أرض الديار، هو التعبير الحميم عن أحد أهم طابع للعمارة الدمشقية القديمة، وهي تستقبلك بفناءاتها الرحبة وأحواضها الرخامية التي يطلق عليها «البحرة» كصيغة مؤنثة وبيتية للبحر، تنبعث من عصبها المائي غرغرة شفيفة، تتصبب فوق مصاطب الجلوس التي تلتصق بالأرض كأحضان تضم أفياء النارنج والياسمين والتوت، تظللها القبب بأقواسها الحجرية التي تمتد تحت فسحها السماوية حتى كأن البيت سماء. شيء من هذا الطراز الذي بزغ في القرن الحادي عشر الميلادي، عكس حميميته على طقوس وسمات العمارة الإسلامية بشكل عام، لترى القصور والقلاع والمساجد والبيوت الأندلسية امتداداً مرتداً للبيت الدمشقي القديم!

ولكن هل القبة طراز عربي؟
في حقيقة الأمر، أن العُمر المعماري للقباب يرجع إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، فالسومريون سقفوا أكواخهم وقبورهم بقباب من الطوب في الجزيرة الفراتية، ومع التطور الزمني استعيض عن الطوب بقباب من الحجر، خاصة في العمارة الإغريقية المتأثرة أصلاً بأسلوب الكنعانيين والفراعنة المعماري، ولذلك لا يمكن اعتبار قبة الصخرة المشرفة أثراً بيزنطياً أو ساسانياً، فحتى الرومان استعاروا القباب من المعماريين الشاميين، بينما ظلت قباب قصر الخورنق شاهداً على حضارة المناذرة المعمارية، التي استكملت مسيرتها عبر القرى الفراتية من أربعين قرناً قبل الميلاد!
رغم ذاك، فإن هناك من يقول إن القبة ظهرت في المساجد لتميزها عن غيرها من البناءات، قبل قبة الصخرة المشرفة التي شيدها عبدالملك بن مروان في القرن السابع الميلادي، ولكن لا يظهر أي توثيق دقيق يبطل اعتبار قبة المسجد الأقصى أول فتح معماري في تاريخ المساجد وبيوت السماء... غير أن المفارقة اللغوية في اختيار اسم «قباء» لأول مسجد بني في الإسلام إشارة ربما على النهج المطلوب لعمارة المساجد، فمعنى «قباء» في المعجم العربي هو بناء مستدير يتم رفعه وتقويسه، كأنه إيحاء نبوي بالصيغة اللغوية لاستشراف الصيغة المعمارية... بحيث تتخذ القبة أثراً لغوياً لأول بيت عبادة في تاريخ المسلمين.. وأثراً معمارياً لثالث الحرمين الشريفين.

آيا صوفيا
بني المسجد الحرام والمسجد الأقصى على يد الملائكة، وتعرضا للهدم عبر عوامل مناخية وزمنية عديدة، حتى جاء سيدنا إبراهيم عليه السلام، ورفعهما في مسافة زمنية فاصلة قدرها أربعين عاما، وهكذا تطورت الأبنية المقدسة على يد الملائكة هندسة وإعمارا، ثم تولاها الأنبياء، ثم الخلفاء، ثم السلاطين والملوك والأمراء، كأنها رسالة إعمارية.
الآثار الإسلامية خرجت من إطار السبق المعماري، إلى نطاق التنافس الأثري، فطورت المهارات وجابت الدنيا والآفاق بأساليب ميزتها بطابعها الديني واللغوي ما دامت استعانت بالخط العربي والنقش الشرقي والآيات القرآنية، والخطوط الهندسية والزخارف المدهشة مضفية مظهراً جمالياً على البناء الديني وفضولاً ثقافياً على الدلالة، هنا تحديدا يمكن للبناء أن يمثل وثيقة تاريخية وسياحية تعكس المستوى الحضاري الذي وصلت إليه دول الخلافة الإسلامية، بأسلوبها الثقافي المستوحى من بيئتها الاجتماعية الخصبة وخصائص هويتها الهندسية المشرقية، ومقدرتها الإبداعية والحضارية على ترويض الحجر وتخليد الأثر.
ثم جاء الرسامون المستشرقون ليعبروا عن إعجابهم وفتنتهم بهذه اللوحات الأثرية والطقوس التعبيرية في ذات الوقت، مأخوذين بالصلوات وبيوتها، كالفنان الاسكتلندي ديفيد روبرتس والنمساوي لودفيج دويتش والبريطاني والتر تيندال، وألفونس ليوبولد، والنحات الفرنسي جان ليون جيروم، وباسكال كوست، الذين صوروا مسجد السلطان حسن، والأزهر الشريف، والمسجد الأزرق، وجامع عمرو بن العاص، ومسجد محمد علي.. عدا عن قباب جزائرية وشامية وأندلسية وعثمانية هنا وهناك، وحكايات رافقت عمليات النقش والبناء، واستعارات لخصائص معمارية من عصور أوروبا الوسطى وغيرها.

أول بيت في الأرض
المفارقة أن أول بيت وضع للناس في الأرض هو بيت السماء، البيت الحرام، بكل مقاماته المعمارية التي تثريها الرمزية العالية والدلالات العميقة والقصص الدينية، من الكعبة المشرفة والحجر الأسود وبئر زمزم ومقام إبراهيم ثم الصفا والمروة والمطاف والمسعى، والمحاريب في المسجد النبوي، أهم معلم لحائط القبة، تلاه ما توالى بعده من مساجد في بقاع الأرض، كمساجد الأمويين والعباسيين والفاطميين والمماليك والعثمانيين والبيئات المتنوعة التي وصلت إليها الحضارة الإسلامية في الصين ودول آسيا وأفريقيا، بلا تخل عن خصائصها الأساسية مع مرونة استجابتها واستيعابها للسياقات الزمنية والجغرافية المختلفة، محققة التكامل الثقافي والحضاري بين الأمم، أما العمارة الإسلامية في الأندلس فلم تزل ماثلة بقوة في الكاتدرائيات المتحولة سياسيا، مثل جامع قرطبة، الذي استغرقت أسلمته المعمارية ما يقارب القرنين من الزمان، ليتصدر قائمة كنوز إسبانيا في الألفية الجديدة، مع إدراجه ضمن قائمة مواقع التراث العالمي، أضف إليه مساجد إشبيلية والريف الإسباني، فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على دور الأمة الريادي والنهضوي وقيمتة الروحية العليا التي ميزت تلك الدور.
ربما تراجع هذا الدور في العصور الحديثة تبعاً للظرف الحضاري الراهن، ولكن ظلت القيمة الدينية حاضرة في الطراز المعماري حيث حرصت الدول على الارتقاء بعقيدتها وطقوسها العقائدية بآثار هندسية قمة في الرقي والدهشة باذلة الغالي والنفيس لإنعاش التنافس في سبيل إثراء الوعي الحضاري والتاريخي للأمة الإسلامية، وهي تحيي ثقافة البيوت السماوية عبر ثقافة إعمار الأرض.

مسجد الشفق الأبيض
جامع الشيخ زايد الكبير معلم إسلامي عظيم في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وهو رابع أكبر مسجد في العالم من حيث المساحة بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي ومسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء، يتسع لأكثر من 40 ألف مصل، ويتميز بكونه تركيبة نقش كاملة، ومنحوتة فريدة من نوعها، واشتغال باهر بالرخامي الأبيض، والهياكل الخرسانية ولعب معماري على حجر الدائرة وقبة الذاكرة... بانسجام بصري تام ينعكس على معنويات الرائي وهو يتأمل سور القباب المخملية البيضاء، التي تصل إلى 82 قبة، بمختلف الأحجام، تعلو سطوحها أهلة مطلية بالذهب، ومزخرفة بفسيفساء الزجاج، المنحوت منه والمصقول والمطلي، حتى ليبدو المشهد كقلعة سماوية من غيوم رخامية مقببة، معكوسة في مرايا البحيرات البلورية.
هنا أكبر قبة في العالم، تزن ألف طن، زخرفها خيرة الفنانين العرب بزخارف نباتية وآيات قرآنية غاية في الجمال والروعة، تمتد بصريا عبر مساحة مضاعفة من خلال تجلياتها المائية فوق البحيرات العاكسة المحيطة بالمسجد كأنها مرآة السماء، دون أن تحس بأية خديعة جمالية مشروعة طالما أنها تبلور الماء إلى ظل زجاجي أو فوهة للشفق على طريقة فاغنر، فما أن يحل الفجر حتى تتماهى القباب الناصعة بنقاوتها البرعمية التي تبعثرها الشمس ساعة الشروق، فتبدو القباب شفقا أبيض، يتحول تدريجيا مع أول ساعات الضوء إلى شفق بحري يشع بأحجار الفلك المتلألئة فوق بساط البحرة، والمتواشجة كثريات أندلسية حول حزام الأفق المائي.

طاقة البناء وفلسفة الحجر
عام 2014 اعتبر جامع الشيخ زايد الكبير ثاني أفضل معلم في العالم، حيث يعكس الروح العربية التي اتخذت من التصميم الهندسي للنخلة قاعدة انطلاق وامتداد، مثلها 1096 عموداً تعلوها التيجان النخلية ليسجل سبقاً معمارياً في تاريخ العمارة الإسلامية على اعتباره أول نخلة مقببة مرصعة بذهب الشفق المرتد من صحن المكان كسهم السعف، ولكنه في حقيقته أكبر لوحة فسيفساء على وجه الأرض.
تم استحضار المعدات التي استخدمت في البناء من جميع القارات، مع استيحاء الأنماط الثقافية المختلفة التي تتجلى في منارة الجامع، وثرياته الأكبر في العالم، وسجادته التي تعد أكبر سجادة في هذا العصر، والتصاميم التي تبدو كخلايا النحل وبراويز العسل على الجدران والأسقف التي تضم أسماء الله الحسنى، ما يضفي هيبة وقدسية على المكان وجمالية أخاذة تحسب للفن الإسلامي والعربي وتبشر بحضارة عمرانية تليق بمسيرة البناء التي تؤرخ لعهد عمراني عصري وازدهاري.
ولكن ماذا عن البعد الفلسفي والحيوي للمكان؟
التصميم الذي عكسه التنفيذ الدقيق والمحكم، شيد حقلاً عظيماً للطاقة، فعداك عن مركز العلوم الذي يضمه جامع الشيخ زايد الكبير، والذي يسجل إثراء للفعاليات الدينية والثقافية، ثم المسابقات والمحاضرات التوعوية ودورات تحفيظ القرآن والمعارض والشواهد الحضارية التي تبرز الموروثات الإسلامية، ومدخرات المكتبة التي تحوي أكثر من 7000 كتاب عن العمارة الإسلامية وتاريخها وكل ما يتعلق بها من المخطوطات والكتب النادرة - بمعدل يقارب الخمسين ألف مخطوطة بنسختها الأصلية - كل هذا ويزيد، يكرس الحيز كمتحف معماري ووثيقة معرفية وتاريخية ودارا للعبادة والتراث ولوحة مشهدية وأدائية، برعت في خلق مجال مغناطيسي تتفاعل به الخواص الكيميائية والحركة الفيزيائية للصلوات والأوقات مع الأحجار الكريمة كحجر البحرة وحجر الشفق الأبيض «الرخام» وحجر اللغة.
إنها ترددات الطاقة تتناغم روحانياً مع الطقس التعبدي للمكان، لتضاعف تأثيرات الخواص الحيوية للحجارة والمياه والنقش متجاوزة التأثير الجمالي على النفس والعين، إلى المردود الروحي العميق المشبع بالخشوع والسكينة وأسباب التأمل.
أما القبة في جامع الشيخ زايد الكبير، فتحيل إلى حنين سماوي وتاريخي وإبداعي إلى قبة الصخرة، فللقباب مجدها وعنفوانها، للقباب فلسفتها وطاقتها، ولها ما لها من شموخ وكبرياء وألفة وأنفة، كأنها أرض الديار التي تزينها نجوم البحر وزهور الفسيفساء في حدائق السماء.