هل يمكن اعتبار الفيسبوك سيرة شخصية تكتب كل يوم على مواقع التواصل الاجتماعي؟ أم أن ما يكتب ليس سوى تزوير لواقع شخصي واجتماعي؟ ولماذا نحن اليوم هائمون داخل مواقع التواصل بحيث لا يكاد يمر وقت دون أن نرتبط بالآخرين لنسرد عليهم حكاية نؤلفها كي نوجد بشكل ما؟ وهل يمكن اعتبار هذه الحكاية حقيقة شخصية أم افتراضية تقبل الصدق أو الكذب؟ ولماذا لا نستطيع العيش من دون الآخرين؟ وماذا كانت الحال قبل كل هذه المواقع التي تجعلنا ودودين ومتقاربين بداخل كوكبة تتسع وتتنامى في كل لحظة كي تهرب من وحدتها!؟

في كل يوم يكتب الفيسبوكيون نبذة من حياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث تنقل اليوميات والانفعالات والصور والفيديوهات، وكأن الفرد ينقل جل تحولاته اليومية للآخر، موثقاً بذلك ما يحدث فعلاً وما لا يحدث، وهذا ما جعل العديد من الأبحاث والدراسات تركز على الفيسبوك كوسيلة للتواصل الحديثة التي تغلغلت في الحياة الشخصية، إنْ لم نقل هيمنت عليها! وعلى الرغم من كثرة جوانبه السلبية إلا أن هناك مكامن قوة تظل مستترة في النفس البشرية، على رأسها الرغبة في العيش مع الآخرين رغم أن هذا العيش قد لا يماثل الحقيقة.
يشكل كتاب «الفيسبوك قتلني»FACEBOOK M’A TUER للباحثين ألكسندر دي زينار وتوماس زيبر Alexandre des isnards et Thomas zuber كتاباً له أهميته الخاصة، إذ يقف على الكثير من الأسباب التي تجعل للفرد رغبة ملحة في العيش في العلن، وكأن الفيسبوك يعلن حقيقة مثالية تكمن في أننا لو أردنا أن نعيش سعداء، ينبغي أن نعيش مرئيين، ولذا فإن الفرد لا يستطيع أن يحيا دون سرد «سير صغرى» في حياته اليومية. فحين نقرأ ما يكتب في الفيسبوك، فنحن نقرأ آلام وأوجاع الفرد كنقله مثلاً إلى المستشفى، أو موت أحد أقربائه، بحيث أن الكثير منهم قد ذهب إلى «أقسى لحظة» كأن يظهر وجه الميت لكل رفاق الفيسبوك، هذا فضلاً عن ألم الركبة أو ألم القدم أو صداع الرأس، ناهيك، في المقابل عن فرح الذاهب إلى المدرسة والحاصل على شهادة أو تكريم أوالجالس في مطعم أو مقهى أو الراكب في سيارته وهو ينصت لموسيقاه المفضلة، وقد يرفق هذا بشذرة عن كل تحولاته اليومية والنفسية والاجتماعية حتى لكأننا في سوق مشتركة، بحيث نستطيع أن نتخيل كل الأصوات التي تصرخ في الفيسبوك عن غلاء المعيشة وعن الأكل المضر والمستورد والحبيبة الضائعة والوطن الضائع والعالم الذي تشرد فجأة في صور الآخرين... ونحن لا نستطيع تخيل حجم كل هذه الأصوات التي تغرد دفعة واحدة لأن ذلك سيكون لا محالة صعب الاحتمال.

سيرة مزورة:
من جهة أخرى، يشبه الفيسبوك بشكل ما السيرة الذاتية في تزويرها للحقائق الشخصية، فهو إلى حد ما يماثل كتابة السيرة الذاتية التي تبلغ أقصى المجاز في التخييل وفي سرد الأحداث المفتعلة، وهذا ما جعل هذه الحقائق في كثير من الأحيان مغلفة بتضخيم الأنا النرجسية التي تسرد وتبالغ من أجل إثارة الآخرين واستمالتهم قصد التأثير فيهم بشكل ما، بحيث يتجلى لكل الأفراد «مثالاً ناصعاً» في الأخلاق والغيرة على الوطن وعلى المبادئ، وهذا ما ينطق به الفرد على العموم في حياته اليومية، وهو ما يجعله شديد المبالغة في تزويره لمظهره وسلوكاته تجاه الآخرين وحقيقته.
وقد امتد هذا الموضوع ليطال العديد من الأعمال الإبداعية التي أصبح الفيسبوك مادتها الخصبة، والتي نقرت على هذا الوتر الذي له فعل المخدر! مثل رواية «الترابط السيئ mauvaise connexion» للكاتب جو ويتيك Jo witek، وهي رواية تقوم على شخصية مراهقة يتم استغلالها في التواصل الفيسبوكي، مثل دمية متحركة..! وأيضاً رواية «طريق الغرام» للكاتبة ربيعة ريحان التي تحكي عن مطلقة تقيم علاقة عبر الفيسبوك لإطفاء ظمأ المرارة الجاثمة! إضافة إلى أفلام عدة تتحدث عن الأثر ذاته في الحياة النفسية والاجتماعية للفرد.
ولأن الأعمال الإبداعية أمست تستقي العديد من موادها من الفيسبوك والعديد من مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، فإن هذا يدل على أن هناك شيئاً أقوى من مجرد تواصل إنساني عاد، شيئاً له امتداد ومعنى آخر.

علاج للذات أم قهر لها؟
لا شك أننا نقف اليوم مذهولين أمام الكثير من الأشخاص الذين بدؤوا بالفعل في العلاج من الترابط المفرط، ولعل عمل الباحثين والمحللين النفسانين ميخائيل ستورا وآن ايلبات Michael stora et Anne ulpat «الترابط المفرط hyper connexion»، يدل على ذلك، فقد أصبح العديد من الأشخاص يعانون الإفراط في الترابط عبر الإنترنيت، وهي صيغة تجعلهم بمنأى عن الواقع قد يصل بالفعل إلى انفصال تام عنه، بحيث تبدو الحقيقة هي اللاحقيقة، أو هي شاشات التخييل التي يختلقها هؤلاء الأشخاص كي يعيشوا بسلام. إن ذلك يشبه عبارة أوسكار وايلد الشهيرة: «امنحني قناعاً كي أقول الحقيقة»، وربما يصدق عليها هذا الانزياح اللطيف: «امنحني قناعاً كي أعيش بسلام»، فنحن في حاجة إلى أقنعة تتواصل وهي بشكل ما تعود كلها إلى تغذية «الهو» النائم بداخلنا كي يستيقظ بواسطة سلسلة من «اللايكات» والتعليقات والرسائل والقلوب والدببة الحمراء والأغاني التي تردد الحب.. وكل الأشكال والصيغ التي تجعل الأفراد بعيدين تماماً عن الواقع اليومي، بحيث يبدو الواقع مختلاً بعيداً عن كل أشكال الرومانسية الحالمة والاهتمام المتزايد بالنجومية المقبولة، ولذا نجد الفرد يختار أن يكون افتراضياً في جل المشاعر والآراء، بل إنه يكره الآخرين الذين لا يمتون بصلة إلى كائناته الافتراضية النبيلة، وهو إشكال يظل مطروحاً، فنفس الأشخاص الذين يجوبون المواقع الافتراضية هم أشخاص حقيقيون، ولكنهم في الواقع شاحبون مقهورون منهزمون وغير مثاليين بالمرة، ومن الصعب أن نتواصل معهم بشكل طبيعي صريح وواقعي، ذلك أنهم في الشبكة العنكبويتة يكونون في وضع أفضل! إذ في هذا الفضاء لا يهم أن ننشر شيئاً مسؤولاً، ولكن الأهم أن الوظيفة اللغوية تتغير لتنشر أشياء غير مهمة وغير عابئة بشيء، نحن على هوى الفيسبوك بحيث يمكنك في أقل من دقائق معدودات، أن تصبح ملاكاً أو حكيماً أو فناناً أو ناقداً أو مصوراً فوتوغرافياً أو باحثاً في الجمال وقد تتحول إلى أسطورة... ويبقى الرضى جماعياً والرأي العام مشتركاً ويتحرك بواسطة الإيمان بالأغلبية المزعومة التي لا بد أن تمثلنا بشكل أو بآخر.
إننا نرغب في أن نشبه الآخرين، وهذا فكر أبدي قبل أن تظهر مواقع التواصل الاجتماعي، فهي غريزة انتقلت إلينا من ليل الأزمنة الغابرة، وهي لا تنفك تبسط أجنحتها على أرواحنا العليلة التي لا تريد أن تعيش وحيدة منعزلة، متفردة في آرائها، فالانسياب الجماعي هو ما يحركنا تجاه الإيمان بجل المعتقدات التي تحيط بنا، لذا فنحن نشبه بعضنا البعض في كثير من الأحيان، نتقمص عواطف بعضنا، وأفكاره أيضاً، والعديد منا هم باحثون دون شعور منهم عن السعادة،

خيال أجمل من الواقع:
في القديم كانت المسافة بين الناس حقيقة قائمة، بحلوها ومرها بحيث ألهم البين العديد من الشعراء والفنانين، وجعلهم يخلقون أجمل الاستعارات في الأدب أو الفن على السواء، فنحن لا يمكن أن نغض الطرف عن معجم طويل عريض في السهاد والوجع والانتظار والصمت والنوى.. أما حالياً، فيبدو أن الحقائق تغيرت فأضحى القريب نفسه مرغوب بعاده، إذ إن الفرد يخلق المسافة التي كان مجبراً عليها في الزمن البعيد، ليختار مناره الخاص ويرشد السفن التي يرغب أن ترسو على شواطئه، وهي مشاعر تظل غريبة التأويل، غير أنه يمكن أن نعزو ذلك إلى أن الفرد منبهر بعدم وضع اليد على كل التفاصيل التي يوجد عليها الشخص الآخر، فما أكثر العلاقات الافتراضية التي انتحرت وانقبرت حين اصطدمت بأرض الواقع، لأن الخيال كان ينعشها ويجملها ويجعلها قريبة من القلب والمشاعر، ومن المؤكد أن العديد من الأشخاص يمكنهم أن يضعوا صوراً جميلة وفاتنة على بروفايلاتهم لأنها تستطيع أن تستميل الكثير من «الفراش» ذكوراً وإناثاً، وتجعلهم يعبرون عن إعجابهم بجمال الصورة، حتى ولو كان يعلم يقيناً أنها مجرد «زيف مقيت»! إنه رغم ذلك يعشق كل التعليقات لأنها تضعه في مرتبة نفسية أعلى، وتقضي على النقص الشخصي الذي يشعر به في الواقع، فالعيش بواسطة القناع يكون أفضل، ولا عجب إنْ وجدنا العديد من الأشخاص يحملون مشاعر إنسانية نبيلة وأفكاراً متقدمة، لكن عالم الصور والافتراض لا يمنحهم صك العبور للحصول على أمكنة أرحب، فيقترضون صوراً وهمية ترمم مظهرهم الخارجي، غير أن اكتشاف تزويرهم قد يؤدي بهم إلى الكارثة، لأنهم كائنات منبوذة من الواقع الذي لا يرحم شكلهم الخارجي.

مدن لا حدود لها:
يبدو الفيسبوك مثل مدن بلا حدود، فللفرد أمكنة يمكن أن يجوب فيها بلا نظام ودونما رقابة ذاتية صارمة، ما عليه إلا أن يحرك سبابته أو يحضن في كفه الفأرة التي تحرك اللايكات في كل اتجاه مع الطقوس والعلامات، ويتحول إلى كائن أكثر واقعية من الأشخاص الطبيعيين، بحيث إننا اليوم نشبه حياتنا بالفيسبوك وليس العكس، فهو الأصل الذي تنبجس منه الأخبار والإشاعة والسخرية، وهو الطبيب الذي يعالج ترهاتنا وأعطابنا الداخلية. فأبطاله متواطئون، يربتون على«منشورات» بعضهم البعض بأعذب الجمل والألحان، لذا فلا خوف من هذه المملكة ومن مرتاديها، كأنه يقول لنا: من دخل مملكة الفيسبوك فهو آمن! حتى حين!

مشاعر حقيقية أم زيف؟
تقيم مشاعر الفيسبوك في اللامكان، فهي إقامة مفترضة، وبالرغم من أن حقيقتها غير واقعية، فإن العديد من الأفراد ينتعشون من خلالها ويرون أنها حقيقتهم الآسرة، وربما تصل عبر سكون الليل والضوء المنبعث من الحاسوب أو من الهاتف المحمول وانتظار الكلام المعسول واللهاث والنقط التي تحذف والايموتيكون الذي ينقل كل مشاعر الحب والرغبة والوجع.. إلى أن تخلق حقائق أخرى لا تمت بصلة إلى حقائق الواقع المرة؛ حقائق عوالم الافتراض التي تبدو مثل أحلام يقظة يتيه فيها الخيال وهو يوجه نواياه وانتظاراته.
إن لمشاعر الفيسبوك، برغم وهنها ولا صدقيتها، منطقها ولذاذتها عند الكثيرين، فهي تؤسس ملكوتها الخاص في هذه الأرض الهائمة، وهي بذلك تبعد الفرد عن العديد من العلاقات الاجتماعية العنيدة، ويغدو المجتمع بالنسبة إليه هو الكائن الافتراضي النائم في أحضان الشبكة، وهو أنبل كائن على وجه الأرض، لأنه يضخ المشاعر بانسياب لانهائي وبإفراط غامض!؟