البند الأول في مشرو ع الإصلاح: تقويض الدولة العربية
غسان مكحل:
الطبيعة الاستثنائية للاحداث التي شهدتها وتشهدها الساحة اللبنانية، لا تلغي واقع ان التطورات اللبنانية، تأتي منسجمة مع مسار التطورات على المستوى العربي· وهي تطورات تحمل عنوانا اساسيا يتمثل في الاتجاه الى تقويض الدولة العربية التي جرى ويجري تحميلها المسؤولية عن التراجعات والمآسي كلها في المنطقة العربية والشرق الاوسط عموما·
فعلى مدى السنوات الماضية وفي سياق الكلام المتدفق عن السلام ثم الاصلاح ثم التخلف وغير ذلك، جرى التركيز على ان ما يسمى زالدولة العربية في الشرق الاوسط وشمالي أفريقيا، هي المسؤولة عن هذه الآفات كافة· وذلك بعد ان كان التركيز في المراحل التي سبقت على ان الأزمات في العالم العربي اساسها إقامة الدولة الصهيونية المعتدية في قلب المنطقة العربية، واساسها الاستعمار والامبريالية الغربيين، والتوجه العنصري الغربي ضد العرب والمسلمين، وتركيز الدول الغربية وبالاخص الولايات المتحدة، على منع العرب من التقدم في المجالات كافة·
الأساس في المنطق الذي يجري التركيز عليه الان هو ان اسرائيل والقوى الغربية، وتحديدا الولايات المتحدة، غير مسؤولين عن أي من مآسينا، وان المسؤولية تقع على عاتق مؤسسة الدولة العربية، التي باتت صورتها تتلخص في انها دولة قمعية غير عقلانية يستشري الفساد فيها وتنتشر فيها اللاعقلانية·
بالطبع فإن أحدا لا يمكن ان ينكر حقيقة ان الدول العربية تتحمل مسؤولية كبرى عن الظروف التي نعيشها حاليا، الا انه سيكون من التجني ان نغض النظر عن الانجازات الحقيقية التي حققتها مؤسسة الدولة العربية، سواء في الاعمار والتعليم والبناء المؤسساتي في غالبية البلدان العربية، والتركيز فقط على السلبيات والاخطاء، والتوصل الى احكام مطلقة بالنسبة الى التجربة العربية في نصف القرن الاخير، من دون محاكمة دقيقة لهذه التجربة، ومن دون أخذ العوامل الخارجية والاهم من ذلك عامل الصراع العربي الاسرائيلي، وعامل انعدام العدالة الدولية تجاه القضايا العربية بالاعتبار·
وعلى الرغم من الاهمية الكبرى للتفاصيل في ما يجري في لبنان، تحديدا منذ حدث إغتيال الرئيس رفيق الحريري، الا ان اطرافا عديدة على الساحة اللبنانية تسعى الى استثمار واستغلال هذا الحدث، للانقلاب على مشروع الدولة العربية في لبنان، تارة تحت شعار رفض الهيمنة السورية وطورا تحت شعار الاهمال الامني·
تقصي الحقائق
ولا بد من الاشارة هنا الى ان تقرير بعثة تقصي الحقائق بشأن إغتيال الرئيس الحريري، والذي يبدو ان نتائجه كانت مرسومة سلفا، يستهدف تمهيد الارضية محليا وإقليميا ودولية، من أجل تقويض الدولة اللبنانية الحالية، لصالح مشروع دولة مجهولة الهوية معدومة الشخصية، تقوم على اساس التوافق بين امارات طائفية، تسهل ادارتها من الخارج، ويكون الترابط الوطني بينها الخيط الاضعف·
ويفترض التذكير بأن الامين العام للامم المتحدة والقوى الدولية الرئيسية كانت تميل الى النتائج التي وصلت اليها بعثة تقصي الحقائق حتى قبل تشكيلها· كما ان المعارضة اللبنانية كانت تحدثت عن نتائجا عمل اللجنة الدولية قبل اسابيع من نشر تقريرها· الاساس هو ان التقرير، وبرغم بعض النقاط التقنية التي اوردها، والتي اريد منها تبرير الاستنتاجات ذات الطابع السياسي، يهدف الى وضع الاساس امام تشكيل لجنة تحقيق دولية بقرار من الامم المتحدة·
ومن ثم يصار الى الكلام عن ارسال قوات دولية الى منطقة بيروت بذريعة حماية عمل لجنة التحقيق الدولية، وصولا الى تشكيل محكمة دولية، تكون اطارا للهيمنة الاميركية على سوريا ولبنان، من دون ان تضطر اميركا الى تكبد عناء التدخل العسكري، كما فعلت في العراق، خصوصا وان التورط الاميركي في العراق، يشكل عائقا كبيرا جدا امام التدخل الاميركي في سوريا ولبنان·
ومن ثم تكون تلك الحركة الدولية، التي ترفع شعار التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري، وسيلة لتحقيق التغيير في لبنان وسوريا بما يوافق اميركا واسرائيل، مرورا بتحقيق هدف تفكيك حزب الله الذي تعتبره اسرائيل التهديد الاصعب لها في المنطقة·
مشروع الدولة العربية
ومن بين اهم بنود المشروع الاميركي في لبنان، هو الغاء مشروع الدولة العربية في لبنان والتي قامت على اساس اتفاق الطائف، وعلى انقاض فشل المشروعين الاسرائيلي والاميركي للبنان في اعوام الثمانينات، وتكون اسرائيل واميركا، قد حققتا في ذلك ما لم تستطيعا تحقيقه بالحرب على لبنان وسوريا والفلسطينيين بدءا من الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام ·1982
ويصعب في هذا المجال تصور امراء الطوائف في لبنان بعيدين عن هذا المشروع الذي لا بد من ان يصب في صالحهم، كونه يلغي او يضعف الدولة في لبنان الى اقصى الحدود، ويغلب الطائفي على القومي والوطني· ويحقق اهدافهم التخلفية ذات الطابع الاقطاعي، تحت شعارات الديموقراطية والتطور· ومن الامور الغريبة، العمل الحثيث على تقويض الدولة تحت شعار الديموقراطية، مع انه من البديهي القول انه لا وجود لشيء اسمه ديموقراطية من دون دولة قوية·
ولا بد من التذكر بأن كل ما يجري في لبنان وعلى الصعيد الاقليمي يصب اساسا في مصلحة هدف اميركا تأمين الحماية للمشروع الصهيوني· فمشروع تقسيم العرب في سايكس بيكو الذي اريد له ان يؤمن الهيمنة الغربية غير المباشرة على المنطقة، وان يمنع العرب من تحقيق التقدم والقوة، وان يمنعهم من مواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني، اثبت فشله في تحقيق ذلك· واستمرت الدولة العربية، برغم التقسيم عقبة كبرى امام هذا المشروع الغربي·
العامل الاسرائيلي
فالدولة العربية، ما زالت العقبة الاساسية امام مشروع السيطرة الخارجية على المنطقة، برغم تعرضها للكثير من الفشل والهزائم· وغالب الظن ان المشروع الوطني التوحيدي الذي تحفظه الدولة، أثبت انه تهديد حقيقي للدولة اليهودية التي لا تعيش الا على اساس تحقيق الفرقة والانقسامات، في محيطها، على اساس طائفي تحديدا· فكيف اذا كانت هذه الدولة عربية، تؤكد على الهوية العربية التي هي النقيض لفكرة اسرائيل·
وبالتالي فإن هدف حماية اسرائيل لا يمكن ان يتحقق ويستمر الا بإلغاء مشروع الدولة أو افشاله في المنطقة· وبالاخص الدولة العربية·
وهذا ما جرى فعليا في العراق· وهو ما يفسر اصرار الاميركيين، بعد الحرب، على الغاء الدولة العراقية، برغم المخاطر الكبرى التي حصلت لاحقا، والتي حذر منها الكثير من السياسيين في العراق وحتى في اميركا مسبقا· والذي جرى بعده حذف الهوية العربية للدولة الصورة التي يقال انه يراد تشكيلها· وهو ما يجري حاليا في لبنان، ويجري التخطيط لتحقيقه في سوريا ودول اخرى·
وهو بالفعل ما يجري في السودان، حيث يهدف الغرب الى الغاء الهوية العربية للدولة ومن ثم الغاء الدولة ذاتها، تحت ذرائع متعددة· وغالب الاعتقاد ان لعبة الدومينو في هذا المجال تهدف الى تحقيق ذلك في كل الدول العربية، لتتحول المنطقة من دول مفصلية الى اقليات طائفية وقبلية وعصبية ومناطقية متناحرة·
ويفترض الانتباه هنا الى انه في هذه المرحلة من الهجوم الاميركي، الواسع على المنطقة، مسموح لكل الفئات الطائفية والقومية التباهي بنفسها والمطالبة بأي شيء تريد الا العرب، فإنه في هذه المرحلة من الهجوم بات الانتماء القومي العربي تهمة، توازي الاتهام بالفاشستية والديكتاتورية والتخلف، في حين انه لا مانع ان يتباهى المرء بانتمائه الكردي او البربري او السني او الشيعي، وغير ذلك·
وهو توجه تريد السياسة الاميركية في المنطقة تكريسه، لتكريس سيطرتها، على اساس انه يسهل ادارة المنطقة مفتتة، ويسهل توجيهها للقبول بإسرائيل على انها القوى الاقليمية الاكبر·
المثال الكردي
وهو ايضا ما جعل الاكراد على سبيل المثال يتصرفون على انهم منتصرون ليس في العراق فحسب بل على مستوى المنطقة ككل، وحتى الجرأة على المطالبة بالسيطرة على اراض عربية منذ مئات السنين، بل الاف السنين في العراق وسوريا· وهو ما مكنهم حتى من رفض العلم الوطني العراقي، بذريعة انهم اضطهدوا تحت رايته، مع انهم ليسوا الوحيدين الذين جرى اضطهادهم ابان حكم صدام حسين، ومع ان الدولة العراقية التي اقيمت على اسس الاحتلال البريطاني للعراق، ورثت استخدام العنف العسكري ضد الاكراد وغيرهم من البريطانيين، الذين كانوا اول من استخدم الاسلحة الكيميائية ضد الاكراد منذ عشرينات القرن العشرين· وكانت تلك المرة الاولى في التاريخ التي تستخدم فيها اسلحة كيميائية ضد المدنيين في أي بلد على الاطلاق·
ويبدو واضحا ان هناك تشجيعا اميركيا قويا على المشاعر العنصرية ضد العرب، بهدف تكريس الانقسام الداخلي في العراق وفي كل بلد عربي، على الرغم من ان العرب لم يكونوا في يوم من الايام مسؤولين عن حرمان الاكراد من اهدافهم القومية، خصوصا وان الغرب هو الذي حدد خارطة المنطقة وليس العرب الذين كانوا ضحايا للغرب كما غيرهم·
ويمكن القول ان خلاصة السياسة الاميركية في المنطقة، هي السعي الى ترسيخ الاقتناع بأن العرب غير مؤهلين لإقامة دولة، وغير مؤهلين لوحدهم للسير في طريق الديموقراطية، وان دولهم، ( يراد عبر تقرير لجنة تقصي الحقائق ايراد لبنان كمثال جديد على ذلك) لا تستطيع حماية مواطنيها ولا تأمين حاجاتهم وحقوقهم· وبالتالي فإن الحل هو وضع العرب ودولهم تحت الاشراف الدولي، كما حصل في العراق ويراد ان يحصل في لبنان وسوريا والسودان ولاحقا الدول العربية كافة·
المصدر: 0