عن مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية صدر مؤخرا كتاب «مختارات من الأدب الصيني الحديث.. نخبة من أدباء وكتاب الصين» بالتعاون مع وزارة الثقافة الصينية، ويقع في مئة وأربع وسبعين صفحة من القطع المتوسط مشتملا على ثلاثة فصول: شعر، وقصة، وشهادات، بالإضافة إلى مقدمة كتبتها الناقدة الصينية هي زيانغ يانغ، إنما دون أية إشارة إلى مترجم أو مترجمي هذا الكتاب إلى العربية. وجاءت الترجمة عبر الانجليزية كلغة وسيطة، وتم اختيار هذه المنتخبات من قبل ريما شيوي شيون جي من وزارة الثقافة الصينية. ورغم أن مقدمة الأمانة العامة للمؤسسة تشير إلى أنه «بعد سلسلة من لقاءات العمل بوسائل الاتصال الحديثة، استطعنا أن نختار هذه المجموعة الأدبية التي لا تمثل الأدب الصيني، إنما هي شرائح من هذا الأدب ونماذج لمعرفة واقع الصين الحياتي عبر المتغيرات التي طرأت على العالم». إلا أن القارئ، بدءا من مقدمة الكتاب يلحظ غلبة «الأدب النسوي»، على ما عداه حيث خصّتْ المقدمة الفصل القصصي الذي جاء نسويا دون سواه. لكن هذا الأمر لا ينفي أبدا أن الكتاب، الذي تمّ اختيار نماذجه بدءا من أربعينات القرن الماضي وحتى هذا العقد، يجعل القارئ يطّلّ على أدب ذي مزاج مختلف وممتع، خاصة مع تلك السلاسة في اللغة وبساطتها ونأيها عن الجمل المعترضة والمضاف والمضاف إليه وابتعاد عن الغموض وصفاء في الأفكار والصور. وإذ يكون جهل المرء في معرفة المذكر من المؤنث في الأسماء الصينية فلا يدري القارئ هل هذه القصيدة لرجل أم امرأة، فإن ذلك يجعله يذهب إلى جوهر الشعر في ذاته بعيدا عن المقدمة التي تنتمي بوضوح إلى ما يعرف بـ«النقد النسوي» أحد تيارات ما بعد الحداثة النقدية في الثقافات العالمية راهنا. وهنا، من الممكن القول إن الشعر في هذا الكتاب هو تمجيد للبساطة، لكنه أيضا شعر عزلة، فيسعى الشاعر خلال قصيدته إلى «تجريد» تجربته الإنسانية إلى خطوطها الأساسية، حيث تواجه «الذات» الساردة في القصيدة العالم والوجود بمفردها، بل بإحساس تلك «الذات» بفرديتها الخالصة، ولعل المثال الأكثر سطوعا على ذلك قصيدة «الربيع» التي تحمل توقيع «مو دان» والتي يرد فيها: «عشرون عاما وأنت تشتعل حنينا ولكنك غير قادر على أن تجد وجهتك النهائية. الضوء والظل جميعا تتقاطع بانتظار الدخول في ترنيمة جديدة». وبالفعل فإن الطبيعة تكاد تكون موجودة في القصائد كلها، على هذا النحو أو ذاك، إنما تأتي وقد اختلطت بالمشاعر الإنسانية في إطار بنية حكائية واحدة تقوم عليها القصيدة حتى لو جاء المعنى مواربا قليلا. وعن هذه المواربة، يرد في قصيدة «الجواب» التي تحمل توقيع «بي داو»: «انقضى عصر الجليد فَلِمَ يبقى الثلج مُطوِّقا العالم؟ وتمّ اكتشاف رأس الرجاء الصالح فَلِمَ لا يزال البحر الميت مملوءا بالأشرعة؟» إلا أنه في الكثير من الأحيان، من غير الممكن أن يعثر المرء توهجات شعرية في القصيدة بل يجدها كلها وهج واحد مكتمل. غير أنها لا تخلو أبدا من الاستعارات والتشبيهات الحارّة، ولعل أجمل ما يرد من بين القصائد من تشبيه شعري هذه الخاتمة لقصيدة «أمي» التي تحمل توقيع «شو تينج: «أووه .. أمي الذكريات الحلوة التي أحملها عنكِ ليست شلالات متدفقة ولكنها بئر قديمة مخبوءة في الأزهار والشجر». أما فصل القصة فيحتوي على ثلاث قصص فقط لثلاث كاتبات، وتدور أحداثها، تقريبا، في أجواء متشابهة عن نساء شابات يعشن في أتون مطحنة المدن الكبرى مثل بكين وشنغهاي. تتشابه هذه الشخصيات في مصائرهن التي تؤول إلى الخيبة المفرطة والعجز عن مواجهة العالم، فيما تختلف تفاصيل حياتهن من العزلة والانطواء فالانطلاق في العيش وبناء علاقات اجتماعية متوازنة تفشل دائما. والقصص هنا، يحسب المرء أنها قائمة على خبرات ذاتية للقاصات اللواتي كتبنها، فهي واقعية تماما، لكن حساسيتها الجمالية تجيء في معالجة واقع المرأة عبر اختلاط المشاعر الإنسانية، كالحب والرغبة والطيش، بالحدث اليومي والعادي لامرأة عاملة في مصنع أو لأستاذة جامعية. وعلى العكس من المنتخبات الشعرية، فلا تذكّر إلا في ما ندر، فكأن ما يجري (الآن، وهنا) قد جرى أمس ويجري اليوم وسيجري غدا، لكن الرابط الوثيق بين هذه القصص جميعا هو الإحساس الذي لا يتحقق بالنزوع إلى الحرية الفردية. وأخيرا، ثمة فصل «شهادات»، والأحرى أنه فصل من «المقابلات» الصحفية، التي تتأرجح في عمق التجربة الإنسانية من كتاب إلى آخر، يتحدث فيها ثلاثة كتّاب من أجيال مختلفة عن حياتهم في العيش والكتابة.