إن المتتبع لتطورات الضجيج الأدبي حول النسوية، يحزنه مآل بعض الكاتبات اللاتي ينزلقن في عنف الرد وعجالته، بنيّة إثبات المساواة في حقوق الإبداع الإنساني؟ إلى متى تظل الكاتبة العربية مشغولة بالرد على النسوية؟ وحتى متى نرزح تحت منظومة معالجة الأسئلة النقدية التقليدية ـ كأن نتجادل حول مصطلح النسوية على سبيل المثال ـ وحول إحالة النص الذي تنتجه المرأة إلى حياة الكاتبة، والحكم على بعض الأعمال بأنها تضمر ميثاق السيرة الذاتية؟ وغيرها من الحملات التفتيشية في أدب وحياة الكاتبات.

تلك الأسئلة الصاخبة، الناتجة عن تراكمات التقاليد المكبلة بالموروث التعصبي أو إشكالات الأبوة في المجتمع الإنساني. إلى متى نحن محاطون بها، وبكل ما تسوقه مفاهيم وتمثيلات الأدب النسائي أو النسوية؟ أما آن أوان اقتناعنا بضرورة (الرد الزاهد) والانسحاب الضروري من ساحة المحاكمة الطافحة على قشرة الأدب بفوضى الكلام وأنماط الأحكام المستوردة؟ أما آن أوان رفض الإجابة عن بعض الأسئلة القشرية، والانطلاق إلى ما هو أعمق؟ نحو تشييد البعد الحضاري والنهوض من منزلق السطحيات بالاشتغال على مراكمة البصمة الأنثوية الإبداعية المتشكلة أصلاً من كينونة الولادة وبهجة الفضول في الأنثى، فضول إنجاب الطفل، فضول ممارسة سحر القص وخلق الشعر والفنون والموسيقى؟
إن الكائن القادر على إتقان أعظم مهمة في الوجود ـ ألا وهي حمل طفل بين أحشائه ثم إخراجه حياً على وجه الدنيا ـ هو قادر أيضاً على إعتاق إبداع أنثوي خلاّق، المرأة تلد إنساناً وهذا أعظم خلق إبداعي، أن يكون الجوهر أمومياً يعني أن الكائن مهيأ فطرياً لفن عظيم، فن يحتاج إلى فهم كبير.
كذلك الحال مع الكتابة الإبداعية، تحتاج المرأة إلى فهم الإبداع قبل خلقه، وليس الأمر بصعب على كائن امتُزِجت في الأصل عناصر تكوينه الأزليّ بالقدرة على الولادة، وبعث كائن حيّ جديد من داخله، الأمومة هبة عامة في النساء، سواءً أنجبن أو لم ينجبن الأطفال، إنهن مخولات منذ الخليقة لتعميم أمومتهن على كل شيء ينبض بالحياة والنمو والحاجة، الإبداع أمومة مطلقة تحنو على الهباء، وتعيد ترتيبه على نحو أجمل، والإبداع منذ أوله هو الجنين في بداية تخلّق، يكبر أطواراً، ويكتسب طابع الزمن الدفء والحنوّ وأنوثة الرّحم.

مطلب الحرية
أولى مراتب الحرية هي الانتباه، التركيز على حاجتنا الماسة في تطوير أبعاد جديدة، وأن نعطي لأنفسنا مساحة التنقل الخلاق بين حقول كثيرة، حقل الأمومة، والكتابة، والنسج، والحكي القصصي، والرقص، والسفر والترحال، حقنا في التصوّف وتكوين المعارف الروحية، حقنا في التفكّر بالدين وجدوى العقائد، حقّنا الأول واللانهائي في السؤال، في مشاكسة الفكر، في المغايرة دائماً، وحقنا في الحب.
لا يمكن للمرأة المكبّلة باللوم والشكوى، والمنشغلة بالرد على مسببي الجراح، أن تتفرغ بنحت الأدب العظيم والعلم والمعرفة، لا يمكن أن تكون درويشة حرّة في سماء الله، أو أن تكون بوذا، أو شهرزاد التي بفعل حيلة الحكي، وغواية الكشف الأنثوي عن المجهول، حولت الموت إلى حياة، وبدّلت الأحوال والمصائر، وارتقت بشهريار من صورته الحيوانية إلى صورته الإنسانية، فصار أكثر صمتاً وتأملاً ومغفرة، لأنه صار أكثر معرفة.
وفي موازاة مع شهرزاد كانت قبلها (شمخت) الساحرة في الحكاية السومرية التي حررت أنكيدو من صورته البريّة وحضوره الوحشيّ، بفضل حفظها لأسرار المعرفة والحكمة والمحبة، إن لم تحرر المرأة إبداعها من اللوم والتذمر، ستصبح مُدمّرة، وهذا يناقض الكينونة والطبيعة، لا تحرر المرأة نفسها بالحرب، بلغة الوحوش الخائفة والمتربصة، لغة الأحقاد والانتقام، ولن يحررها الآخرون بتلك اللغة، الحرية هي مسؤولية ملقاة على عاتق المرأة نفسها، فالعدوّ الشرس الأول للمرأة هو نفسها، دواخلها المضمرة بالرواسب المؤلمة، أو قد تكون امرأة أخرى تشبهها، قريبة في الدم منها أو تتواجد معها لمصلحة ما.
لا أتصور امرأة تفكّر بالدخول في صرح الإبداع من بوابة الحقد والحسد، أفكّر فحسب بالمرأة التي تطهّر حزنها وتغسل روح الألم بالولوج العميق داخل معبد الألم، بالتعرف إليه، بمعانقته أولاً، وخلق تفهّم حواري بينهما، ثم تقوم بوظيفة الكاهنة في تبخير المعبد برائحة الحكمة، بعبق ذوبان الألم الثقيل، الوخز العميق للذاكرة، فللألم المذاب عبق حميم مقدّس، عبق مخاض الأرض قبل ولادتنا، عبق الصلصال الواقع تحت وطأة النور والنار، المعالج بغسول أسماء الله، بعد خروج ذلك العبق يصير الحضور الواعي عميقاً، قادراً على البقاء كفاية، منتبهاً كفاية، منتجاً إلى أبعد حد.

وسكتت شهرزاد..
ماذا لو نتجت النسوية في تلك القرون البعيدة التي حكيت فيها ألف ليلة وليلة؟ ماذا لو عرفت شهرزاد بقيام حركة نسوية هنا وهناك مناهضة لحكم الملك المستبد شهريار؟ ثم ماذا لو عاشت شهرزاد إلى زمننا هذا وسألها أحد الصحفيين عن رأيها بمصطلح النسوية؟
أتوقع أن شهرزاد العالمة والحذقة والرشيدة لن تصرف اهتمامها عن متون المعرفة والأدب والفنون وغزل الحكايات، بالانخراط في هوامش حركات القهر والردود العبثية التي على الغالب هي حيلة الضعفاء، وليست لها عواقب محمودة في ذلك الزمن، زمن البطش السلطوي.
ولو كانت شهرزاد بيننا الآن وسُئلت عن النسوية ستتجاهلنا هازئة، ستنشغل بسؤال أعظم، ستبحث (بصمت) عن حيلة أنثوية غنية في الفعل والتأثير، لأنها امرأة ذكية تدرك تماماً أن المرأة حين تقف ضد الرجل، وتركز على ذلك الفعل ولو نفسياً، فإنِها تصير رجلاً أيضاً، لأنها بالضد تستنزف شعلة تواصلها بالجسد الداخلي، ترهق ذكاء جسدها الفيزيائي الذي تنبع منه ملكات الحدس. فالشكل الأنثوي أقل صلابة في انغلاقه من الذكر، لديه انفتاح وحساسية تجاه أشكال الحياة الأخرى، ومتناغم أكثر مع عالم الطبيعة. إن سحر كينونة المرأة كامن في أصلها أنثى، (الأنثى هي وعد الكينونة، بينما المرأة اختراع اجتماعي ـ. د. فتحي المسكيني). فليس من صالح المرأة أن تبذّر ذلك الجوهر الأنثوي، وتلك الندرة الخالصة بمشاعر المقاومة والقلق اللامنطقي، ذلك الجنون الذي نشأ في منطقة اللاوعي من ترسبات الذاكرة التاريخية للقمع، عبر عصور السطوة الذكورية الأسطورية، تصادر الأنثى الوليدة للإبداع الأنثوي، باعتبار أن إبداعها متهم بالسحر والهرطقة، ويتوجب ارتكاب أبشع أصناف القتل والحرق والتعذيب في حق المرأة المبدعة والمبشرة سلفاً بالتمرد.
ماذا بمقدورنا أن نفعل إزاء تلك الذاكرة السوداء؟ ليس من المنطقي أن نتعثر بالماضي، ونخلق منه افتراضات تأتي غالباً من شريعة الغاب، ونقف في عنف مضاد للرجل ثم نفترض منه الأسوأ في العصر الراهن، إن مجرد التفكير بالمقاومة عبر الرد المستنزف للوقت والروح والجمال، الرد السلبي الملخص في المظاهرات، وإعمال الحركات النسوية، أو حتى في تغيير المرأة لهيئتها الخارجية، واكتسابها بروزاً بيولوجياً خشناً في الإيماءات الجسدية، فإنها بالتالي تصبح رجلاً هي الأخرى، تصبح الجنس الذي تسعى دوماً لمحاربته.
إذن ما هو الحل؟

المقاومة بحيلة الإبداع
لا تكمن المقاومة إلا بالحيلة، وأنجح الحيل هي المقاومة بالإبداع، المقاومة الشهرزادية، المقاومة بالحكاية، بالكتابة، بالنحت، بالموسيقى، بالغناء، وبمختلف فنون الأرض، وقبل ممارسة تلك الحيل، لا بد من مراحل التعب العظيم في مناهل التعلّم والقراءة والبحث والتقصي والصبر، لا بد من المعاناة، إذ كيف تولد الحيلة العظمى دون معاناة؟ دون أن (يدوسنا الزمن) على حد تعبير (بيتر هاندكه) صاحب رواية «الشقاء العادي». كل ما فعلته شهرزاد هو العودة إلى مركز إدراك مصبات الرّوح والفكر والتدبير الأنثوي، أي العبور داخل مستويات جوهرية في أصل الذات الأنثوية، بعيداً عن مستوى المسطح الجندري الناطق بفوضى التفاضل والنديّة، الذي يقابله محاولة إثبات المساواة بعبارات جارحة وخشنة، ينتفي معها كل تزهّر أنثوي عميق وجذّاب.

شهرزاد الإمارات.. ارتقت إلى مراتب الأنثى المبدعة
حين أفكّر بالأنثى في بلدي، أشعر باتساع فضاء الطمأنينة والسلام، لأنها جذورياً نبتت من ثقة المجتمع بأهميتها، حافظت على وعد الكينونة، انشغلت في تحرير روحها إبداعياً وفكرياً، وطرحت أفكاراً مبتكرة في الفنون والأدب والبحوث العلمية، المرأة الإماراتية من أوفر نساء العالم حظاً منذ عقود، لم تختزل هويتها في الحقوقية، ولم تدفعها الحاجة إلى اللجوء لحركات تحرير المرأة والتشظي في المظاهرات. لم تؤسس ذاتها على أطروحة الحركات النسوية، لم تشحن طاقتها في تجذير مناخ الكراهية والحرب بين الجنسين، لم تتأثر باتهامات ثقافة البترودولار التي تنظر للمرأة الإماراتية على أنها (مرفهة مادياً ومضطهدة اجتماعياً)، وإنما وبفضل ثقة القائد والأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وبفضل سياسة الدولة الحكيمة الراهنة التي تبنت أسس زايد وسارت على خطاه، ثم بفضل الدعم العائلي والتشجيع الحكومي والمؤسساتي ارتقت الإماراتية إلى مراتب الأنثى المبدعة، اعتلت منصات دولية، وترأست أصعب المهام، واندفعت للإنجاز العظيم بقوة الجمال، القوة الناعمة، قوة السلام الداخلي والإيمان بالوفرة الكونية، وكانت القيادة الرشيدة هي من مهدت انتشار حقيقة النور الأنثوي.
فلقد أدركت دولة الإمارات، بعد قيام الاتحاد، أن تخلف المرأة في أيما مجتمع، سرعان ما ينقلب إلى تخلف المجتمع ككل، لذا سعت إلى استدراك ما فات من إمكانيات نسائية سالفة، واقتناص الطاقات المختزنة الجديدة في الوعي الذاتي للمرأة الإماراتية، فثمة قدرات ومواهب ورؤى أنثوية لا يمكن تجاهلها أو تحجيمها ضمن حيز استثماري ضيق، وإنما لا بد من وضع خطط تنموية شاملة ترقى بمستوى المرأة وتعزز من قدراتها، سواء بتمكين مادي أو معنوي، وبالفعل، فقد سعى الاتحاد في تحقيق التكافؤ الكامل بين الرجل والمرأة في عموم حقوق الإنسان، وكان كالبُشرى الناصعة التي أخرجت المجتمع من ضيق الأفق الاعتقادي إلى فضاءات منفتحة على تجارب المجتمعات العالمية التي حظيت فيها المرأة بمكانة إنسانية خاصة.