الاتحاد (القاهرة) - هو أبوعمر يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر بن عاصم النَمَرِيّ الأندلسي، القرطبي المالكي، المعروف بابن عبدالبر، الإمام الفقيه ، والمجتهد الحافظ ، محدث عصره، كان قاضيا ومؤرخا، وصاحب التصانيف المهمة في شتى فروع العلم الشرعي. يقول الداعية الإسلامي د. راغب السرجاني ــ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ــ: ولد أبن عبدالبر في قرطبة عام 368 هـجرية ، ونشأ بها وتعلّم الفقه والحديث واللغة والتاريخ، وارتحل إلى بطليوس أيام سقوط الدولة الأموية بالأندلس، وعاش بها في كنف أمراء بني الأفطس، وولي قضاء أشبونة وشنترين في حكم المظفر بن الأفطس، أحد أمراء بني الأفطس، ثم تحوّل إلى شرق الأندلس، فنزل ببلنسية ودانية، وطلب العلم بعد سنة 390، وأدرك كبار العلماء، وطال عمره، وعلا سنده، وتكاثر عليه الطلبة، وجمع وصنف، ووثّق وضعّف، وسارت بتصانيفه الركبان، وخضع لعلمه علماء الزمان. ثناء وأثنى العلماء والمؤرخون على ابن عبدالبر كثيرا، لما تميز به من صفات العالم والفقيه الذي قضى حياته في خدمة الإسلام وعلومه، فقال الحميدي عنه: ابن عبدالبر أبو عمر فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف، وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع، يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي. وقال أبو علي الغساني: لم يكن أحد ببلدنا في الحديث مثل قاسم بن محمد، وأحمد بن خالد الجباب. ثم قال أبو علي: ولم يكن أبن عبد البر بدونهما، ولا متخلفا عنهما، وكان من النمر بن قاسط، طل وتقدم، ولزم أبا عمر أحمد بن عبدالملك الفقيه، ولزم أبا الوليد بن الفرضي، ودأب في طلب الحديث، وافتنّ به، وبرع براعة فاق بها من تقدمه من رجال الأندلس، وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه والمعاني له بسطة كبيرة في علم الأنساب والأخبار، جلا عن وطنه، فكان في الغرب مدة، ثم تحول إلى شرق الأندلس، فسكن دانية، وبلنسية، وشاطبة وبها توفي. وذكر غير واحد أن أبا عمر بن عبد البر ولي قضاء أشبونة مدة. وعن علاقة إبن عبدالبر بابن حزم قال الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء: إن أبا عمر بن عبدالبر كان صديقًا لعلي بن حزم الأندلسي، وكان ينبسط إليه ويؤانسه، وعنه أخذ ابن حزم فن الحديث.وقال إسماعيل بن عمر بن كثير في كتابه البداية والنهاية : وكان -أي علي بن حزم الأندلسي- مصاحباً للشيخ أبي عمر ابن عبدالبر النمري، وكان مناوئاً للشيخ أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي. وكان علي بن حزم الأندلسي يصفه بالصاحب، وروى ذلك كثيراً في كتبه كالإحكام في أصول الأحكام، والمحلى، والفصل في الملل والأهواء والنحل، فيقول: «كتاب كذا لصاحبنا أبي عمر». ثم إن علي بن حزم الأندلسي يذكر ابن عبدالبر في كتبه، ويضفي عليه صفة الإمامة والاجتهاد، يقول في كتابه جوامع السيرة: «وممن أدركنا ممن جرى على سنن من تقدم ممن ذكرنا: مسعود بن سليمان بن مفلت أبو الخيار، ويوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر النمري، فهؤلاء أهل الاجتهاد من أهل العناية». وأشاد في رسالة فضل الأندلس به وبمصنفاته فقال: «ومنها كتاب التمهيد لصاحبنا أبي عمر يوسف ابن عبدالبر، وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً، فكيف أحسن منه، ولصاحبنا أبي عمر ابن عبدالبر المذكور كتب لا مثيل لها». مؤلفاته وترك ابن عبدالبر من تآليفه وتصنيفاته مكتبة زاخرة، فقد صنف رحمه الله في الفقه وأصوله وفي علوم القرآن والقراءات والحديث وعلومه والتراجم وعلم الرجال والتاريخ والسير والأنساب، وغيرها، ومن هذه المؤلفات: الأجوبة الموعبة في الأسئلة المستغربة، وأخبار أئمة الأمصار، والاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، وتجريد التمهيد في الموطأ من المعاني والأسانيد، والاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو بن العلاء بتوجيه ما اختلف فيه، والإنباه على قبائل الرواة، والاتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، والإنصاف فيما في بسم الله من الخلاف، والبستان في الأخدان، وبهجة المَجالس وأنس المُجالس وشحذ الذاهن والهاجس، والبيان عن تلاوة القرآن، والتجريد والمدخل إلى علم القراءات بالتجويد، والتقصي لما في الموطأ من حديث الرسول، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، وجامع بيان العلم وفضله، وجمهرة الأنساب، والدرر في اختصار المغازي والسير، ورسالة في أدب المجالسة وحمد اللسان، وشرح زهديات أبي العتاهية، والشواهد في إثبات خبر الواحد، والعقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم عن الحكماء والعلماء، والقصد والأمم في التعريف بأصول أنساب العرب والعجم، والكافي في فقه أهل المدينة. ومات ابن عبدالبر في شهر ربيع الآخر، سنة 463 هجرية عن عمر يناهز الخامسة والتسعين.