إبراهيم الملا (الشارقة)

يعمل المخرج السينمائي حمد صغران على تطوير شغفه المتنامي بالصورة من جانبها التوثيقي وهاجسها التعبيري، استناداً لوعيه الخاص بضرورة استثمار الكادر البصري جمالياً، واقتناص الحالة المثالية القائمة على المزج بين السرد في أفقه المتخيّل، وبين المحتوى السينمائي كبناء وتجهيز وتكوين، وهو محتوى يعمل في فضاء ملموس يرتكز على هدفين أساسيين في تجربة حمد صغران، أولهما توثيق رحلاته وأسفاره الشخصية وضخّها بحمولات غنية بصرياً، والهدف الثاني هو تحويل القصص والسيناريوهات ذات البعد الاجتماعي، إلى أفلام روائية قصيرة تخاطب القضايا الراهنة والأزمات المعيشة، من خلال رموز وإشارات وعلامات تفتح منافذ متعددة للتأويل والتفسير ببعديهما الفني والتوصيفي.
وحملت آخر الأفلام التي قدمها صغران عنوان: «مقطوع مؤقتاً» بعد تقديمه لعدة أفلام روائية وتسجيلية في مشواره السينمائي المكثّف منها: «البحر يطمي»، و«ارتقاب»، و«الغبّة»، و«قف للمعلّم»، والدراما الوثائقية بعنوان «اقرب».
وعن مناخات فيلمه الأحدث «مقطوع مؤقتاً» ومشاركاته السينمائية في مهرجانات خارجية، وآخرها مهرجان مدريد السينمائي الدولي في أغسطس القادم. أشار صغران لـ «الاتحاد» أن فيلم «مقطوع مؤقتاً» يتناول قصتين متوازيتين، تتطرق إحداهما للأزمة التي تنشأ وسط أسرة إماراتية بعد انقطاع خدمة الإنترنت، وما يترتب على ذلك من فوضى واختلال في نسق الحياة وطبيعة العلاقة بين أفراد الأسرة، والقصة الثانية تتعلق بشخص من الجنسية الآسيوية يقوم بسرقة خدمة الإنترنت من المنزل ذاته في محاولة لإرسال ملاحظة مهمة لعائلته في بلده الأصلي، ويتفاجأ هو الآخر بمشكلة الانقطاع المؤقت للخدمة، مضيفاً أن الفيلم ينقل هذا الحدث الطارئ في المنزل ولدى السارق بكل إشكالياته، ويطرح مفاهيم عدّة بحيادية وتجرّد يحكم عليها المشاهد بنفسه، وتتعلق هذه المفاهيم بجوانب مهملة في علاقتنا عموماً بالتكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل التفاعلية، وهل يمكن اعتبارها «حاجة» أم «رفاهية»، وأثرها السلبي العميق وغير الملاحظ فيما يخصّ التباين الذهني بين الأجيال، ومفهوم العزلة الفردية، في مقابل المشاركة الاجتماعية، والانزواء النفسي في عالم افتراضي، في مقابل الاستئناس بالواقع الحقيقي الذي بات يتسرّب من تفكيرنا الجمعي وتواصلنا الحميمي، بجانب مفاهيم ودلالات أخرى يقدمها الفيلم في إطار هذه الأزمة الحياتية والاجتماعية المتعددة الأطراف والمسالك.
وعن واقع السينما المحلية بعد انحسار الحراك الكبير للفيلم الإماراتي في ظل إلغاء وتوقّف أهم المهرجانات السينمائية فيها، أشار صغران إلى الفراغ الفني الكبير الذي عطّل هذا الحراك السينمائي الجماعي بعد إلغاء مهرجانات وملتقيات مهمة هي مسابقة أفلام من الإمارات، ثم أبوظبي السينمائي، ومهرجان الخليج، وأخيراً مهرجان دبي السينمائي، مضيفاً أن الهاجس الجماعي لصناعة الأفلام تحوّل الآن إلى هاجس فردي، وأن معظم المخرجين توجهوا لإنتاج أفلام تجارية طويلة لعرضها في الصالات الجماهيرية، بينما اتجه صناع الأفلام الروائية القصيرة والتسجيلية والمستقلة إلى توليف أفلام ذات ميزانيات بسيطة ومحدودة للمشاركة في الفعاليات السينمائية خارج الدولة، بعد غياب الدعم المادي والفني والترويجي الذي كان يقدمه مهرجان دبي السينمائي، والذي كان يحتضن المشاريع السينمائية المحلية الشابة والواعدة.
ولفت صغران إلى أن حماس المجموعة السينمائية التي يعمل معها في رأس الخيمة تمثل وقوداً من الدافعية الذاتية لإنتاج أفلام ذات بعد فني خاص ومستقلّ، رغم العقبات الكبيرة المتمثلة في تكاليف الإنتاج والديكور والتمثيل وتوفير الأجهزة والتقنيات المتعلقة بالتصوير والمونتاج والإضاءة والصوت وغيرها، وأشاد صغران بهذه الروح السينمائية التي ما زالت متوقدة لدى المجموعة السينمائية في رأس الخيمة التي قدمت تضحيات كبيرة، وأبقت سينمانا المحلية حية وقادرة على التنفّس، رغم كل الظروف المعاكسة لصناعة فيلم نوعي في الإمارات، وذكر من هؤلاء السينمائيين المبدعين: الشاعر أحمد العسم، والسيناريست أحمد سالمين، والمخرج وليد الشحي، والمنتج ناصر اليعقوبي ومدير الإنتاج حسن البلوشي، المساهمين بقوة في ظهور فيلم «مقطوع مؤقتاً» إضافة للطاقم التقني والأدائي الذي ساهم في رفع المستوى الفني للفيلم.