القاهرة (الاتحاد)

«الشائعة»، خبر أو مجموعة من الأخبار الزائفة التي تنتشر بشكل سريع ويتداولها العامة ظناً منهم في صحتها، وتفتقر عادة إلى المصدر الموثوق، وتهدف إلى التأثير على الروح المعنوية وزرع بذور الشك، وتعمّد المبالغة أو التهويل والتشويه بقصد التأثير النفسي على الرأي العام لأهداف اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو عسكرية، وتعد أحد أساليب الحرب النفسية.
وحذَّر علماء الدين من خطر الشائعات على أمن واستقرار المجتمعات، حيث تكثر وتنتشر الشائعات المدمرة والمحرضة على الفتنة، مؤكدين أن الإسلام دعا إلى تحري الصدق، وحذر من الكذب.

أخبار كاذبة
بداية يقول الدكتور نبيل السمالوطي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر: إن الشائعات عبارة عن أخبار كاذبة يُراد بها بلبلة الرأي العام وإحداث الفرقة في الصف الوطني أو داخل المؤسسة التي تذاع فيها هذه الشائعات، وهي أخطر شيء تصادفه المجتمعات في عصور التغير الاجتماعي.
وفي عالمنا المعاصر أصبحت الشائعة أكثر رواجاً وأبلغ تأثيراً، تدمر المجتمعات وتهدم الأسر، وتهدر الأموال، وتضيع الأوقات، وتقلق الأبرياء، وتشعل نار الفتن والبلايا والحروب، فالشائعات ألغام معنوية، وقنابل نفسية، ورصاصات طائشة، تصيب في مقتل، وتعتبر من أخطر الأسلحة الفتاكة والمدمرة للمجتمعات والأشخاص.
وضرر الشائعة أشد من القتل، يطلقها الجبناء، ويصدقها الأغبياء الذين لا يستخدمون عقولهم ويستفيد منها الأذكياء، وأسرع الأمم تصديقاً للشائعات هي الأمم الجاهلة الفاشلة، بسذاجتها تصدّق كل ما يقال، وتردد الأخبار الكاذبة، وأما الأمم الواعية فلا تلتفت إلى الشائعات، وتكون مدركة لحيل وألاعيب المنافقين وأعداء الإسلام.
وانتشار الشائعات بصورة واسعة في المجتمعات هو إحدى سمات عصر الثورة التكنولوجية وابتكار التقنيات الاتصالية الحديثة، لأن كل شيء يدور في هذا العالم الافتراضي يتم التعامل معه على أساس أنه معلومة بغض النظر عن صحته أو خطئه، وإذا ما كانت مفيدة أو غير ذلك، فقد باتت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات التي يتم استخدامها بشكل سلبي في نشر الشائعات.

إثارة الفتن
يؤكد الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية، أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة تضافرت على حرمة المشاركة فيما يعرف في العصر الحديث
ب«ترويج الشائعة»، والتي تعني نشر الأكاذيب والأقاويل غير المحققة والظنون الكاذبة من غير أن يتثبت المرء من صحتها، مما يثير الفتن والقلاقل بين الناس، وقد وصف الله تعالى ما يسمى الآن بترويج الشائعات بالإرجاف، وهو ترويج الكذب والباطل بما يوقع الفزع والخوف في المجتمع، فقال تعالى: (لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً)، «سورة الأحزاب: الآية 60»، وقد نبهنا الله تعالى إلى أن كثيراً من الظنون يجب اجتنابها ابتداء وإهدارها تماماً من غير تبيين ولا تعيين ولا تحقق، ولا شك أنه يدخل فيها تلك الظنون التي تثير الفتن والقلاقل بين الناس.
كما يندرج ترويج الشائعات تحت النهي عن «قيل وقال»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثاً: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ»، ويدخل في ذلك الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم، فضلاً عن الترويج للأكاذيب والأضاليل وما يثير الفتن.
وأشار مفتي مصر إلى أن مروِّج الشائعة لو أدرك عظم الجرم الذي يفعله بسبب الآثار المدمرة لها على المجتمع لما تهاون بصنيعه قط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَه، لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِي جَهَنَّمَ»، ولا شك أن ترويج الشائعات يندرج تحت تلك الكلمات التي لا يلقي لها بالا فيدخل بها صاحبها - للأسف - في سخط الله تعالى، ويهوي بها في جهنم والعياذ بالله، وقد حذرنا صلى الله عليه وسلم من أن يتحدث المرء بكل ما سمع، فإن من يتحدث بكل ما سمع سيقع في الكذب وترويج الباطل، لأنه يحدث به دون تثبت أو تحقق.

سلاح الأعداء
وأكد الدكتور محمد المحرصاوي، رئيس جامعة الأزهر، أن الشائعات سلاح يستخدمه أعداء الوطن بخبث، وتعد واحدة من أخطر وسائل الحروب والتدمير قديماً وحديثاً، حيث إنها من وسائل التدمير المعنوي والمادي للأفراد والمجتمعات والشعوب، وأوضح أن الشائعة تطلق على نقل خبر مكذوب أو فيه جزء من الصحة، فيضاف إليه ما ليس فيه أو تهويل الأحداث وتضخيم الوقائع واختلاق الأخبار، ونقلها بين الناس بقصد نشر الفوضى، وإثارة الأحقاد وتفريق الصف أو الانتقام من شخص أو فئة أو جماعة، وقد يكون سبب نشرها تحطيم الروح المعنوية وبث الرعب وزرع الخوف بين أفراد المجتمع، مؤكداً أن الشائعات لا تنتشر في بيت إلا دمرته ونزعت الخير منه، ولا تنتشر في مجتمع إلا أضعفته، ولا في أمة إلا مزقتها وفرقت أبناءها وقضت على مقدراتها، حيث إنها تنتشر بين الناس بسرعة مذهلة ويتناقلوها دون تفكير أو روية.
وأشار إلى أن الإسلام اتخذ موقفاً حاسماً من الشائعات، لخطورتها الكبيرة على الفرد والمجتمع، فحذر منها وأمر المسلم بحفظ لسانه ونهى عن الكذب وقول الزور والغيبة والنميمة وأمر بالتثبت من الأقوال والأخبار وعدم التسرُّع في نقل الكلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع».

أساليب محاربتها
ويقول الدكتور عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر، إنه في خضم الموجة العاتية من انحسار الأخلاق، تبرز الشائعات وترويج الأكاذيب، وذلك من أضداد خلق المسلم، فالكذب محظور في جملته، وواجب شرعاً على كل مسلم أن يتصف بالصدق، ويتحراه في كل ما يعرض له في حياته.
وبيّن القرآن الكريم أساليب عدة، لمحاربة الشائعات ومنها الوعيد الشديد للمنافقين مروجي الشائعات، وإرشاد المؤمنين إلى التكتم على الشائعات حتى تموت في مهدها، وأمرهم أن يزجروا مروجيها ويحتقرونهم، وأمرهم بحسن الظن، وحاربها الإسلام ووقف في وجهها بكل قوة، حرصاً على البلاد والعباد، فأصلها كذب وبهتان وافتراء، يوقع العداوة والبغضاء بين الأفراد في المجتمع الواحد، فالشائعات أخطر من القتل، لأنها تثير الفتنة «والفتنة أكبر من القتل»، وحرم الإسلام الشائعات وحذر منها من منطلق إيماني أخلاقي حفاظاً على العلاقات الاجتماعية وتنمية للعلاقات الإنسانية حتى يتعاون أبناء الوطن الواحد لبناء بلادهم.
ومنهج الإسلام في التعامل مع الشائعات هو ضرورة التثبت من الأفكار والمعلومات والأخبار، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، «سورة الحجرات: الآية 06».

علاج الشائعات
أشار الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية، إلى أن علاج الشائعات إنما يكون بوأدها في مهدها قبل تفاقمها والامتناع عن إذاعتها، وقد نهى الإسلام عن الخوض فيما ليس للإنسان به علم، ولم يقم عليه دليل صحيح، وعدم التهاون والتساهل في أمر الشائعة، واعتبارها أمراً هيناً، وهي عند الله عظيمة، لما فيها من الوقوع في أعراض الناس، وإثارة الفتن والإرجاف في الأرض.