تشكل التجربة الشعرية للشاعر محمد خليفة بن حاضر الذي غيَّبه الموت أمس الأول في دبي عن عمر ناهز الثالثة والستين عاماً، حالة متميزة في المشهد الشعري الإماراتي كونه شاعراً استطاع أن يقدم صورة جمالية لما يحتويه الوطن من كنوز معرفية وإنسانية خلاقة. كتب ابن حاضر عن حبه العميق لأرض وطنه، وعن حلمه الجميل، مازجاً تجربته الخلاقة بالتجربة الشعرية، من خلال أسلوبه الشفاف والواضح في لغة هي أقرب إلى الناس، مع تصوير بديع مدهش يجمع كل أنواع التعبير الجمالي في اللغة، حيث عبرت نفسه الشاعرة عن الوطن وتغنى بكل جزئياته وموروثه وعادات أهله واحتفى بقيم الصحراء والبحر اللذين يرى فيهما الشاعر مكونين أساسيين من ضمن عناصر شعره. لقد مزج محمد خليفة بن حاضر بين الأصالة واتباع التقاليد العريقة في الشعر، وبين التجديد على منوال المجددين في بنية القصيدة الحديثة، ولم ينس أهمية التغني الرومانسي، حيث يقول في قصيدة له يتداولها محبو شعره: “أو تحلمين بعودة لا تحلمي ردّي علي تكلمي لا تندمي إن الدم المهراق فوق سناء آمالي.. دمي لا تحلمي بالصبح يشرق من محيّا الأنجم” ويتغنى ابن حاضر بالبحر والصحراء فيقول في قصيدته هذه: “ساظل أحلم بالليالي بالأماسي بالوجوه السمر بالشطآن بالكثبان” وعلى مستوى نثره وكتاباته الوطنية، كتب ابن حاضر عن الوطن فقال: “إن الأوطان لا تبنى إلا بسواعد أبنائها”، و”إن الوطن المستقل ذلك الذي يكون لأبنائه فيه النصيب الأوفر من كل شيء”، وهو بذلك يعلي من شأن وطنه الذي أعطاه كل ما يملك من شعر ونثر وقول وفعل. وتحفل حياة محمد خليفة بن حاضر بالعطاء المتميز، حيث ولد في دبي وتخرج من المدرسة والتحق بالسلك الدبلوماسي، فخدم في بيروت وكراتشي ثم أصبح عضواً في المجلس الوطني الاتحادي، وأسهم في تأسيس “الندوة: جمعية الثقافة والعلوم الإماراتية”، و”مؤسسة جائزة راشد للتعليم العالي”، ومقابل هذه الإسهامات المتميزة كرمه وطنه الإمارات وكرمته مؤسسات عربية كثيرة، كونه مبدعاً نشر قصائده ومقالاته في أكبر الصحف المحلية والعربية. ولمحمد خليفة بن حاضر -رحمه الله- رؤى في الشعر والنثر والحياة، حيث يرى أن الشعر يختلف عن النثر في إيقاعاته وموسيقاه، وهو أقرب إلى التعبير عن أعماق الإنسان، وأن الشاعر يستطيع أن يغير الكثير من المفاهيم، وأن الشعر ليس مجرد كلمات فيها قوة الوصف والكتابة التقنية الجيدة، فإن كانت خالية من القضايا الكبرى فهي ليست قصيدة، حيث يقول في قصيدته “عودي”: عودي، تعيدي ذكرياتي وتعود نشوى أمسياتي وتعود أيام الصبا خضراً ترف على الحياة عودي فإن جوانحي ملّت معانقة السباتِ وأرى المشاعر لم تعد تقوى على سمع الدعاة وتحسس ابن حاضر حال الأمة العربية بين انتصاراتها في الماضي والواقع الحالي الذي يرثى له، فكتب شعراً في فلسطين وفي العراق وكتب عن الناس. رحم الله محمد خليفة بن حاضر شاعراً وإنساناً تغنى بالوطن والحياة فكان مخلصاً لهما.