تـساؤلات حـائرة
هل يمكن أن يعيش الإنسان بلا طموح؟ تصوروا شكل الحياة عندما يصبح اليأس هو العلامة المميزة المنتشرة في كل مكان· فتاة مثلي في الخامسة والعشرين من العمر، ألتفت من حولي فأجد كل الابواب موصدة، الآذان مختومة بالشمع الأحمر، العيون مغمضة، الأفواه لا تنطق إلا بالوعود، الوعود فقط ولا شيء غيرها· أحمل أوراقي وألف بها وأدور هنا وهناك، الكل ينظر إليّ وهو مغمض العينين ثم يبتسم لي ابتسامة تزيد من يأسي واحباطي ثم يردد تلك العبارات المعروفة: 'إن شاء الله·· سنتصل بك·· يصير خير'·
اعود إلى بيتي وانتظر··· وانتظر، ولا شيء غير الانتظار المؤلم، ولا أحد يتصل، ولا أجد الخير الذي يزعمونه ويتحججون به·
يأتي النهار ويمضي، ثم يأتي الليل ولا شيء في حياتي يتغير· أتفرج على المأساة التي تعيشها أسرتي وأنا مكتوفة اليدين لا أستطيع فعل أي شيء حيالها· أمي المسكينة تشتكي من الغلاء، كل شيء يشتعل مثل النار· الغلاء يحرقنا ولا نملك وسيلة تحمينا منه· كيف نواجه مثل هذا الوضع ونحن أسرة ضخمة وكبيرة تعتمد على راتب بسيط لا يساوي شيئاً؟ متطلبات الحياة تزداد والخمسة آلاف درهم التي يتقاضاها والدي من راتبه التقاعدي لم تعد تحتمل كل هذا الضغط·
كنت أتمنى ان أفعل شيئاً لأخفف الضغط عن أمي، ولكن للأسف··· لم أستطع ان افعل شيئاً· اصبح الأمل في الحصول على وظيفة شبه مستحيل، وأتعبني اليأس وصرت مهمومة ومثقلة بالقهر مثل أمي تماماً·
آمال خائبة
عندما انهيت الثانوية وكان معدلي كبيراً، كنت اعتقد بأنني قد حققت شيئاً يؤهلني لمستقبل باهر، ولكن للاسف فإن الامور لم تكن كما تصورت· فبمجرد دخولي الجامعة صدمتني حقيقة دمرتني تماماً· لقد اكتشفت بأن كل ما درسته يجب ان أتركه وراء ظهري، وان اللغة العربية التي كنت متفوقة فيها طوال الوقت، وكنت أعتز بها اعتزازاً كبيراً، يجب ان أتخلى عنها نهائياً وأشطبها من قاموس فكري، لأن الدراسة الجامعية في بلدنا أصبحت تعتمد مئة بالمئة على اللغة الإنجليزية، التي كانت وما زالت تشكل عقدتي في هذه الحياة·
منذ طفولتي وأنا لا أحب اللغة الإنجليزية ولا أجد في داخلي رغبة في تعلمها· كنت اعتبرها مجرد ترف يلجأ اليه من لديه احساس بالنقص حيال لغته التي هي لغة الدين والأرض والتاريخ، ويبدو انني كنت مخطئة· تحسرت على تعبي طوال تلك السنين، وتمنيت لو أنهم اختصروا الطريق علينا ودرسونا اللغة التي يجدونها الأفضل منذ سنين الدراسة الأولى من أجل ان نتجنب كل هذه المعاناة·
بسبب هذه المشكلة قضي على مستقبلي الدراسي وقتلت كل طموحاتي في الحصول على الشهادة الجامعية· لم أكن أتقن اللغة الإنجليزية يوماً وكنت أسميها لغة الأجانب ولست مضطرة للتعب والمشقة من أجلها· نظريتي الخاطئة هذه جعلتني أفقد القدرة على استيعاب تلك اللغة فتم طردي من الجامعة بعد معاناة دامت ثلاث سنوات قضيتها في محاولات يائسة لتعلم تلك اللغة التي تعد شرطاً اساسياً يتهيأ الطالب بعده للدراسة الجامعية·
معاناة أخرى
إحساسي بالفشل صار يدمرني وأنا اجلس في منزلي خائبة لا أستطيع ان أفعل أي شيء· ثم ازدادت معاناتي عندما قررت ان أجد عملاً فحملت أوراقي وصرت أدور بها هنا وهناك· قدمتها لشؤون الموظفين، وإلى مصنع الأدوية، وإلى مصنع السيراميك، وفي الجمعيات التعاونية والبنوك وشركة 'اتصالات' وأماكن كثيرة هنا وهناك· الأيام تمر ولا أحد يتصل بي ولا أمل لي في تحقيق ذلك الحلم المستحيل· والدي الذي كان يعمل حارساً، كان راتبه ستة آلاف درهم نقصت ألفاً عندما أحيل على التقاعد·
ونحن ست بنات وخمسة أولاد· أختي الكبرى متزوجة وأخي الكبير متزوج· لديّ أخت لم تدخل الجامعة لأن معدلها قليل، والأخرى تدرس في الجامعة، اثنان من اخوتي تركا الدراسة وهما يعملان في الجيش براتب يغطي اقساط السيارة والمصاريف الخاصة بهما· وبالطبع فإنهما لا يساهمان في مصروف البيت إلا في الحالات النادرة· أما باقي اخوتي فهم في مراحل دراسية مختلفة، كل واحد منهم لديه أحلام كثيرة وأنا اخاف عليهم من المستقبل الذي لم يعد مضموناً لأمثالنا من الناس البسطاء الذين لا يملكون الوساطات التي تعينهم على تحقيق ما يريدون·
بعد أن أحيل والدي على التقاعد، فكر بأن يعالج نفسه من بعض الأمراض المزمنة التي صبر عليها دهراً طويلاً لإنشغاله بالعمل، ثم قرر السفر إلى الهند لتلقي العلاج هناك· بعد أربعة اشهر قضاها بعيداً عنا، عاد وبرفقته مفاجأة جديدة اضافت لحياتنا معاناة كبيرة لم نستطع أن نتكيف معها بسهولة·
كارثة جديدة
عندما عاد والدي من تلك الرحلة أحضر معه زوجة جديدة· ويا لها من كارثة وقعت على رؤوسنا بشدة فدمرتنا تدميراً كاملاً·
كانت أمي تتهيأ لاستقبال زوجها الغائب وقد تبخرت وتعطرت لشريك عمرها ورفيق رحلتها الشاقة لسنين طويلة لا نعرف عددها بالضبط· وفوجئت المسكينة بدخول تلك الإنسانة عليها وهي ترسم ابتسامة ماكرة على وجهها· كان رد فعل أمي عنيفاً جداً، فقد حولتها المفاجأة إلى امرأة فولاذية، قامت من فورها وشمرت عن ساعديها ودخلت في مصارعة شرسة مع والدي وزوجته، فقد حملتهما وقلبتهما على الأرض وأشبعتهما ضرباً، ثم جلست تبكي وتبكي بلوعة وحسرة مزقت قلوبنا·
كنا نقف متفرجين لا ندري ماذا نفعل وقد أذهلتنا المفاجأة· لا ندري كيف نتصرف حيال كل ما كان يحدث؟·
ولكن بعد ان هدأت أمي، اخذت تعاتب والدي على فعلته الشنيعة هذه· فهو يشتكي دائماً بأن العبء المادي للأسرة ثقيل جداً وأن راتبه لا يكفينا ولا يسد جميع متطلباتنا، وكلما طالبناه بشيء كان يعدد التزاماته وديونه، كيف إذاً استطاع ان يوفر المال الذي تزوج به ومن أين سينفق على هذه المرأة؟ وأين سيسكنها؟
كان رده بأنها لم تكلفه كثيراً وان مصاريفها ستكون قليلة، فما يضر لو أن طعامنا زادت بركته ليطعمها؟ وبالنسبة للسكن فإن امره سهل يسير فقد اخرج اختي الكبرى من غرفتها ثم اسكن عروسه فيها·
صراعات مدمرة
شهدت أسرتنا انواعاً جديدة من الصراع· فقد كانت تلك المرأة الغريبة بمثابة الشوكة المؤلمة في جسد الأسرة، الكل كان يرفضها ويتألم من وجودها القسري معنا، ولم تكن هي أقل كرهاً لنا· فقد أظهرت شراسة كبيرة في مواجهتنا والتصدي لنا، فدخلت في عراك مع أخي الكبير ولم تتردد في حمل سكين هددته به ثم نقلت صراعها إلى والدي وكانت تطالبه بالمال بشكل مستمر، وحين علمت بأن جهودها ضائعة وان ما جاءت من أجله لن تحصل عليه بسهولة، طالبته بأن يعيدها إلى بلدها فأعادها إلى هناك ولكنه لم يطلقها وإنما صار يرسل لها مبلغاً شهرياً كنفقة لها· وحين سافر بعد سنتين ليزورها وجدها وقد تزوجت غيره فاستغرب كيف تفعل ذلك وهي لا زالت على ذمته؟!
ثار وغضب منها وذهب إلى المحكمة وطلقها، وللأسف فهو لم يستفد من تلك التجربة الفاشلة وإنما تزوج غيرها ولكنه لم يحضر زوجته معه بل عاد وحده وقرر أن يسافر إليها من فترة لأخرى، ولم يدر بأن المرض سيمنعه من تنفيذ خططه فلم يستطع أن يسافر من جديد وبقي مصراً على إرسال النفقة لزوجته شهرياً وبلا انقطاع·
موقف والدي هذا يشبه موقف المؤسسة التعليمية في بلدنا، حيث إنها تملك لغة العلم والأدب منذ أقدم العصور ولكنها للأسف لا تعتز بما تملكه، فتأتي بلغة أجنبية أخرى تفرضها على ابنائها وتجعلهم يعيشون في صراع مؤلم معها ليتقبلوها بدلاً عن لغتهم التي نشأوا وتربوا عليها·
بصراحة لا أدري كيف يفكرون؟· لست ضد أن نتعلم لغة أخرى إلى جانب لغتنا الأصلية ولكن ما يضايقني هو ان تتحول لغة الدراسة الجامعية إلى الأجنبية بشكل كامل فتهمل لغتنا وتصبح هامشية في صناعة مستقبلنا· والشيء الآخر الذي أتألم منه بشدة، هو عدم توفر فرص العمل امامنا نحن اهل البلد، في حين نجد أن الأبواب مشرعة لاستقدام أعداد ضخمة من الأجانب بحجة ان البلد تحتاج لخدماتهم· فلِمَ لا تحتاج البلد لخدمات أهلها بدلاً من غيرهم؟ ولمَ لا يجد ابناء الوطن فرص العمل كما يجدها غيرهم؟ والله لا أعلم ولا أستطيع تفسير ما يحدث·
محاولة أخيرة
دخلت معهد التمريض وبعد معاناة شديدة مع اللغة، فشلت ايضاً ولم أستطع مواصلة تلك الدراسة على الرغم من اخلاصي والتزامي بالدوام·
حالياً أقوم بالمشاركة ببعض المسابقات التي تقام في وسائل الإعلام المختلفة للحصول على بعض المبالغ التي تعيننا لقضاء حاجاتنا·
أعيش في وضع نفسي صعب· كنت أحلم بأن يكون لي دور حقيقي في مساعدة امي المسكينة والوقوف إلى جانبها في تحمل كل تلك الاعباء والمسؤوليات الملقاة على عاتقها· لقد عانت أمي كثيراً من أجل ان تكيف المبلغ البسيط الذي يخصصه والدي للإنفاق علينا اعتماداً على دخله القليل· هي تحارب من أجلنا ومن أجل أن نظهر أمام الناس بشكل لائق وطيب· متى ستتوقف معاناتها؟ ومتى سيأتي اليوم الذي تعم فيه الراحة أسرتنا البسيطة الطيبة؟ والله لا أدري·
المصدر: 0