اعتاد أن يستيقظ عند دقات الساعة السادسة صباحاً، يجهز نفسه ثم ينطلق في اتجاه مقر عمله بإحدى الدوائر الاقتصادية، يصل عند الثامنة إلا دقائق ليبدأ يوم عمل حتى الثالثة عصراً، ولم ينس خليفة خليل لاعب سلة الأهلي والمنتخب الوطني تجهيز حقيبته الرياضية في الصباح الباكر لتكون رفيقته في دربه إلى العمل، ثم بعد ذلك إلى النادي للتدريب اليومي، أو الاستعداد لمباراة في الدوري المحلي تقام عند السابعة مساء.
هذا هو البرنامج اليومي لأحد لاعبي المنتخب الوطني لكرة السلة، 8 ساعات عمل، ثم تدريب أو مباراة، ولم يكل اللاعب أو يمل من هذا البرنامج الضاغط له ولحياته العائلية أو حتى الجسمانية، وواصل المسيرة حتى وجد نفسه ذات يوم من دون عمل بسبب ممارسته للعبته المحببة، أو بمعنى أدق بسبب وجوده لفترات طويلة مع منتخب كرة السلة، أو مع ناديه في البطولات المحلية والخارجية.
رفضت جهة عمله حساب الأيام التي تواجد فيها مع المنتخب الوطني كأيام عمل رغم أنه في مهمة وطنية، كما رفضت حصوله على أي ترقية أو زيادة في الراتب بحجة أنه لا يتواجد باستمرار ودائم الغياب.
خليفة قرر ترك عمله، نظراً لعدم حصوله على حقوقه، وبدأ رحلة البحث عن عمل آخر لينفق منه على عائلته وأولاده الصغار، وقبل قرار الأمس بانسحاب منتخب السلة كان اللاعب ينوي الاعتذار عن عدم المشاركة لأنه ينتظر عملاً جديداً، وأبلغ إدارة المنتخب أنه لن يتواجد في البطولة حال حصوله على الوظيفة، لاسيما وأنه الآن من دون عمل، ولديه «عيال» يحتاجون لمن يعولهم.
وطالب اللاعب فقط بحقوقه والتعامل العادل مع هذه القضية، مؤكداً أنه ومئات اللاعبين يعانون هذه المشكلة التي تعجل بتركهم الرياضة بشكل تام من أجل مستقبل عائلاتهم، خاصة أن الألعاب الأخرى لا تدر دخلاً مادياً يتناسب مع التضحيات التي يقوم بها اللاعبون.
هذا ليس حال خليفة خليل فقط.. هناك العديد من اللاعبين في مختلف الألعاب الأخرى غير كرة القدم يعانون الأمرين في الحصول على تفريغ من أجل المشاركة مع المنتخبات الوطنية في البطولات الخارجية، سواء الخليجية أو العربية، وكذلك القارية والعالمية، كما أنهم يعانون في الحصول على حقوقهم من جهات عملهم، ومؤخراً ظهرت على الساحة مشكلة لاعبي منتخب السلة المشارك في الآسياد، حيث فشل اتحاد اللعبة في الحصول على تفريغ ستة من لاعبيه، الأمر الذي قاد لانسحاب المنتخب من المشاركة.
وينطبق الحال نفسه على البولينج التي تعاني نفس المشكلة في عدم الحصول على تفريغ ثلاثة لاعبين من أصل ستة يجب وجودهم في هذه المنافسات، ما يهدد تلك المشاركة أيضاً.
وكثير من الحالات تتشابه، تارة في البطولات القارية وأخرى في العالمية، والأزمة الكبرى أن جهات عمل هؤلاء اللاعبين تضرب بقرار مجلس الوزراء عرض الحائط بحجة أن اللاعبين يحصلون على إجازات كثيرة تفوق مدة الشهر المنصوص عليها في القانون.
وتعيش الاتحادات الرياضية في كابوس اسمه «التفرغ الرياضي»، حيث تواجه مشاكل كثيرة في الحصول على تفريغ اللاعبين قبل البطولات، بل تواجه المستحيل في حل هذه المعضلة في معسكرات الإعداد، ومن الصعب أن ينجح اتحاد في الحصول على تفرغ جميع لاعبيه قبل السفر في معسكرات الإعداد.
المؤسف أن هذه المشكلة تتكرر كل يوم ومع كل بطولة، أو دورة خليجية أو عربية وقارية ودولية وأولمبية، يأتي ذلك رغم توجيه الهيئة العامة للرياضة، خطابات رسمية إلى جميع الهيئات والجهات التي لا تتجاوب معظمها، ويتواصل الشد والجذب بين الاتحادات وجهات العمل، حيث يعتبر البعض أن التفرغ عبارة عن سياحة وليس مهمة وطنية، وبين هذا وذاك تتجدد الأزمة في كل بطولة.
«الاتحاد» فتحت الملف الشائك، ورصدت العديد من الحكايات والقصص من كواليس الاتحادات في قضية الحصول على التفرغ، لدرجة وصلت إلى أن بعض الاتحادات اضطرت إلى شراء إجازات لاعبين من أجل تفرغهم.
وكان مجلس الوزراء قد أصدر قراراً بالرقم 20 لسنة 2007، بشأن إجازات التفرغ الرياضي وما في حكمها، وهو القرار الذي اعتمده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي حرص من خلال هذا القرار على تعزيز مبدأ الاستقرار والتكامل في العمل الرياضي، إضافة إلى وضع حد للاجتهادات والاختلاف في الرأي بشأن الإجازات الرياضية، ومهد الطريق أمام تقدم ورقي الحركة الرياضية بالدولة.
جاء القرار صريحاً وشاملاً لكل ما كان يؤرق الساحة الرياضية، حيث نص تفسير القرار في شأن المهمة الرياضية على التفسير الآتي: «هي الإجازة التي تمنح بناء على طلب الهيئة لكل من يلزم مشاركته في المسابقات أو البطولات أو الفعاليات الخليجية أو العربية أو الآسيوية أو الأولمبية أو الدولية، سواء في فترة الإعداد أو في فترة المشاركة».
كما تضمن القرار رسم ملامح البطولات الرياضية المصرح بالحصول على إجازات رياضية للمشاركة فيها، ونصها كما جاء بالقرار: «تشمل جميع أنواع، ومستويات المسابقات والبطولات والدورات الخليجية والعربية والآسيوية والأولمبية والدولية، سواء أكانت داخل الدولة أم خارجها».
ولم يهمل القرار فترات الإعداد ووضع الضوابط المحددة ونص على: «هي الفترة الزمنية اللازمة لجمع وتحضير وتدريب وتأهيل المشاركين في معسكرات تدريبية داخلية أو خارجية، استعداداً للمشاركة في البطولات الرياضية أو الأنشطة الشبابية».
أما فترة المشاركة في البطولة، فقد نص القرار على توضيحها كالتالي: «هي الفترة المحددة للبطولة الرياضية أو المسابقة، وتشمل فترتي السفر والعودة إذا كانت المشاركة خارج الدولة، وبما لا يتجاوز يومين قبل المشاركة ويومين بعد انتهائها».
أما عن إجازة التفرغ الرياضي، فقد جاء تفسيرها على النحو التالي الذي أقره مجلس الوزراء: «هو انتداب الرياضيين الموهوبين (ذوي القدرات والمهارات الفائقة وفقاً للمعايير المعتمدة من الهيئة، وبشرط أن يكون ترشيحهم من بين الأسماء المعتمدة لدى الهيئة)، وذلك لمدة لا تتجاوز سنة قابلة للتجديد بهدف تفرغهم بشكل كامل للتدريب وإعدادهم للمساهمة في البطولات الرياضية».
كما لم يهمل القرار المهمات الثقافية أو الفنية للشباب فنص على: «الإجازة التي تمنح بناء على طلب الوزارة لكل من يلزم مشاركته في بعض الفعاليات الثقافية أو الفنية داخل الدولة أو خارجها».
أزمة التفرغ الرياضي أثرت بشكل سلبي مباشر على مستوى بعض الألعاب، خاصة الجماعية، مثل السلة والطائرة واليد، وبعد أن كانت الإمارات من بين أقوياء الخليج والعرب تراجعت كثيراً لعدم القدرة على تجميع اللاعبين والاستعداد بشكل جيد، وهو عكس ما يحدث في الدول المجاورة التي أقرت بوجود تفرغ كامل لكل لاعبي المنتخبات، وتوفير الأجواء التي تؤهلهم للمنافسة، في الوقت الذي يختلف الوضع في أوروبا والدول المتقدمة رياضياً، حيث يتم التعامل مع اللاعب على أنه ثروة وطنية وموهوب ولا بد من مساعدته بكل الطرق وليس وضع العراقيل أمامه، سواء في جهات عمله أو الذين يدرسون في المدارس والجامعات.