تونس ومصر: نحو بناء نموذج للثورة حسب د. أحمد يوسف أحمد:عندما أطلق الشعب التونسي شرارة ثورته، وانتقلت هذه الشرارة بمنتهى اليسر إلى مصر ذهب كثيرون إلى أن هذا أمر طبيعي، نظراً لنضج ظروف الثورة في الحالتين، وبالتالي فإن من الطبيعي أن تتأثر أي منهما بما يحدث في الحالة الأخرى، غير أن الأمور كشفت في حوالي سنة ونصف السنة من نجاح الثورتين في الإطاحة برأسي النظامين في البلدين وأن المسألة ليست مجرد نضج لظروف الثورة ضد نظامين مستبدين طال بقاؤهما في الحكم، وأصابهما الفساد في الصميم، ولكنها بالإضافة إلى ذلك -وربما أهم منه- تشابه مراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي قبل الثورة على النحو الذي جعل مسارها في البلدين متشابهاً في خطوطه العريضة بشكل لا يستطيع أحد إنكاره، مع أن الأفكار الأولى كانت تشير إلى أن اختلاف التجربة التونسية سياسياً واجتماعياً في ظل بورقيبة، وانفتاح تونس على أوروبا بدرجة أكبر بكثير مما هو الحال في مصر ربما يجعل مسار كل ثورة مختلفاً عن الآخر. ولنتتبع الأمور منذ بدايتها. إعادة رسم المسافة بين الصحفي والسياسي على حد قول عبدالوهاب بدرخان: يكاد يمضي عام على التحقيق العميق الشامل الذي بدأته "لجنة ليفيسون" على اسم القاضي الذي يرأسها، في قضايا التنصت التي تورطت بها جريدة "نيو أوف ذي وورد" اللندنية. عشرات من السياسيين ونجوم الفن والصحفيين ورجال الشرطة والأشخاص العاديين مثلوا أمام اللجنة، بعض منهم ضحايا وبعض آخر لاعبون متهمون، وبعض ثالث شهود. بضع عشرات من الصحفيين والأمنيين اعتقلوا. مبالغ كبيرة دفعت وستدفع على سبيل التعويض. كثيرون فقدوا أعمالهم وتلوثت سمعتهم. الجريدة نفسها اعتذرت واختفت طاوية تاريخها كواحدة من أقدم صحف بريطانيا، واستعيض عنها بنسخة الأحد من جريدة "الصن" زميلتها في الشراكة العملاقة التي يملكها روبرت مردوخ. فظائع ارتكبها الآخرون يرى نعوم تشومسكي أن من الجرائم الكبرى التي لا تزال تداعياتها الخطيرة جداً مستمرة، نذكر اعتداء قوات مشاة البحرية الأميركية على مدينة الفلوجة في نوفمبر 2004. لقد سُمح للنساء والأطفال بالفرار إن تمكّنوا من ذلك. وبعد أسابيع عديدة من القصف، بدأ الهجوم بجريمة حرب مخطط لها بعناية: اجتياح مستشفى الفلوجة العام، حيث أعطيت الأوامر للمرضى والممرضين بالانبطاح أرضاً قبل تقييد أيديهم. وبعد فترة وجيزة أُزيلت القيود، وأصبح المجمّع آمناً. أما التبرير الرسمي فكان أن المستشفى يعلن عن عدد الضحايا المدنيين، واعتُبر بالتالي سلاح بثّ بروباجندا ترويجي. ما لاحظته من قلق المثقفين والإعلام عموماً في داكار، هو الخاص بمخاوفهم المشروعة، مما يبدو تمهيداً للتدخل الأجنبي المتجدد والمباشر، حيث كانت مالي والسنغال آمنتين لحد كبير من هذا النوع من الاضطراب المؤدي للتدخل. ويبدو أن القلق يمتد لبلد كالجزائر، فتراقب وتتابع بحذر، ولكنه يبدو قريباً من أفق أوضاع شبه عسكرية في النيجر وموريتانيا. ومن حسن الحظ أن الظنون التي كادت تتجه لموقف فرنسا قد أوقفتها بدرجة ما نتائج الانتخابات الفرنسية، التي قد تكون ذات فعالية مهدئة في المشروع العولمي للصحراء الكبرى الأفريقية! لتنعم داكار ببعض الهدوء، ويراجع "الثوار" أو"المتمردون" موقفهم في "باماكو" و"تمبكتو". سوريا بين الأقليات والأكثرية كثر الحديث- على حد قول د.طيب تيزيني- عن الوضع الطائفي في سوريا، وعما إذا كان هذا الوضع هو الذي سيكون "بمثابة القشة التي ستقصم ظهر البعير"، بل إن حالة جديدة يسجلها الباحث المراقب لأهميتها وهي ارتفاع نبرة الحديث عن ذلك الوضع في سوريا بالتوافق مع أحداث عسكرية دامية تُقَّدم في الإعلام على خلفية صراع طائفي. وجاء من قبيل ذلك ما حدث بين سكان من مدينة السويداء الدرزية ومدينة درعا السنية، حين جرى اختطاف عدد معين من كلتا المدينتين، وحين راح البعض يسوقه بصفته حادثاً طائفياً، كان ذلك قبل ما يقرب من الأسبوعين. ولولا أن تصدى لهذا الحدث جموع من المواطنين العقلاء، حيث دفنوه كما دفنوا أحداثاً أخرى مماثلة سابقة في ذاكرة الموت المقيتة، لكان أحدث مذبحة بين أبناء المدينتين المذكورتين.