حذر علماء الدين من خطورة تمويل الجماعات والتنظيمات الإرهابية، معتبرين ذلك لوناً من ألوان «الإفساد في الأرض» نهى عنه الإسلام الحنيف في الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مؤكدين أن كل من له صلة بالإرهاب من قريب أو بعيد شريك في الإثم والبغي والعدوان، ومتساوون في العقوبة الشرعية والقانونية.
وأوضح العلماء أن تجريم الإرهاب يشمل الممولين للعمليات الإرهابية ـ أفراداً أو جماعات أو دولاً ـ والمخططين والمنفذين لها، فهؤلاء جميعاً يتساوون في الجرم والذنب والعقوبة، لا فرق في ذلك بين الممول والمخطط والمنفذ.
وشدد العلماء على ضرورة العمل على تجفيف منابع تمويل الإرهاب والتعامل مع مصادر تمويله بكل حزم وحسم، معتبرين ذلك واجباً على كل إنسان مسلم، لاسيما أن ظاهرة الإرهاب تسيء إلى الإسلام والمسلمين، وترك شرها يتفاقم في المجتمع يؤثر على الجميع.

جريمة وإفساد
الدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، شدد على رفض الإسلام الحنيف لكافة صور الإرهاب وأشكاله وأدواته ووسائله، مؤكداً أن تجريم الإرهاب يشمل الممولين للعمليات الإرهابية والمخططين والمنفذين لها، وجميعهم يتساوون في الجرم والذنب والعقوبة، لا فرق في ذلك بين الممول والمخطط والمنفذ.
وقال د. عمر هاشم: لقد صان الدين الإسلامي حرمة النفس الإنسانية، وحمى حقوق الإنسان دمه وماله وعرضه، وحذر من الخروج عن الجماعة، وتوعد من دعا بدعوى الجاهلية، والمؤكد شرعاً أن من خرج عن الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع، كما أن الإسلام ينأى بأتباعه عن ظواهر الغلو والتشدد، وعن العنف والإرهاب، ويغرس في قلوبهم الرفق والرحمة والتسامح، ومقابلة السيئة بالحسنة، حيث قال الله سبحانه وتعالى: «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم».
وأضاف د. عمر هاشم: ومن هذا المنطلق لا يجوز شرعاً المشاركة في أعمال الإرهاب والعنف سواء بالتمويل المادي، أو الدعم الإعلامي، أو بالتخطيط والتنفيذ، فمن يمول الجماعات والتنظيمات الإرهابية فإنه بهذه الفعلة الشنعاء يساعد على انتشار الإرهاب وبقائه، وبالتالي زيادة أعداد ضحاياه، وهذا جرم وإفساد في الأرض نهى الإسلام الحنيف عنه، وفي هذا الشأن قال تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان».
وشدد د. عمر هاشم على ضرورة مقاومة الإرهاب وتجفيف منابع تمويله، والتعامل مع مصادر تمويله بكل حزم وحسم، معتبراً ذلك واجباً على كل مسلم، لاسيما أن ظاهرة الإرهاب تسيء إلى الإسلام والمسلمين، مع العلم أن ترك شرها يتفاقم في المجتمع يؤثر على الجميع، وما ينجم عن هذه الظواهر من أخطار، لا يخص من مارسها فحسب بل تشمل جميع أفراد المجتمع، فإن أخذ المجتمع على أيدي أصحابها نجا الجميع، وإن تركوهم هلكوا جميعاً، ولا يختص الهلاك بمن مارس الخطر والشر فقط، فهناك المسؤولية الجماعية التي يجب أن يقف فيها الرأي العام موقفاً موحداً في مقاومة المنكر، وفي الدفاع عن الحق فيكون له أكبر الأثر.

اعتداء على الإنسان
ومن ناحية أخرى، أوضح د. حسين شحاتة، الأستاذ بجامعة الأزهر، أن الإرهاب بكافة صوره وأساليبه اعتداء صارخ على الحاجات الأصلية للإنسان مهما كانت عقيدته وجنسيته وعرقه، لأنه يسبب الرعب والخوف والفزع والقلق بين الناس، وهذه من الأمور التي نهى الشرع الإسلامي عنها باعتبارها من صور الإفساد في الأرض، وأوجب على ولي الأمر محاربته بالوسائل والسبل المشروعة، فقد ورد في سورة المائدة قول الله تبارك وتعالى: «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم».
وقال د. حسين: ونظراً لخطورة الإرهاب وآثاره السلبية وأبرزها إثارة الخوف والرعب والفزع والقلق بين الناس، فقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج متكامل لمواجهة الإرهاب ومحاربته، بما في ذلك مكافحة مصادر تمويله، حيث اعتبر الإسلام كل من له صلة بالإرهاب من قريب أو بعيد شريكاً في الإثم والبغي والعدوان، وبالتالي فإن كافة صور تمويل الإرهاب ودعم الجماعات الإرهابية محرمة شرعاً، وتمثل جريمة كبرى يعاقب عليها الشرع والقانون.
وتابع د. حسين: الإرهاب جريمة خطيرة للغاية لها أبعاد اجتماعية واقتصادية سلبية، ومن ثم يُجرم كل من يشارك في هذه الجريمة سواء بالتمويل، أو التخطيط أو التنفيذ، أو حتى من يدعمها إعلامياً، وذلك بهدف تحقيق أغراض غير مشروعة، ومنهي عنها في الكتاب والسنة وإجماع الفقهاء، ولبيان خطورة تمويل الإرهاب لا بد من الإشارة إلى الآثار السلبية للعمليات الإرهابية، ومن بين هذه الآثار الاعتداء على الإنسان الذي هو مناط التنمية في أي مجتمع، وكذلك الاعتداء على المال الذي هو قوام الحياة والتنمية، والاعتداء على البنية الأساسية التي هي من مقومات التنمية، وتأسيساً على كل ذلك فإن الإرهاب يسبب خسائر اقتصادية تصيب الفرد والأسرة والمجتمع والدولة بالإضافة إلى الخسائر المعنوية، ولن تتحقق التنمية إلا من خلال مجتمع آمن، فالأمن والرزق مقترنان وهما من مقومات الحياة الكريمة للإنسان.

هلاك الأنفس والأموال
عرف فضيلة الشيخ عبدالناصر بليح، أحد علماء وزارة الأوقاف المصرية، الإرهاب باعتداء وعنف منظم يشارك في ارتكابه أفراد أو جماعات أو دول، ويؤدي إلى هلاك الأنفس والأموال والممتلكات والمنشآت العامة والخاصة، وقد اعتبره الإسلام الحنيف سعياً في الأرض بالفساد، ومن أجل هذا اتخذ الدين الحنيف من الإرهاب موقفاً حازماً، حيث حرم وجرم كل ما يؤدي إليه وكل من يشارك فيه، ويأتي على رأس هؤلاء الممولون الذين يشاركون في جريمة الإرهاب بالأموال التي يوفرونها للجماعات والتنظيمات الإرهابية، وكل ذلك معاقب عليه شرعاً، فمن قام بجريمة تمويل الإرهاب فقد ارتكب أمراً محرماً، ووقع في الجرم المستحق للعقوبة الشرعية والقانونية.
وأوضح أن الإسلام الحنيف ينبذ كل أشكال الإرهاب والعنف وترويع الآمنين، وقتل الآخرين، بل يعتبر الإسلام الاعتداء على فرد واحد، كأنه اعتداء على البشرية كلها، وفي هذا الشأن قال الله تعالى: «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً»، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على كل من يشارك في عمليات تمويل ودعم الإرهاب.