عبير زيتون (دبي)

في الوقت الذي تعاني فيه «الفلسفة» في واقعها العربي، أزمة صامتة سواء «كحقل للتفكير» بسبب رؤية فقهية تقليدية، ترى فيها أحياناً عدواً للدين، ومناقضة له، أو «كمادة للتدريس» يتم التضييق عليها في المدارس والجامعات في أكثر من دولة عربية، يشهد الفضاء الرقمي التفاعلي بقنواته المختلفة «مدونات، منتديات، فيسبوك» ما يشبه الطفرة الشبابية اللافتة في اهتماماتها الفلسفية، وانشغالاتها الفكرية، القائمة في جوهرها على شغف إحياء سؤال التفلسف، النابذ لكل نمطية في آليات العرض، والطرح، بحيث يتحقق معها عنصر الحيوية والمرونة، وتلك البساطة الهاربة من جمود الطرح الأكاديمي للفلسفة، ومن نخبوية أصحابها، أحياناً.

في السياق نفسه، يأتي القرار التاريخي للمملكة العربية السعودية بتدريس مادة «مهارات التفكير الناقد، والفلسفة» في مناهج التعليم الثانوية، ليدفع في اتجاه تحرير الفلسفة مما لصق بها من إشكاليات، ما يوحي للمتابع بشرارة وعي فكري جديد، يترصد النهوض بواقع الفلسفة العربية المأزومة في واقع مؤسساتها وجامعاتها.
ومن إشارات هذا الوعي الشبابي، كما يتجلى في حجراته الرقمية، الزخم المتعاظم الذي تحتله الصفحات المكرسة لنشر وتداول أعمال كبار المفكرين، والفلاسفة، والتوجه المتزايد نحو تخصيص مدونات كاملة بأسمائهم، ومؤلفاتهم، والحرص على نشر، وتداول كل ما يتعلق بترجماتها خاصة على «الفيسبوك» كونه المنصة الأكبر عالمياً. ومن اللافت الثقل الجغرافي «السعودي» لمنشأ تلك المواقع، ونذكر على سبيل المثال: موقع «حكمة» و«نادي الإبداع الفلسفي» و«أنصار الفلسفة» و«الفيلسوف الصغير» و«محبو الفلسفة في السعودية» و«حلقة الرياض الفلسفية» و«صفحات أفلاطون» و«جمهورية أفلاطون - نيتشه» وغيرها الكثير، مما يصعب حصره.
ومن زخم هذه المعطيات الوليدة افتراضياً، والغائبة واقعياً، يبرز سؤالان: ما الذي يجعل من «السوشيال ميديا» بمحركها الشبابي الأكثر استجابة لنداءات إحياء (سؤال الفلسفة) فيما هي مغيبة كلياً في الواقع اليومي؟ وأيهما الأصدق ضمن هذه الثنائية: الافتراضي أم الواقعي؟
توجهت «الاتحاد» في طرح سؤالها الأول، إلى أكاديميين وخبراء سعوديين متخصصين بالشأن الفلسفي، وإلى شابات يدرسن الفلسفة، وكانت هذه الحصيلة.

فجوة بين الأكاديمي والواقع
يقول د. شايع الوقيان (دكتوراه فلسفة تربية، باحث في فلسفة المعرفة والأنطولوجيا): سؤالك هذا يقف بنا تماماً على مشكلة حضارية وتربوية مؤرقة، وهي الفجوة الكبيرة بين الأكاديمي، والواقع اليومي. وبصفتي عضواً مؤسساً لنشاط فلسفي غير أكاديمي (وهو حلقة الرياض الفلسفية)، أقول للأسف، إن الحقل الأكاديمي عربياً، صار عائقاً أمام التطور السريع والحيوي، الذي أسهمت الثورة التقنية الحديثة في خلقه. وهذه الحقيقة تصدق ليس فقط على الفلسفة، والعلم، بل على كل المناحي الثقافية. وبعبارة بسيطة أقول: المؤسسات الرسمية أكاديمياً، لم تعد قادرة على مواكبة التطور الذي يرمي إليه قادة الخليج العربي، ولاسيما في السعودية، والإمارات، والبحرين، بل إن هذه المؤسسات أضحت عائقاً أحياناً أمام هذا التطور، وموئلاً لانتشار التقاليد المتجاوزة، والسطحية الطاغية. أما بخصوص ضرورة الفلسفة، فأقول ببساطة: تعلم الفلسفة يحمي من الغباء؛ الفردي والحضاري.

تحولات وأسئلة
من جانبه يقول د. عبدالله المطيري «أستاذ الأصول الفلسفية للتربية بجامعة الملك سعود، وعضو مؤسس لحلقة الرياض الفلسفية»: هناك أربع ركائز معرفية، تفسر ظاهرة الاهتمام الشبابي «الفيسبوكي» بالفلسفة يمكن أن نجملها على النحو التالي: المجتمع السعودي مجتمع فتي وحيوي بنسبة الشباب فيه، ما يجعل منه فاعلاً وحيوياً. كما أن المجتمع السعودي مرّ في العقود الثلاثة الأخيرة، بأحداث فكرية كبيرة، وتحولات اجتماعية موازية، أدت إلى رفع حدة الحاجة للبحث في أسئلة كبرى متعلقة بالمصير الفردي والجماعي. إلى جانب عامليْ الاستقرار الاقتصادي، والسياسي، الأمر الذي وفر مساحة فكرية استقطبت المهتمين، والمهتمات، وساعدت في توفير شروط تكوين مجتمع معرفي فلسفي.
وعن أهمية الفلسفة اليوم في زمن الثقافة التقنية يتابع د. المطيري: «الفلسفة اليوم حاجة ضرورية مع عالم مفتوح، وسريع التغيّرات، والتحولات. والأجيال الجديدة تواجه أسئلة كبرى تتعلق بمستقبل الإنسان والكون، وتطورات العلم، والتهديدات المتصاعدة للبيئة على الكرة الأرضية، فهي اليوم أكثر إلحاحاً كرفيقة للمستقبل، ويفترض أن تبقى متاحة في عالم الأجيال الجديدة».

طالبات فلسفة: ضرورة ملحة
وفي ما يتعلق بضرورة تدريس الفلسفة في المدارس، تقول الإماراتية فاطمة علي «تخصص فلسفة وعلوم سياسية وقانون دولي»:
تدريس الفلسفة يتوافق تماماً مع مشروع النهضة الفكرية، والحراك الثقافي الذي تقوده دولة الإمارات، ويدعم خطابها في محاربة التطرف، ونبذ العنف، ويحقق التعددية الفكرية، والحرية العقدية. وسابقاً كانت مادة الفلسفة إحدى مواد المرحلة الثانوية في الإمارات، ومؤخراً تم إقرارها في السعودية، ولذلك يتعين إعادة تضمين مادة الفلسفة، ومواد أدبية أخرى كمادتي التاريخ، وعلم الاجتماع، في مناهجنا التعليمية المدرسية والجامعية، لخلق ورفع الوعي، وتعزيز التفكير الناقد، أسوة بالجهود المبذولة في الاتجاه العلمي، كي يتحقق التوازن في المنظومة التعليمية، ويرسخ مكانة الدولة الثقافية عربياً، وعالمياً، ويبني جسوراً جديدة للتعاون بينها وبين دول العالم.
وتقول الإماراتية بخيتة عبدالله «تخصص فلسفة»: الحاجة للفلسفة تبدو ملحة أكثر في مجتمعاتنا المحافظة والتي يمارس فيها البعض الوصاية على الفكر، بداية من العائلة، مروراً ببعض المؤسسات التعليمية التي تنتهج فصلاً واضحاً بين التعليم، والتفكير، مع سياسة التلقين والحفظ في منظومتها التعليمية. حان الوقت كي نخلص الفلسفة من الخرافات التي طالتها، لأنها ضرورة حتى نستعيد سرديتنا المصادرة تاريخياً، ونحصل على هويات تشبهنا في زمن العولمة، والأيديولوجيات المتطرفة، والاستهلاكية المتوحشة. وحتى لا يكون نتاج أنظمتنا التعليمية، أجيالاً كاملة غير قادرة على صياغة فكر ناقد مستقل هو شرط ضروري لاستئناف الحضارة.
وتقول الإماراتية حنان النقبي «تخصص فلسفة»: أثق بأنه إذا تم تدريس الفلسفة في مدارس دولة الإمارات، فإننا سنشهد تغييراً إيجابياً بعقلية الطلاب من الجنسين. فنحن نمر بزمن مليء بالحروب الفكرية التي تستهدف العقول الصغيرة، والضعيفة التي لا تجد الوسائل الدفاعيّة. وهنا يأتي دور الفلسفة وتأثيرها الإيجابي. فهي تعزز الفكر النقدي لدى الفرد، وتنمي القدرات المنطقية والتحليلية التي ستمكّنه من محاربة التشدد، والتطرف، وأي أفكار هدامة مؤذية لمجتمعه، فهي تحرس عقله من بذور التعصّب والانغلاق، كما أنها ترفع من ثقته بنفسه وبقدراته. ونظراً لجملة الفوائد التي تقدمها الفلسفة، أرى أن لإدراجها في المناهج الدراسية أهمية ينبغي عدم تجاهلها، لأنها الحكمة والتسامح الأخلاقي بأرقى تجلياته.