أحمد عبدالعزيز (أبوظبي)
أكد الدكتور حكيم رن هونغ جي الباحث الصيني للأدب العربي والأستاذ بجامعة جياوتونغ بمدينة لانتجو، أن مركز الشيخ زايد للغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة بكين، يستقطب المئات من أبناء الصين سنوياً الراغبين في تعلم اللغة العربية وثقافتها، ويحمل على عاتقه مسؤولية مهمة لنشر الثقافة والعادات والتقاليد العربية.
وقال الدكتور حكيم في حوار مع «الاتحاد» بمناسبة زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة للصين: «إن مركز الشيخ زايد للغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة بكين يستحق الحديث عنه بصورة عميقة، كونه الذي أهلني لإجادة لغة الضاد، وفتح لي آفاقاً واسعةً لبدء الدراسة والبحث، حيث إنني درست فيه لمدة أكثر من عشر سنوات من البكالوريوس حتى الدكتوراه. ويقع المركز في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين، وتأسس في عام 1994 وتبرع بتكلفته المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، من أجل تعزيز مكانة اللغة العربية في الصين، وتنوير الباحثين الصينيين بشؤون الدول العربية عامة، والإمارات خاصة».
وأضاف: «يستقطب المركز مئات الصينيين الراغبين في تعلم اللغة العربية وثقافتها سنوياً، كما يتحمل المسؤولية الهامة لنشر الثقافة والعادات والتقاليد العربية الأصيلة الداعية إلى التسامح والوسطية وتقبل الآخر. يدرّس ويعمل فيه فريق العاملين المؤهلين وهيئة المدرّسين البارزين، من بينهم الأستاذ بسام (شوي تشينغ قوا) والأستاذة هند (يا ليانغ ينغ) وغيرهم كثيرون.
زيارة السرور والبهجة
وعن الزيارة، أوضح الدكتور حكيم قائلاً: «من دواعي السرور والبهجة أن أشارك في الحديث عن مناسبة زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى جمهورية الصين الشعبية، والتي تكتسب دلالة تاريخية بالنسبة إلى الصين والإمارات سواء، لأنها تجيء في الذكرى السنوية لاستقبال دولة الإمارات العربية المتحدة لفخامة الرئيس شي جين بينغ بالعاصمة أبوظبي بتاريخ 21 يوليو 2018، كما تعتبر هذه الزيارة مشهداً حياً لما قد أحرزه الجانبان من المنجزات المثمرة في شتى المجالات خلال السنة الماضية».
وأضاف:«بالنسبة لي شخصياً، كنت موجوداً كعضو فريق الأعمال خلال فترة زيارة الرئيس الصيني إلى الإمارات العام الماضي، فكنت أشهد بالعين مدى التطور والارتقاء للعلاقات الثنائية الموروثة عبر التاريخ، فأتطلّع مثل الآخرين إلى رد الزيارة من جانب الإمارات تطلعاً شديداً، خاصة اتفاقيات التعاون والرؤى والمفاهيم الجديدة التي سيتم التوصل إليها خلال الزيارة».
مكانة الإمارات
وتحدث الدكتور حكيم عن ارتباطه بدولة الإمارات قائلاً: «زرت الإمارات الجميلة مرات عدة، وكلما أحضر إلى أرضها أجد التغيرات التي شهدتها خلال السنوات العشر الماضية كبيرة، مثل برج خليفة وبرواز دبي، كما لمست حجم التوسع والتقدم الذي حققته في مجال الهندسة، وشعرت بالسعادة والغبطة لمن يعيش في الإمارات، من خلال التعامل مع شعبها مهما كانت جنسياتهم وأعمارهم وألوان بشرتهم، كما يعجبني التعايش والتسامح بين الجميع، وهي قيم عظيمة دعا إليها الإسلام قبل أكثر من 1440 عاماً، وتدعو لها رؤى وتوجهات دولتي الإمارات والصين حالياً. وفي اعتقادي فإن آخر انطباع لدي عن الإمارات هو التكنولوجيا الفائقة والتقنيات المتقدمة المستخدمة في إدارة الدولة والشؤون العامة، حتى دخلت هذه الموجة السائدة الحديثة إلى حياة الشعب اليومية».
التبادل الثقافي
وعن التقارب في مجالات التعليم والثقافة، قال: «فيما يخص هذا الجانب، فإن منظومتي التعليم في البلدين أبرمتا سلسلة من الاتفاقيات على مستوى القطاعين، استهدافاً لتحقيق التقارب المعرفي بين الثقافتين والشعبين. وهذا يتطابق مع رؤية إدارة الحكم المفعمة بالإنسانية وما تدعو إليه الصين من روح جوهرية في إطار الحزام والطريق والمصير المشترك للبشرية.. هذه الفائدة سوف تشمل شعب الصين كله».
وأضاف:«لا نبالغ إذا ما قلنا إن عدد الراغبين في دراسة اللغة العربية قد زاد بكثرة بعد طرح مبادرة الحزام والطريق من جانب الصين، ومن المتوقع أنه سيتضاعف بعد مبادرة تعليم اللغة الصينية من جانب الإمارات. كما ما زال الغموض وعدم المعرفة بالدين الإسلامي موجوداً بين الصينيين، ومن المهم أن نعطيهم صورة حقيقية وواقعية لإزالة هذا الحاجز الموجود بين الثقافتين. فمن رأيي أن زيارة القيادة الإماراتية تجيء في حينها وستقدم ممارسة حيوية في هذا المجال».
حضارات عريقة
وأشار الأستاذ بجامعة جياوتونغ بمدينة لانتجو الصينية إلى أن الصين والإمارات من الدول العريقة حضارياً وثقافياً، ويكمن في تاريخهما الباهر كثير من الأشكال المتنوعة والباهرة للثقافات. وتتمتع الصين بموروث ثقافي كبير ينعكس في قيم وأصالة أهلها، بينما تحافظ الإمارات على ثقافتها الفريدة التي بقيت راسخة في ظل التطورات التاريخية المتعاقبة. وتشتهر الصين بفن الشاي وأدب تناول الأطعمة وأوبرا بكين وغيرها، بالمقابل تعرف الإمارات برقصة العصا والشعر النبطي والموسيقا الشعبية.
ولفت إلى أن الجانبين يقيمان عدداً كبيراً من الفعاليات والنشاطات الفنية، مثل مهرجان السينما الصينية في الإمارات عام 2018، وهي فعاليات ترسخ من الوعي والمفاهيم المشتركة وتعزز قيم التسامح والاعتدال، وهي نشاطات نأمل في توسعها مستقبلاً لتشمل الفنون والثقافة والسياحة.
التسامح والاعتدال
قال الدكتور حكيم هونغ إن مميزات المجتمع الإماراتي كثيرة. وأضاف: «تضم الإمارات أكثر من 200 جنسية تنعم جميعها بالحياة الكريمة والاحترام والمساواة، كما تعد حاضنة لقيم التسامح والاعتدال. هذه الحالة تذكرني بما شهده الدين الإسلامي في التاريخ. لقد تميز الإسلام منذ بداياته، بقدرة لافتة على التعايش مع الأديان الأخرى. ففي أواخر القرن الماضي، كانت إسطنبول عاصمة الدولة الإسلامية العظمى، تضم أغلبية من غير المسلمين من اليونان والأرمن واليهود. هذه الصورة المتناغمة تعيدها الإمارات في العصر الحديث. ومن أجل نشر هذه القيم الكريمة، اتخذت الإمارات سلسلة من الإجراءات: تأسيس وزارة التسامح وتسمية الجسر باسم جسر التسامح. كل هذا يتفق مع القيم والأخلاق التي تدعو إليها الصين أيضاً. مثلاً لقد دعا الفيلسوف الصيني كونفوشيوس إلى التعايش والتعامل بين ذوي الجنسيات المختلفة قبل أكثر من ألفي سنة».
واختتم حديثه بمقترحات لدعم التقارب الثقافي بين الشعبين الإماراتي والصيني، بقوله:«نقترح توسيع الانفتاح على الثقافات بين الشعبين، والاهتمام بنقل التسامح إلى الأجيال القادمة وتطبيق روح التسامح على أرض الواقع، وإقامة الآليات الثابتة لإجراء الفعاليات والنشاطات في مجال الثقافة والفن والحضارة وتعزيز التمازج والتدارس خلال هذه الفعاليات.
أخيراً، أتقدم بشكري الجزيل على هذه الفرصة القيمة، وأتمنى للدولتين علاقة مستدامة وصداقة مستمرة».