رسوم الكعبة المشرفة درّة الفن الإسلامي
الكعبة بمكة المكرمة هي قِبلة المسلمين في كل أرجاء الكون يتوجهون إليها أينما كانوا في صلواتهم ويقصدها من يستطيع السبيل منهم حاجا أو معتمرا وتكاد تكون بكسوتها السوداء ذات الكتابات الموشاة بالذهب الصورة الذهنية الأكثر شيوعا عن الإسلام وأعمقها دلالة على مغزى التوحيد والمساواة الكاملة بين المسلمين.
كانت الكعبة ومازالت بالطبع موضوعا أثيرا لفنون المسلمين عبر العصور فعملت لها الكسوات من أثمن الأقمشة وجعلت لها الأبواب المصفحة والمفاتيح الذهبية، وإذا كانت اليوم موضع عناية المصورين أناء الليل وأطراف النهار وقد انتظم حولها قصاد بيت الله الحرام بإزاراتهم البيضاء فإنها كانت بالمثل موضع اهتمام الفنانين المسلمين من الرسامين وصناع الخزف يصورونها في أعمال لطالما وجدت من يحرص على اقتنائها.
أهمية توثيقية
ولرسوم الكعبة في الفنون الإسلامية أهمية توثيقية من جهة أنها تمثل تصويرا لحالها قبل ظهور كاميرات التصوير وهو تصوير أفصح وصفا من كل أقوال المؤرخين والرحالة مهما أسهبوا في الوصف وأسبغوا عليه من بلاغتهم وفصاحتهم من زخرف القول.
وتحتشد المخطوطات الإسلامية بعشرات من المنمنمات التي تصور الكعبة توضيحا لنصوص دينية أو تاريخية بل وأدبية، وإن كان أغلبها محض توضيح لطبوغرافية الحرم المكي ومحتوياته المختلفة، وعندما ظهرت المطابع الأولى كانت الصور المنفذة بالزنكوغراف للكعبة المشرفة تلقى رواجا واسعا بين المسلمين.
ورغم الوفرة الكبيرة من المنمنمات التي صورت الكعبة فإن عدداً قليلاً منها يمكن عرضه على الجمهور نظرا لوجود رسوم لملائكة أو لأنبياء فيها ومن تلك الصور القليلة واحدة تمثل زيارة الإسكندر الأكبر للكعبة المشرفة بعد قضائه على دارا ملك الفرس وذلك طبقا لرواية الشاهنامه أو سيرة ملوك الفرس الأقدمين التي ألفها الشاعر الفارسي الكبير الفردوسي. وهذه التصويرة ضمن مخطوط أنجز في مدينة شيراز بجنوب فارس في منتصف القرن العاشر الهجري”16 م”.
الإسكندر المقدوني
وقد رسم المصور الكعبة ورفعت عن أسفلها الكسوة السوداء وحولها المعتمرون بملابس الإحرام يؤدون شعائرهم، بينما رسم الإسكندر المقدوني بملابسه الكاملة وهو يتفحص الحجر الأسود والصورة تكاد تمثل واقع الحال في المسجد الحرام في زمن المصور، بما في ذلك ملابس الإسكندر وعمامته وملابس وأسلحة الجند الذين يقومون بحراسة المقدوني خلال زيارته للكعبة المشرفة.
ومن الرسوم المتواترة للحرم المكي وبوسطه الكعبة المشرفة عدة صور كان فنانون مسلمون من الهند يتخصصون في رسمها مذيلة بعبارات باللغة الفارسية تفيد أن الحاج صاحب الصورة قد قام بالحج فعليا مع خاتم الرسام الذي كان معروفاً بأنه مقيم بمكة، وينظر لهذا النوع من الأوراق باعتبارها شهادة بالحج يعتز أصحابها بها وربما يعرضونها على زوراهم.
ولدينا رسمان مختلفان في ألوانهما مع اتفاقهما التام تقريبا في رسم ملامح المسجد الحرام ففضلا عن توضيح حجر إسماعيل ومواضع أئمة المذاهب الأربعة رسمت سبع مآذن للحرم المكي وهو ما يجعل نسبتهما للقرن الحادي عشر الهجري “17 م” أمراً حتمياً لتطابق عدد المآذن مع أقوال المؤرخين للعصر العثماني وبالفعل نجد على إحداهما ما يفيد أنه رسم في شهر صفر من عام 1192 هـ قبيل مغادرة الحاج الهندي لمكة المكرمة عائدا لبلاده.
رسوم ماليزية
ولم تتخلف ماليزيا عن ركب إنتاج الرسوم الخاصة بالكعبة والحرم المكي فلدينا مخطوط بلغة مسلمي الساحل الشرقي لشبه جزيرة ماليزيا يعود تاريخه للقرن التاسع عشر بالحروف العربية، وبه صورة بالحبر الملون على ورق أوربي توضح صورة الكعبة المشرفة والمنبر وبعض المآذن مع تمثيل مرتبك للأروقة التي تحيط بالمسجد الحرام ورغم بعض التشابه بينها وبين الرسوم الهندية في شهادات الحج، فإن المصور يبدو أنه رسم الصورة من الذاكرة بعد مشاهدته للحرم المكي أو مطالعته لصورة أخرى أقدم تاريخا.
ومن بواكير عصر طباعة الأوراق الملونة يحتفظ المتحف البريطاني بلندن بصورة مطبوعة في مطبعة السعادة بمصر وهي تمثل طابع الفن الشعبي ويعود تاريخها لعام 1902 م. وموضوع الصورة هو تمثيل قيام الخديو عباس حلمي الثاني وهو يهرول بين الصفا والمروة في رحلة الحج الشهيرة التي سافر فيها بسفينة بخارية لجدة تعبيرا عن عاطفته الدينية الجياشة وتوكيدا للروابط الوثيقة مع دولة الخلافة العثمانية وهي الرحلة التي سجل وقائعها اليومية الأديب محمد لبيب البتانوني في كتابه الرحلة الحجازية. ومن الملاحظ أن الرسام رسم المسعى بطريقة غير واقعية بالمرة جامعا في الصورة بين قبة المسجد النبوي وواجهة الحرم المكي وأشخاص يلبسون أزياء مصرية مألوفة يحتشدون في المشهد من دون ملابس الإحرام.
من القرآن الكريم.
متحف بناكي
وبمتحف بناكي للفنون الإسلامية بأثينا لوحة من عدة بلاطات خزفية هي الأخرى من إنتاج أزنيك في نفس الفترة ولكنها رسمت من منظور مختلف يجمع بين المنظور الأفقي والمنظور الرأسي فتوضح الحرم من الخارج بمآذنه المتعددة وعددها سبع وقبابه أيضا ثم تصور الكعبة المشرفة بكسوتها السوداء وقد أحاط بها المطاف مع رسم لحجر إسماعيل والمنبر في موضعه المعتاد وبعد ذلك المقامات الأربعة لأئمة المذاهب السنية الأربعة المعروفة.
وهذا المنظر التصويري يتميز بقدر كبير من الدقة والتأنق الفني ويبدو أن الفنان الذي رسمه عاين بنفسه الكعبة والمسجد الحرام ويبدو ذلك واضحا في تمييزه الدقيق بين المطاف الذي كان مرصوفا بالرخام والمساحة المحصورة بينه وبين الأروقة والتي كانت مفروشة آنذاك بالحصباء وربما هي المرة الأولى التي ينتبه فيها فنان ممن أنتجوا بلاطات الخزف التي تمثل الكعبة والحرم المكي لهذا الفارق الدقيق في الأرضية.
وقد عني المصور هنا بإبراز الطابع المعماري العثماني لمآذن المسجد الحرام حيث رسمها جميعا بدورات آذان متعددة وبأبدان أسطوانية رشيقة تنتهي بقمة مخروطية تشبه رأس القلم الرصاص.
بلاطة خزفية بلندن
والمعروف أن الأتراك العثمانيين كانوا الأكثر عناية برسوم الكعبة المشرفة والحرم المكي خاصة وأن السلطان العثماني عندما سيطر على أراضي المماليك بمصر والشام ورث مع تلك الأملاك لقب خادم الحرمين الشريفين.
وإلى جانب رسوم المخطوطات التي عنيت بتوضيح معالم الحرم وموضع الكعبة من الأروقة والمآذن تفرد الخزافون الأتراك بعمل لوحات من بلاطات الخزف تمثل الكعبة المشرفة ومكونات الحرم المكي.
ويحتفظ متحف فيكتوريا وألبرت بلندن ببلاطة خزفية تغلب عليها درجات مختلفة من اللون الأزرق توضح رسم الكعبة والمسجد الحرام وهي من إنتاج أزنيك في القرن الحادي عشر الهجري” 17 م”. وتوضح رسوم البلاطة الكعبة بوسط المسجد وحولها المنبر ومقامات الأئمة الأربعة وكذلك أروقة المسجد الحرام وأسماء الأبواب الخاصة بالمسجد من دون اهتمام بتوضيح مآذن الحرم المكي.ويتوج الرسم بهيئة حنية محراب بها كتابات نسخية لآيات.
المصدر: القاهرة