على اقتطافها خلسة من إحدى شجرات تفتيش ابن الدرمللّي، فكان جزاؤه الصلب على شجرة التوت، والجلد على مرأى من أهل القرية، ولولا عطف الحارس عليه بالليل، وتواطؤه معه كي يتركه يهرب لهلك من التعذيب· وكيف فرّ الزوجان إلى القاهرة على إحدى المراكب النيلية، واستقر بهما المقام بجوار زاوية سيدي عليّ أبي الشباك، في رحاب القطب الرفاعي، حيث وضعته أمه عقب وفاة أبيه معتلاًّ· وكيف تصادف مولد الأمير إسماعيل من الزوجة الثانية للقائد إبراهيم باشا وعزوفه عن الرضاعة، فلجأت أمه لوالدة باشا إلى التمسّح بكرامات الأولياء وشرعت في بناء مسجد الرفاعي تبركا به، وعثر حرسها على الأم المرضعة في جواره، فاستبشرت بها وحملتها مع طفلها الذي سمي باسم الأمير إلى القصر، حيث نشأ وتربى في طفولته الأولى، ولم يلبث أن طرده وليّ النعم مع أمه ومعلمه، لأن هذا الأخير قد أخطأ بمقارنة ذكائه مع غباء الأمير عباس، فعوّضتهم الوالدة باشا بالسكن والكسوة والخلع السنية·
داخل البيت العلوي
يعتمد صفاء عامر في روايته على الراوي التقليدي المحيط بكل شيء علما، كي يتنقل بحرية بين الشخوص والمواقف دون التقيد بوجهة نظر واحدة أو التعمق في تجريب أساليب سردية محدثة، لكنه يعيد زرع بطله داخل البيت العلوي مرة أخرى عندما يذهب ليخبرهم بوفاة أمه، ويتصادف ذلك مع عودة الأمير إسماعيل وإخوته من بعثتهم التعليمية في فرنسا، فيختاره ليلحقه بمعيته، ويشهد عندئذ الأيام الأخيرة من حياة رأس الدولة محمد علي باشا الذي كان قد أصيب بالجنون، كما يشهد ولاية إبراهيم باشا القصيرة خلال حياة أبيه، وتولي عباس حكم مصر من بعده، ليشرح إبداعيا طبيعة أطواره الغريبة، وما فطر عليه من ضيق الأفق وحماقة التصرف، وكيف كان القنصل الإنجليزي -قبل الاحتلال- هو أقرب الناس إليه وموضع ثقته· والطريف أن المؤلف يتخذ من حوار سيدتين في القصر، ناقمتين على تصرفات الوالي الجديد، منفذا لكشف خطاياه التاريخية، وذلك ببعث روح الحياة فيها وتلوينها كأنها تحدث أمام أعيننا إذ يقول:
'توالت بعد ذلك عجائب الوالي الجديد، أثار بعضها السخرية وأثار البعض الآخر السخط، وتولّت إذاعتها جميعا في البلاط عمته الأميرة زهرة باشا/ نازلي هانم، قالت وهي تُسرّ إلى الأميرة خوشيار هانم وتضحك ضحكا يخالطه الأسى:
- هل عرفت المفروزة؟··· أمر جنابُه بامتحان كل تلاميذ المدارس ومدرسيها، وشهد بنفسه الامتحان في مدرسة أبي زعبل··· وطبعا سقطوا جميعا إلا القليل منهم، فأمر بإغلاق عموم المدارس إلا واحدة ألحق بها الناجحين القلائل وأسماها المفروزة يعني المختارة'· ثم تحكي ما حل بطلبة البعثات حيث مثل بين يديه بمناسبة عودتهم هذا الأسبوع ثلاثة من نوابغهم: علي إبراهيم وعلي مبارك وحماد أفندي، فسألهم كيف يصنع الشمع، وهل تعلموا صناعته هناك، وعندما أجابوا بأنهم لم يتعلموا صناعته أمر بطرحهم على الأرض وضرب كل واحد منهم خمسين سوطا· خرجوا من عنده وهو يلعنون اليوم الذي عادوا فيه إلى مصر المحروسة، ولم يكتف بذلك، بل أمر بإعادة طلبة البعثات من فرنسا، وإغلاق مدرسة الألسن أيضا، ونفى الشيخ رفاعة الطهطاوي وزميله محمد أفندي بيومي إلى السودان· لكن أعجب ما أمر به هو إغلاق الترسانة البحرية وإعطاب السفن· والمقصود طبعا بهذا الأمر هو جناب عمه الأمير سعيد باشا قائد البحرية· وهكذا عبر حوار عائلي يتضح حنق بقية أفراد الأسرة على تضييع إنجازات مؤسس الدولة، ويضعنا المؤلف في بؤرة صنع التاريخ الساخنة بحركتها اللاهبة·
أسرار
يستقي صفاء عامر مادته من قلب التاريخ، لكنه يعرف كيف يرويها بماء العواطف الحارة، ويتخذ لها مسارب من أسرار القصور، لتكون مدهشة مثيرة· فهو يحيل المرحلة الأولى من حياة إسماعيل صديق إلى أنشودة غرام في الفاتنة 'ماهيتاب' وصيفة الأميرة زهرة، حتى إذا ما اضطرت هذه إلى الهروب من بطش ابن أخيها بالسفر إلى الآستانة كان غياب الوصيفة معها وسيلة لإلهاب مشاعر إسماعيل صديق، وهناك تولت تدبير أخطر عملية للانتقام من الخديوي عباس الذي كان يسعى لتغيير نظام وراثة العرش، من أكبر أبناء الأسرة العلوية إلى سلالته هو ليكون نجله الأمير إلهامي وليا للعهد، ساعدها في هذا التدبير الأمير إسماعيل الذي لحق بها بدوره إلى الآستانة فرارا من وجه الخديوي عباس، وجنّد لها أقرب الناس إليه، وهما أخوه في الرضاع إسماعيل صديق وبحار مصري شجاع كان يدين بالولاء والحب لأبيه القائد إبراهيم وعندما أصيب في المعارك وهبه القائد سفينة يعيش من ريعها تجوب البحر المتوسط إلى المواني التركية، اشترك 'الريّس عسر' مع إسماعيل صديق في تنفيذ الخطة المحكمة وتقضي بتهريب محاربين ماهرين من خيرة الضباط وبيعهما كرقيق للعمل في حرس الخديوي الذي سيقربهما لمظهرهما النبيل، وعندئذ يقومان باغتياله قبل أن ينجح في مسعاه لتغيير نظام الولاية· لكن أحد الشابين يشترط على الأميرة أن تزوجه بوصيفتها 'ماهيتاب' مكافأة له عقب نجاح الخطة فتعده بذلك ضاربة بمشاعر إسماعيل صديق عرض الحائط لأنها لا تؤمن بالحب ولا تتورع عن الغدر وهي تتآمر لقتل ابن أخيها· وعندما يتم تنفيذ الخطة ويبذل صديق كل طاقته لإنجاحها حتى يتولى الأمير سعيد باشا الولاية يعود المنفيون إلى الوطن فلا يجد بينهم إسماعيل صديق حلم عمره وحبيبته التي كانت قد زوجت بالإكراه واغتيلت هي الأخرى، تشتد عليه الحمّى ويغرق في بئر عواطفه، فإذا ما تماثل للشفاء واجه العالم بعيون جديدة: 'سمع في داخله صوتا كالفحيح، يسأله عما نوى ليحافظ على مكانته الجديدة في هذه الغابة التي لا ترحم، حيث كان قد انجرف إلى الإخلاص المقيت ثم الحب العفيف حتى بلغ مداه، ولم يجن سوى الغدر والخذلان· لن يخلص بعد الآن لأحد، إلا بقدر المصلحة، ومصلحته في أن يصعد ويصعد غير آبه بأحد، حتى حبه إذا ولد ينبغي أن يطوّعه لمصلحته الحقة، وهي تكمن في المال والنفوذ والمتعة· هو من الآن شخص جديد، لقد تحولت شخصيته على نار الخبرة وفجيعة الحرمان من حلم عمره'·
بهذا يكون صفاء عامر قد جعلنا ندخل في هذا الجزء الأول المنشور من الرواية دهاليز قصور القاهرة والآستانة، وبواطن قلوب الأميرات والأمراء ومن يحيطون بهم، ونعرف كيف تتشكل شخصيات صناع التاريخ، وتتحكم في مصائر وأقدار الشعوب، بما جعل الفن إضاءة باهرة لوعي الإنسان العميق بالزمان والمكان·
ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة
المصدر: 0